سوريا “الجديدة”.. آخر الأخبار والمستجدات

وفي هذا السياق يشير الباحث في الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية أن التحول الأميركي الأخير في التعامل مع ملف المقاـ,ـتلين الأجانب في سوريا لا يمكن فصله عن البراغماتية المتبادلة بين واشنطن والحكومة السورية الجديدة، فدمشق – عبر رسائل طمأنة مدروسة وسلوك ميداني منضبط – نجحت في بناء قدر من الثقة مع الإدارة الأميركية.

ويضيف هنية في حديثه لموقع تلفزيون سوـ,ـريا أن واشنطن باتت ترى في الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشـ,ـرع شريكًا أكثر واقعية واستقرارًا، خاصة في ظل التوافق الإقليمي المتزايد على دعـ,ـمها. ومن هنا، لم يعد شرط طرد المقاـ,ـتلين الأجانب أولوية أميركية.

وفي تصريح للإخبارية السورية في منتصف أيار الماضي أكد وزير الدفاع مرهف أبو قصرة أن الوزارة تعمل على ضبط كل الجهات العسكرية تحت وزارة الدفاع حتى يأتمر الجميع بأمر الوزارة كقوات عسكرية”، مضيفاً “لن نسمح لأي تجمع عسكري أن يكون خارج سلطة وزارة الدفاع”.

وكان الرئيس الشرع قد ألمح سابقا خلال مقابلة أجرتها صحيفة نيويورك تايمز في نيسان الماضي، إلى أن حكومته قد تمنح الجنسية السورية للمقـ,ـاتلين الأجانب الذين عاشوا سنوات طويلة في سوريا و”ثبتوا إلى جانب الثورة” على حد قوله، إلّا أن هذا الطرح يثير مخاوف لدى عدد من الدول الغربية، التي تخشى من أن تتحول سوريا ملاذاً للمتطرفين، لكن الشرع سعى إلى طمأنتهم وفق الصحيفة، مؤكداً التزامه بمنع استخدام الأراضي السورية لتهـ,ـديد أي دولة أخرى.

المقـ,ـاتلون الإيغور.. بين الدمج والتطرف

لم يكن أمام الحكومة السورية الجديدة هامش كبير للمناورة في التعامل مع ملف المقاـ,ـتلين الأجانب، خصوصاً في ظل هشاشة المرحلة الانتقالية وخطورة ترك هذه القوى دون أفق واضح. فاستبعادهم أو ترحيلهم بالقوة لن يكن مجرد قرار سياسي صعبـ بحسب مراقبين ـ بل مخاـ,ـطرة أمنية حقيقية قد تفتح الباب أمام عودة كثيرين منهم إلى أحضان تنظيـ,ـمات جهادية عابرة للحدود.

وكان مصدران مقربان من وزارة الدفاع السورية قالا لوكالة رويترز إن الشرع والمقربين منه حاولوا إقناع مفاـ,ـوضين غربيين بأن ضم مقاتـ,ـلين أجانب إلى الجيش سيكون أقل خطورة من التخلي عنهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى الانضمام مجددا لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة.

وفي هذا السياق يوضح الباحث حسن أبو هنية أن دمشق نجحت في إقناع واشنطن والعواصم الأوروبية بأن المرحلة تتطلب “حلولاً واقعية لا مثالية”، قائلاً: “أوضحـ,ـت الحكومة السورية أنها أما احتمالين؛ إما أن تدمج هذه القوة ضمن وزارة الدفاع وتخضعها للقوانين السورية، أو أن تستجيب للضغوط بإخراجهم، فتدفعهم بذلك نحو التطرف، والانضمام إلى صفوف “داعـ,ـش” أو “القاعدة”.

ومن الطبيعي في هذه الحالة ـ يتابع هنيةـ أن يعودوا للقتـ,ـال في صفوف تنظيم داـ,ـعش أو القاـ,ـعدة أو حراـ,ـس الدين. لهذا كان خيار الدـ,ـمج هو الأكثر عقلانية، وهو ما أقنع واشنطن وحلفاءها بخفض سقف الشروط والتعامل بمرونة مع هذا الملف.

