منوعات

بعد الجواز

اتجوزها بعد قصة حب طويلة استمرت سنين، ووقف قدام الناس كلها يوم الفرح وهو بيقول إنها أحسن قرار أخده في حياته، وكانت هي مصدقة كل كلمة خارجة من بقه. عاشت معاه تسع سنين كاملة، وقفت جنبه وهو بيبدأ من الصفر، وكانت أول واحدة تفتح المحل وآخر واحدة تقفله، ولما كان بيخسر كانت تواسيه، ولما كان يكسب كانت تفرح أكتر منه. ولما عرفت إنها حامل بعد سنين انتظار، افتكرت إن ربنا أخيرًا كمل فرحتها. لكنها ما كانتش تعرف إن الراجل اللي نام جنبها كل السنين دي كان بيعيش حياة تانية من وراها.

 

مقالات ذات صلة

في يوم عادي جدًا، حط قدامها أوراق الطلاق بكل برود، وقال إن كل حاجة باسمه وإنها هتاخد البيت القديم المهجور اللي ورثه عن جدته. ساعتها حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها، لكن الأكبر كانت لما اعترف إنه مرتبط بواحدة تانية من أكتر من سنة وإن الست دي حامل هي كمان. خرجت من البيت وهي مكسورة، لكن كرامتها منعتها تبكي قدامه. راحت للبيت القديم اللي رماها فيه، بيت مهجور مليان تراب ورطوبة وشبابيك مكسورة. أول ليلة قضتها هناك كانت من أصعب الليالي في حياتها. كانت قاعدة في الضلمة تسمع صوت الهوا وهو بيصفر من بين الشقوق، وتحاول تقنع نفسها إنها هتقدر تبدأ من جديد.

وفي اليوم التاني، وهي بتنضف المطبخ مع بنت خالتها، اكتشفوا إن فيه حيطة صوتها مختلف. كسروا جزء صغير منها، فلقوا تجويف مخفي جواه علبة صاج قديمة وظرف مكتوب عليه رسالة غريبة. قبل ما يفتحوا الظرف، وصل جوزها القديم بعصبية شديدة وبدأ يزعق ويطلب منهم يبعدوا عن الحيطة فورًا. استغربت جدًا من رد فعله، وسألته إيه اللي مخوفه بالشكل ده، لكنه رفض يجاوب. هنا تأكدت إن فيه سر كبير مستخبي.

بعد ما مشي، فتحت الظرف. جواه جواب طويل بخط جدة جوزها. كانت الست العجوز كاتبة إنها عرفت من سنين إن حفيدها شخص جشع وما بيحبش غير الفلوس، وإنها خافت ييجي يوم يظلم مراته أو أولاده. وكتبت إنها أخفت أوراق مهمة جدًا داخل البيت، وإن اللي هيوصل للأوراق دي هو صاحب الحق الحقيقي في ثروتها.

فضلوا يدوروا لساعات طويلة لحد ما لقوا صندوق خشب مدفون تحت أرضية المخزن. فتحوه بصعوبة، وكانت المفاجأة إن الصندوق مليان مستندات وعقود ملكية وأسهم وأوراق بنكية قديمة. لكن أهم ورقة بينهم كانت وصية رسمية موثقة. الوصية كانت بتقول إن كل أملاك الجدة وثروتها تؤول لزوجة الحفيد إذا ثبت إنه أو حاول حرمانها من حقوقها.

قعدت تبص للورقة وهي مش مصدقة. كانت الثروة دي تساوي ملايين. والأهم إنها كانت قانونية بالكامل. الجدة كانت شايفة حفيدها على حقيقته من زمان، وعملت كل الاحتياطات عشان تمنع ظلمه. لما عرف بالموضوع، جن جنونه. جرى على المحامي يحاول في الوصية، لكن كل المحاولات فشلت. كانت موثقة بشكل كامل وسليم. بدأ يخسر قضية وراء قضية، وكل مرة كان يخرج من المحكمة أكثر غضبًا وخسارة.

في نفس الوقت، بدأت حياته الجديدة تنهار. الست اللي ساب مراته عشانها كانت متخيلة إنه غني وهيعيشها حياة مرفهة. لكن بعد ما خسر أغلب أملاكه، بدأت المشاكل بينهم. كل يوم خناقة، وكل يوم اتهامات. وبعد شهور قليلة، سابته ومشت.

أما هي، فقررت ما . استخدمت جزء من الفلوس في ترميم البيت القديم. البيت اللي دخلته وهي مكسورة اتحول لقصر جميل مليان حياة. وبعد ولادة ابنها، بدأت مشروعها الخاص. ومع الوقت نجح المشروع بشكل كبير، وبقت سيدة أعمال معروفة.

أما طليقها فاستمر في . خسر شركته بسبب الديون، وخسر أصدقاءه، وحتى الناس اللي كانت بتجامله زمان اختفت من حياته. وفي يوم من الأيام شاف صور ابنه بالصدفة على الإنترنت، وشاف قد إيه الطفل كبر وبقى شبهه. ساعتها حس لأول مرة بحجم الغلطة اللي عملها. حاول يرجع ويعتذر، لكن الأوان كان فات.

وقف قدام باب البيت القديم اللي بقى أجمل بيت في المنطقة، مستني ساعات عشان يشوفها. ولما خرجت أخيرًا، كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي طردها زمان. كانت قوية وواثقة وناجحة. بص لها وقال بصوت مكسور إنه ندمان وإنه مستعد يعمل أي حاجة عشان تسامحه. بصت له بهدوء وقالت إن بعض الكسور ممكن تلتئم، لكن فيه كسور تانية بتسيب أثر عمره ما يختفي. وقالت له إن ربنا عوضها خير عن كل وجع شافته، وإن أكبر نعمة في حياتها هي ابنها اللي ربته بعيد عن الكذب والطمع.

فضل واقف مكانه وهي ماشية، وعرف أخيرًا إن خسارته الحقيقية ما كانتش الفلوس ولا الميراث. خسارته الحقيقية كانت الأسرة اللي ضيعها بإيده، والزوجة اللي حبته بصدق، والابن اللي كان ممكن يكبر وهو فخور بأبوه. وفي اللحظة دي فهم إن الجدة لما كتبت الوصية ما كانتش بتحرمه من الميراث… كانت بتديله آخر فرصة يتغير، لكنه ضيعها بنفسه. أما هي فدخلت بيتها وهي مبتسمة، شايلة ابنها بين إيديها، ومستقبلة حياة جديدة بنتها بقوتها وصبرها، بعدما حاول الجميع إقناعها إنها انتهت. لكنها أثبتت إن أقوى البدايات أحيانًا بتطلع من أصعب النهايات.

مرت سنتين كمان، والناس كلها كانت فاكرة إن الحكاية خلصت عند الوصية والميراث، لكن الحقيقة إن المفاجآت الحقيقية كانت لسه مستخبية. في صباح هادئ، كانت قاعدة في مكتبها الجديد بتراجع حسابات الشركة اللي كبرت بشكل ما كانتش تتخيله، لما دخل عليها محامي الجدة العجوز وهو شايل ملف قديم جدًا. ابتسم وقال: “أنا فضلت محتفظ بالملف ده تنفيذًا لرغبة صاحبة الوصية. وكان لازم أسلمه ليكي بعد مرور سنتين بالضبط”. استغربت وفتحت الملف. كان جواه خطاب تاني. خطاب أطول من الأول. قرأت أول سطر فيه فاتجمدت مكانها: “لو بتقري الكلام ده، يبقى حفيدي وصل للنهاية اللي كنت متوقعاها”.

السابق1 من 3
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى