منوعات

العرافة

أول ما فتحت الورقة وقريت السطر الوحيد المكتوب فيها، حسيت إن الأرض بتميد بيا رغم إني قاعد على الكرسي في العيادة. كانت الجملة قصيرة جدًا “الورقة الزرقا تحت الكنبة اللي في الصالة… هتعرف الحقيقة”. فضلت باصص للكلمات كأني مش فاهمها، إيه الورقة الزرقا؟ وإيه الكنبة؟ وإزاي ست غريبة تعرف تفاصيل بيتي أصلًا؟ لدرجة إني من غير ما أحس طلعت مني شهقة عالية خلت اللي قاعدين في العيادة يبصوا ناحيتي، حاولت أتماسك بسرعة وخبيت الورقة في جيبي تاني. الدكتور كشف على يونس وطمني إن الموضوع مجرد دور حرارة عادي وهيتحسن مع العلاج والراحة، المفروض أفرح وأرتاح، لكن عقلي كان معلق بالجملة الغريبة اللي مكتوبة في الورقة.

 

مقالات ذات صلة

رجعت البيت بعد الضهر، ويونس نايم بهدوء في عربية الأطفال الصغيرة اللي كنت جايبها قبل شهور. دخلت الشقة وقفلت الباب وفضلت واقف في الصالة أبص للكنبة القديمة، كانت نفس الكنبة اللي اشتريتها أنا وفاتن بعد الجواز بأيام. مفيش فيها أي حاجة غريبة، ضحكت على نفسي وقلت أكيد الست كانت بتخرف أو بتقول أي كلام، لكن الفضول كان أقوى مني، حركت الكنبة من مكانها وبدأت أبص تحتها. الأول ملقتش حاجة غير شوية لعب أطفال صغيرة وقلم جاف ضايع من زمان، لكن وأنا بمد إيدي أكتر حسيت بحاجة ورقية متنية ومتزحلقة في الركن البعيد، سحبتها ببطء.

كانت فعلًا ورقة زرقا، وقتها حسيت إن قلبي بيدق أسرع. فتحت الورقة لقيتها عبارة عن خطاب قديم متني أكتر من مرة، أول سطر كان مكتوب فيه بخط فاتن، عرفته فورًا من أول كلمة وإيدي بدأت ترتعش. فاتن كانت بتحب تسيب لي ملاحظات صغيرة في كل مكان، لكن الخطاب ده عمري ما شوفته قبل كده. فتحت الورقة أكتر وبدأت أقرأ: “لو لقيت الرسالة دي يا كريم، يبقى أكيد الوقت عدى. أنا عارفة إنك هتستغرب ليه مخبياها، لكن كنت محتاجة أكتب كل حاجة وأنا مطمنة إنك هتقراها في الوقت المناسب”. وقفت مكاني وكملت قراءة، كانت الرسالة كلها كلام حب وامتنان وشكر، فاتن كانت كاتبة ذكريات صغيرة جدًا عمرها ما قالتها بصوت عالي، كاتبة عن أول يوم شافتني فيه، وعن أول مرة ضحكت من قلبي قدامها، وعن خوفها الدائم إني أشيل فوق طاقتي، لكن أكتر حاجة شدتني كانت الفقرة الأخيرة: “في الدرج الخشبي اللي جنب ، حطيت مفكرة صغيرة. لو الدنيا شغلتك ومشيت الأيام بسرعة، افتحها يومًا ما. يمكن تلاقي فيها حاجة تساعدك تكمل”.

قفلت الرسالة وأنا مذهول، جريت على أوضة النوم وفتحت الدرج، وفي الخلف كان فيه دفتر صغير فعلًا، دفتر أزرق غامق. قعدت على وفتحته، كل صفحة كانت عبارة عن رسالة قصيرة، بعضها ليا وبعضها ليونس، رسائل عن المستقبل، نصايح بسيطة للحياة، حكايات من طفولتها، وصفات أكل كانت بتحبها، مواقف مضحكة، وأحلام كانت نفسها تحققها. فضلت أقلب الصفحات لساعات، وفي آخر الدفتر لقيت ظرف صغير، فتحته وكان فيه مفتاح وتحت المفتاح ورقة مكتوب فيها عنوان لبيت قديم في حي بعيد.

في اليوم اللي بعده، وبعد ما اطمنت إن يونس بقى أحسن، أخدته وروحت العنوان. المكان كان عبارة عن بيت قديم جدًا لكنه مرتب ونضيف، خبطت الباب ففتحت لي سيدة كبيرة في السن، أول ما شافتني قالت: “أنت كريم؟”. وسألتها تعرفيني منين؟ ابتسمت وقالت لأن فاتن كانت بتحكي عنك كتير. اتضح إن الست دي كانت مدرسة فاتن القديمة، كانت بيها قوية جدًا، وقبل سنوات طويلة فاتن كانت سايبة عندها صندوق صغير وقالتلها إنها تسلمه لي يوم ما أوصله بطريقة أو بأخرى.

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى