ماذا يعني قول الرسول ﷺ لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرا عاما ولا تنبت الأرض شيئاً ؟

الذنىوب والمعىاصي تضىر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعىاصي آتارا وثارات، وأن لها عىقوبات على قلب العىاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته. من أشراط الساعة .. كثرة المطر وقلة النبات الماء هو عصب الحياة، والمطر هو مُستخرج أقوات الناس من الأرض، ولولا الأمطار ما نبتت الأزهار، وأزهرت الرياض، واخضرّت الحقول، وجرت الأنهار، من بعد يأسٍ وقنوط : {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد} (الشورى:28).
وإن مثل هذا المشهد المتكرّر يوقفنا على ملمحٍ من ملامح الضعف البشري، والافتقار إلى الرحمة الإلهيّة، فإن حاجتهم إلى المطر لها مكان الصدارة، فقوتهم الزراعي وثروتهم الحبوانيّة معتمدةٌ على هذه الأمطار، وحاجتهم إلى الماء في الشرب والاستخدامات اليوميّة لا تعدلها حاجة، وتأخّر نزول المطر يعني غبرةً وجفافاً يُثقل كواهل النفوس ويكدّر عليهم عيشهم، حتى إذا نزل المطر انقلب اليأس فرحاً، والحزن سعادةً، والكدر انبساطاً، والجفاف ارتواءً، فتنبت الأرض وتزهر الرياض، وتعود الحياة، ولا يعرف هذا الاستبشار على حقيقته كما يعرفه الذين يعيشون مباشرة على المطر، وتقوم حياتهم على ماء السماء.
لكننا هنا أمام ظاهرةٍ انقلبت فيها الموازين، وتبدّلت السنن الإلهيّة واختلف نَسَقها وقانونها، وتخلّف الأثر عن المؤثّر، حالةٍ ينزل فيها المطر، وتفتح السماء أبوابها بالماء الكثير المتتابع، لكن هذه الأمطار بلا فائدةٍ حقيقيّةٍ تعود على الخليقة، فهو بين أن يغور في الأرض، أو يفيض على سطحها وأديمها، ويُهلك الحرث والنسل، فلا كلأ ولا نبات، ولا زروع ولا ثمار.
وللوقوف أمام هذا الشرط من أشراط الساعة، حيث كان لهذا الاضطراب في قلّة البركة والفائدة من الأمطار النازلة علامةً تُضاف إلى جملة الإخبارات النبويّة الغيبيّة، نعود إلى سنّة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- لنستجلي الحقيقة، لنجد في هذا السياق حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تقوم الساعة حتى يُمطر الناس مطراً لا تُكنّ منه بيوت المدر، ولا تُكنّ منه إلا بيوت الشعر) رواه أحمد.
ومعنى “تُكنّ” كما يقول أهل اللغة: الوقاية والستر، ومنه قول الله تعالى: { وجعل لكم من الجبال أكناناً} (النحل:81)، أي: أن ذلك المطر من شدّته وكثرته ينزل من بيوت المدر، ولا تمنع بيوت المدر من نزوله، ولا ينزل من بيوت الشعر.
على أن ذلك المطر بالرغم من ذلك، ليس له أثرٌ نافعٌ يحقّق الحاجة البشريّة الملحّة إلى نعمة الغيث، بل هو وبالٌ عليها، وقد حدّث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً عامّاً، ولا تُنبت الأرض شيئاً) رواه أحمد في مسنده.
وتلك هي المجاعة على وجه الحقيقة كما يصوّرها الشرع، ويُستشهد لها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ليست السَّنة بأن لا تمطروا، ولكن السَّنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئاً) رواه مسلم، فهم يُمطرون المرّة بعد المرّة، والكرة تلو الأخرى، دون فائدةٍ تُذكر.
والمراد بالسنة هنا القحط، وعلى هذا الإطلاق اللغوي جاء قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} (الأعراف:130)، يقول القاضي عياض: “المعنى أن القحط الشديد ليس بأن لا يمطر، بل بأن يمطر ولا ينبت; وذلك لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء، وظهور مخائله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلا من أول الأمر، والنفس مترقبةٌ لحدوثها”.




