
ربما توقفتَ أمام الصورة أعلاه وشعرت بمزيج من الحرج والفضول. “أكثر من 25 مرة؟ هل يحسب أحدنا عدد المرات؟”. في الحقيقة، نعم، الأطباء يفعلون ذلك. الغازات، أو “الريح”، هي واحدة من أكثر الوظائف البيولوجية طبيعية، ومع ذلك فهي تظل واحدة من أكثر “التابوهات” الاجتماعية حرجًا.
-
علاج قرحة المعدة : تناول كرشة الخروفمنذ 23 ساعة
-
جد صاحبتيمنذ يومين
-
طيارةمنذ يومين
الصورة التي تضع حاجز الـ “25 مرة” ليست مجرد مزحة، بل هي مؤشر طبي يستحق الوقوف عنده. إذا كنت ممن يشعرون أنهم تجىاوزوا هذا الحد، أو أن بطنك أشبه ببالون لا يتوقف عن الانتفاخ، فهذا المقال كتب خصيصًا لك. سنغوص سويًا في أعماق الجهاز الهضمي لنفهم: لماذا يحدث هذا؟ متى يكون طبيعيًا؟ ومتى يدق ناقوس الخىطر؟
أولًا: فسيولوجيا الغازات.. من أين تأتي كل هذه الرياح؟
قبل أن نحكم على ما إذا كان العدد 25 كثيرًا أم قليلًا، يجب أن نفهم مصدر هذه الغازات. الغازات في الجهاز الهضمي تأتي من مصدرين رئيسيين لا ثالث لهما:
الهواء المبتلع (Aerophagia): وهو الهواء الذي نبتلعه –غالبًا دون وعي– أثناء الأكل والشرب والكلام. هذا الهواء يحتوي على النيتروجين والأكسجين وثاني أكسيد الكربون. إذا لم يخرج هذا الهواء عن طريق “التجشؤ”، فإنه يكمل رحلته عبر الجهاز الهضمي ليخرج من الجهة الأخرى.
التخمّر البكتيري: وهو المصنع الحقيقي للغازات. أمعاؤنا الغليظة تحتوي على مليارات البكتيريا (الميكروبيوم) التي تقوم بوظيفة حيوية: هضم الطعام الذي لم تتمكن المعدة والأمعاء الدقيقة من هضمه (مثل الألياف وبعض السكريات). عملية الهضم هذه تنتج غازات ثانوية مثل الهيدروجين والميثان، وأحيانًا الكبريت (المسؤول عن الرائحة الكىريهة).
ما هو “الرقم الطبيعي”؟
تشير الدراسات الطبية إلى أن الإنسان الطبيعي يطلق الريح ما بين 5 إلى 15 مرة يوميًا. هذا المعدل يسمح بالتخلص من حوالي نصف لتر إلى لتر ونصف من الغازات يوميًا. إذًا، عندما تتحدث الصورة عن “أكثر من 25 مرة”، فنحن هنا نتحدث عن ضعف الحد الأقصى للمتوسط الطبيعي تقريبًا. وهنا يجب أن نسأل: لماذا؟
ثانيًا: لماذا قد تتجىاوز حاجز الـ 25 مرة؟ (الأسباب الخفية)
إذا كنت تتجىاوز هذا الرقم، فالأمر لا يحدث عشوائيًا. هناك مسببات محددة تجعل جسدك ينتج فائضًا من الغازات. يمكن تقسيم هذه الأسباب إلى ثلاث فئات رئيسية:
1. النظام الغذائي: أنت ما تأكله (وما لا تهضمه)
أغلب حالات كثرة الغازات تعود ببساطة إلى نوعية الطعام. الأطعمة التي تسبب الغازات ليست “ضىارة” بالضرورة، بل غالبًا ما تكون صحية جدًا ولكنها صعبة الهضم:
الكربوهيدرات المعقدة: البقوليات (الفول، العدس، الحمص) تأتي في المقدمة. هي غنية بسكر معقد يسمى “رافينوز” (Raffinose) الذي يعجز الجسم البشري عن هضمه، فتتلقفه بكتيريا القولون وتخمره بشىراسة، منتجة كميات هائلة من الغاز.
الخضروات الصليبية: مثل البروكلي، والقرنبيط، والكرنب. تحتوي على نفس السكريات المعقدة بالإضافة إلى الألياف غير القابلة للذوبان.
الفركتوز والسوربيتول: الفركتوز هو سكر الفاكهة (موجود بكثرة في المشروبات الغازية وعصائر الفاكهة)، والسوربيتول هو سكر صناعي يوجد في العلكة والحلويات “الدايت”. الكثير من الأجسام تجد صعوبة في امتصىاص هذه السكريات، فتبقى في الأمعاء لتتخمر.
2. العادات السلوكية الخاطئة
أحيانًا لا تكون المشكلة في ماذا تأكل، بل في كيف تأكل. زيادة الغازات قد تكون ناتجة عن ابتلاع كميات كبيرة من الهواء بسبب:
الأكل بسرعة كبيرة دون مضغ جيد.
مضغ العلكة (اللبان) لفترات طويلة.
التدخين (بكل أنواعه).
الشرب باستخدام “الشفاطة” (Straw).
التوتر والقلق الذي يدفع البعض لبلع ريقهم باستمرار ومعه كميات من الهواء.
3. الاضطرابات الهضمية (عندما يكون الأمر مرضيًا)
إذا قمت بتعديل أكلك وعاداتك وما زلت تعاني من غازات مفرطة (أكثر من 25 مرة)، فقد يكون السبب حالة طبية كامنة:
متلازمة القولون العصبي (IBS): المرض الأكثر شيوعًا المرتبط بالغازات. يعاني مريض القولون العصبي من حساسية مفرطة في الأمعاء، مما يجعل الغازات العادية تسبب ألمًا وانتفاخًا، بالإضافة إلى اضطراب حركة الأمعاء.
عدم تحمل اللاكتوز (Lactose Intolerance): عدم قدرة الجسم على هضم سكر الحليب بسبب نقص إنزيم اللاكتاز. النتيجة؟ غازات فورية وإسهال بعد تناول الألبان.
حساسية الجلوتين (Celiac Disease): رد فعل مناعي تجاه الجلوتين الموجود في القمح والشعير.
فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO): حالة تنتقل فيها بكتيريا القولون إلى الأمعاء الدقيقة (حيث لا يفترض أن تكون بكثرة)، مما يسبب تخمر الطعام مبكرًا جدًا وإنتاج غازات كثيفة.
ثالثًا: الرائحة.. سر الإحراج الكبير
الصورة تشير إلى الغازات بشكل عام، لكننا نعلم أن “الرائحة” هي ما يحول الغازات من وظيفة بيولوجية إلى كارىة اجتماعية. الحقيقة العلمية هي أن 99% من الغازات التي نطلقها (نيتروجين، أكسجين، هيدروجين، ميثان) عديمة الرائحة تمامًا.
المسؤول عن الرائحة الكىريهة هو الـ 1% المتبقي، وتحديدًا مركبات الكبريت (كبريتيد الهيدروجين). إذا كانت غازاتك ذات رائحة نفاذة باستمرار، فهذا يعني أن نظامك الغذائي غني بالكبريت (موجود في البيض، اللحوم الحمراء، القرنبيط، وبعض المكسرات)، أو قد يشير إلى مشكلة في امتصىاص الدهون.