وفي خطوة فعلية في هذا الاتجاه قرر الحزب الإسلامي التركستاني، المؤلف في غالبية أفراده من الإيغور الصينيين حل الحزب والانضمام إلى وزارة الدفاع وفق شروطها. وقال عثمان بوغرا، وهو مسؤول سياسي في الحزب الإسلامي التركستاني، لرويترز في بيان مكتوب، إن الجماعة حلّت نفسها رسميا واندمجت في الجيش السوري، وأضاف أن الجماعة تعمل حاليا بالكامل تحت سلطة وزارة الدفاع، وتلتزم بالسياسات المتبعة في البلاد، وتحافظ على عدم الارتباط بأي كيانات أو جمـ,ـاعات خارجية.

ما عـ,ـلاقة الصين؟

لم يكن التحول الأميركي تجاه ملف المقـ,ـاتلين الأجانب في سوريا نابعاً فقط من ضرورات محلية تتعلق بالمرحلة الانتقالية، بل عكس أيضاً موازين صراع أوسع بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين. إذ بات واضحاً أن واشنطن لا تنظر إلى الإيغور الموجودين في سوريا بوصفهم تهديدًا إرهابيًا صرفًا، بل ورقة جيوسياسية تستخدمها في مواـ,ـجهة تمدد بكين ونفوذها الإقليمي والدولي.

ومن بين آلاف المقـ,ـاتلين الأجانب الذين يُتوقع دمـ,ـجهم في الفـ,ـرقة 84 التابعة للجيش السوري الجديد، تنتمي النسبة الأكبر إلى “الحـ,ـزب الإسلامي التركستاني”، وهو تنظيم جهادي إيغوري تعتبره الصين تهـ,ـديدًا مباشرًا، في حين أزالت الولايات المتحدة اسمه من قوائم الإرـ,ـهاب في عام 2020، في خطوة أثـ,ـارت حينها الكثير من الجدل حول دوافعها السياسية.

ويؤكد الباحث في معهد كارنيغي، مهند الحاج علي، أن ملف المقاـ,ـتلين الإيغور لا يمكن فصله عن التوتر الاستراتيجي المتصاعد بين واشنطن وبكين. فبحسب رأيه، تحظى قضية الإيغور باهتمام أميركي خاص، خصوصاً مع تركيز واشنطن المستمر على “الانتهاكات التي ترتكبها الصين ضد هذه الأقلية، ومساعيها لتغيير البنية الإثنية في إقليم شينجيانغ”.

ويرى الحاج علي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “هذا التحول يعكس رغبة أميركية في استثمار وجود الحزب التركستاني كورقة ضغط في موـ,ـاجهة نفوذ الصين. فبدلاً من مطالبة الحكومة السورية الجديدة بطرد هؤلاء المقـ,ـاتلين، يبدو أن واشنطن فضّلت القبول بدمجهم في الجيش الجديد، لاعتبارات عديدة منها أن وجودهم  في الجيش يمنح الولايات المتحدة فرصة لتوظيف هذا الملف ضمن معادلة تنافسها الاستراتيجي مع بكين”.

وبحسب تقرير صادر عن مجلة “فورين بوليسي” الأميركية فقد وصل آلاف الإيغور إلى سوريا عام 2012 قادمين من الصين عبر تركيا، وتقدر أعدادهم اليوم بنحو 15 ألف شخص، بينهم خمسة آلاف مقـ,ـاتل، يتركزون في إدلب ومحيط جسر الشغور. ويطلق عليهم السوريون اسم “التركستان”، وقد أسسوا مدارس ومشاريع صغيرة من مطاعم ومحطات وقود، كما التحق المئات منهم بجامعة إدلب مجانًا، شأنهم شأن الطلاب السوريين.

2 من 2التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى