
أمينة، — سألتها، — عندما توقظك لولو في منتصف الليل، كيف يكون شعورك؟ فكرت قليلًا قبل أن تجيب. — أشعر بتعب شديد. يبدأ قلبي بالخفقان بسرعة. يجف فمي. وأحيانًا أحس وكأن الهواء لا يكفيني مهما حاولت أن أتنفس. في البداية كنت أعتقد أن ضغطي يرتفع. أضع حبة الدواء تحت لساني وأذهب لأنام على الأريكة في غرفة الجلوس. وبعد فترة أشعر بتحسن هناك.
-
إقالة رئيس الفيفامنذ 8 ساعات
-
طبيب عظام يكشف سرمنذ 4 أيام
-
مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026منذ 4 أيام
تأملت كلامها للحظات ثم سألت:
— هل أخبرك أحد من قبل أنك تشخرين أثناء النوم؟
بدت عليها علامات الحرج.
— مرة قالت لي إحدى قريباتي التي باتت عندي إن صوتي أثناء النوم كان غريبًا. قالت إنني أحيانًا أتوقف عن التنفس لثوانٍ ثم ألتقط الهواء فجأة وكأنني كنت أختنق.
نظرت إلى لولو.
كانت لا تزال تراقب أمينة دون أن تحرك عينيها عنها.
قلت بهدوء:
— أعتقد أن لولو لا توقظك لأنها مشاكسة أو عدوانية.
رفعت أمينة رأسها نحوي باستغراب.
فأكملت:
— ربما هي تستجيب لما يحدث لك أثناء النوم. الحيوانات تستطيع ملاحظة تغيرات التنفس واضطرابات نبض القلب بشكل يفوق ما نتخيل أحيانًا. بالنسبة لها قد يكون ما يحدث لك إشارة خطر.
حدقت بي وكأنها لم تستوعب
ما سمعته.
ثم قالت:
— هل تقصد أنها كانت تحاول إنقاذي؟
تنهدت قليلًا.
— لا أستطيع أن أثبت ذلك بشكل قاطع. لكنني متأكد من أمر واحد… المشكلة ليست في القطة.
ساد الصمت بيننا.
ثم أضفت:
— يجب أن تراجعي طبيبًا بأسرع وقت. أطلبي فحوصات شاملة. افحصي السكر. افحصي القلب. وربما تحتاجين إلى فحص التنفس أثناء النوم أيضًا.
بقيت صامتة لفترة طويلة.
ثم هزت رأسها ببطء.
وغادرت العيادة وهي تحمل لولو بين ذراعيها.
بعد أسبوع تقريبًا، رن هاتفي.
وعندما سمعت الصوت في الطرف الآخر عرفت فورًا أنها أمينة.
لكن شيئًا كان مختلفًا هذه المرة.
ذلك الإرهاق الثقيل الذي كان يملأ صوتها اختفى تقريبًا.
قالت:
— أجريت كل الفحوصات.
انتظرت بصمت.
فأكملت:
— اكتشفوا أن مستوى السكر عندي مرتفع.
ثم توقفت لحظة وأضافت:
— والطبيب أحالني إلى اختصاصي قلب.
شعرت بانقباض في صدري.
فسألتها:
— وماذا قالوا؟
قالت بصوت هادئ:
— وجدوا مشكلات في القلب.
ثم تابعت:
— وقالوا إن تنفسي يتوقف أحيانًا أثناء النوم لفترات قصيرة.
أغمضت عيني للحظة.
لم تكن تلك الجملة عادية بالنسبة لي.
خلال سنوات عملي الطويلة،
رأيت الكثير من الحالات التي تم اكتشافها متأخرة لأن أصحابها كانوا يعتقدون أن ما يشعرون به مجرد تعب عابر أو توتر طبيعي.
لكن أمينة كانت محظوظة.
محظوظة لأن أحدًا كان يراقبها كل ليلة.
حتى لو كان ذلك “الأحد” مجرد قطة.
بينما واصلت حديثها قالت:
— أرسلوني لإجراء فحوصات إضافية.
ثم سكتت لثوانٍ وكأنها تستعيد ما سمعته من الأطباء.
وأضافت بصوت منخفض:
— الطبيب قال إن الحالة جدية وتحتاج إلى علاج ومتابعة مستمرة.
لم أقطع كلامها.
تركتها تتحدث.
فأحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن يروي ما مر به حتى يستوعبه بنفسه.
قالت:
— عندما أخبروني بنتائج الفحوصات، تذكرت كل تلك الليالي.
كل مرة كنت أستيقظ فيها مذعورة.
كل مرة كنت أشعر بأن قلبي يركض داخل صدري.
كل مرة كنت أعتقد أن السبب هو العمر أو القلق أو الوحدة.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة امتزجت بالحزن.
— وحتى لولو المسكينة… كنت أغضب منها أحيانًا.
كنت أقول لنفسي: لماذا لا تتركني أنام؟
لماذا تصر على إيقاظي كل ليلة؟
سكتت قليلًا.
ثم أضافت:
— الآن فقط فهمت أنها لم تكن تحاول إزعاجي.
كانت تحاول أن تخبرني أن هناك شيئًا ليس طبيعيًا.
بقيت صامتًا.
وأنا أستمع إليها.
كانت تتحدث بنبرة مختلفة تمامًا عن تلك المرأة المتعبة التي دخلت عيادتي قبل أسبوع.
كان هناك ارتياح في صوتها.
وربما شيء من الامتنان أيضًا.
قالت:
— الطبيب أخبرني أنني لو استمريت فترة أطول دون تشخيص، كان من الممكن أن تتفاقم حالتي أكثر.
ولأول مرة منذ أشهر، شعرت بالخوف الحقيقي.
ليس من المرض.
بل من فكرة أنني كنت أعيش معه دون أن أعرف.
نظرت عبر نافذة العيادة نحو الشارع.
ثم عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم.
إلى لولو وهي تجلس بهدوء داخل صندوق النقل.
إلى عينيها اللتين لم تفارقا أمينة طوال الزيارة.
إلى الطريقة التي كانت تراقبها بها.
وكأنها تحرسها.
وكأنها تنتظر أن يفهم أحد أخيرًا ما كانت تحاول قوله منذ أشهر.
قالت أمينة بعد لحظة صمت:
— هل تعلم شيئًا؟
— ماذا؟
— منذ أن بدأت العلاج لم تعد لولو تتصرف بالطريقة نفسها.
رفعت رأسي باهتمام.
فأكملت:
— لم تعد تضربني بمخلبها.
ولم تعد تعض يدي.
ولم تعد تسحب الغطاء عني كما كانت تفعل سابقًا.
ثم ضحكت للمرة الأولى خلال المكالمة.
— يبدو أنها اقتنعت أخيرًا أنني أصبحت بخير.
شعرت بابتسامة
ترتسم على وجهي دون أن أشعر.
قالت:
— الآن تأتي كل ليلة بهدوء.
تصعد إلى السرير.
تدور حول نفسها مرة أو مرتين.
ثم تستلقي بجانبي.
وأحيانًا تضع رأسها قرب يدي مباشرة.
وكأنها تتأكد أنني ما زلت هناك.
وكأنها تنهي نوبتها الليلية قبل أن تنام.
انتهت المكالمة بعد دقائق
لكنني بقيت جالسًا في مكاني لفترة طويلة.
أنظر إلى الهاتف.
وأظل أفكر في تلك القطة الرمادية الهادئة.
في عينيها الواسعتين اللتين لم ألاحظ فيهما يومًا أي عدوانية.
ولا أي جنون كما كانت أمينة تخشى.
فقط تركيز.
وانتباه.
وإصرار غريب على شيء لم يستطع أحد فهمه في البداية.
وأتساءل بيني وبين نفسي:
كم ليلة مرت وهي تحاول أن توصل رسالتها؟
كم مرة قفزت إلى السرير مذعورة عندما شعرت أن شيئًا غير طبيعي يحدث لصاحبتها؟
وكم مرة أيقظتها وهي تتلقى نظرات الغضب والاستياء بدل الشكر؟
ربما عشرات المرات.
وربما أكثر.
فأمينة أخبرتني أن الأمر استمر لأشهر كاملة.
أشهر كانت فيها لولو تستيقظ قبل الجميع.
وتبقى تراقب صاحبتها في الظلام.
بينما المدينة كلها نائمة.
والشوارع خالية.
والبيوت ساكنة.
كانت هناك قطة صغيرة تقف وحدها
أمام خطر لا تفهمه بالكامل.
لكنها كانت تشعر به.
تشعر بأنفاس تتغير.
وبنبضات تختلف.
وبشيء يجعلها ترفض أن تترك صاحبتها تستمر في النوم.
وأحيانًا أفكر في تلك اللحظات تحديدًا.
في الساعة الثالثة أو الرابعة فجرًا.
حين كانت أمينة تفتح عينيها متضايقة.
وتبعد لولو عنها.
وتطلب منها أن تتركها تنام.
بينما كانت القطة تعود مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
وكأنها تقول بطريقتها الخاصة:
“استيقظي… ليس الآن وقت النوم.”
لكن البشر لا يفهمون لغة القطط.
ولذلك ظلت أمينة تعتقد أشهرًا كاملة أن المشكلة في لولو.
وأن قطتها أصبحت عصبية.
أو عنيدة.
أو تغير طبعها فجأة.
بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
الحقيقة أن لولو لم تكن هي من يحتاج إلى العلاج.
بل صاحبتها.
بعد فترة اتصلت بي أمينة مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن هناك خوف في صوتها.
ولا ذلك التعب الذي شعرت به منذ أول مكالمة.
قالت
لي إنها بدأت برنامج العلاج.
وأن الأطباء يتابعون حالتها باستمرار.
وأن نتائجها بدأت تتحسن تدريجيًا.
ثم أخبرتني شيئًا أسعدها كثيرًا.
قالت:
— لأول مرة منذ أشهر استيقظت الصبح وأنا حاسة إني نمت فعلًا.
لم يكن ذلك أمرًا بسيطًا بالنسبة لها.
فالإنسان لا يدرك قيمة النوم الهادئ إلا عندما يفقده.
وأمينة كانت قد فقدته منذ وقت طويل.
كانت تستيقظ مرهقة.
وتقضي يومها متعبة.
وتعتقد أن السبب هو العمر أو الضغوط أو القلق.
لكنها اليوم تعرف السبب الحقيقي.
وتعرف أيضًا من الذي ساعدها على اكتشافه.
قالت لي ذات مرة:
— كلما أنظر إلى لولو أشعر بالذنب.
سألتها:
— لماذا؟
قالت:
— لأنني كنت أغضب منها.
وأحيانًا أصرخ عليها.
وأحيانًا أغلق باب الغرفة حتى لا تدخل.
وأحيانًا أبكي بسبب تصرفاتها.
وهي طوال الوقت كانت تحاول مساعدتي.
لم أجد ما أقوله لها.
لأنني كنت أفكر بالأمر نفسه.
أحيانًا
تأتي المساعدة من مكان لا نتوقعه أبدًا.
وأحيانًا يكون أكثر من يهتم بنا عاجزًا عن الكلام.
كل ما يملكه هو أفعاله.
ولولو كانت تفعل كل ما تستطيع.
اليوم أصبحت حياة أمينة أكثر هدوءًا.
عادت تنام لساعات أطول.
وعادت تمارس يومها بشكل طبيعي.
وصارت تخرج من منزلها وهي أقل إرهاقًا بكثير مما كانت عليه.
أما لولو…
فما زالت تحتفظ بعادتها القديمة.
لكن بطريقة مختلفة.
في كل ليلة تقريبًا.
وبعد أن تطفئ أمينة الأنوار.
وتستعد للنوم.
تسمع صوت خطوات صغيرة تقترب من الغرفة.
ثم تقفز لولو إلى السرير بهدوء.
وتلتف مرة أو مرتين فوق الغطاء.
وكأنها تبحث عن المكان المناسب.
ثم تستقر بجوار صاحبتها.
أحيانًا قرب يدها.
وأحيانًا قرب كتفها.
وأحيانًا عند طرف الوسادة نفسها.
وبمجرد أن تتأكد أن كل شيء طبيعي…
تبدأ بإصدار خرخرتها الهادئة.
ذلك الصوت الدافئ الذي يملأ الغرفة بالطمأنينة.
ثم تغلق
عينيها ببطء.
وكأنها أخيرًا أنهت مهمتها.
وكأنها اطمأنت أن المرأة التي كانت تقلق عليها كل ليلة أصبحت الآن بأمان.
وأنها ستستيقظ في الصباح التالي على ضوء الشمس…
لا على مخالب قطة كانت تحاول إنقاذ حياتها.








