منوعات

علي عتبه الصبر بقلم الكاتبه نرمين

على عتبة الصبر بقلم الكاتبة نرمين عادل همام حصريا لموقع لمحة

بسم الله والصلاه والسلام على اشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

مقالات ذات صلة

في قرية عاشت مريم الفتاة اليتيمة التي فقدت والديها في سن مبكرة. نشأت وهي تحمل وجع الفقدان في قلبها ومع ذلك كانت تحلم بيوم يغير حياتها يوم تجد فيه السعادة والدفء وسقفا يحميها من قسوة الدنيا ووحدة القلب.

كانت مريم صغيرة السن حين فقدت والديها وقد تركها هذا الفقدان بلا سند ولا دفء. أقاربها لم يكونوا رفقاء لها بل كانوا يضيقون بها طريق الحياة يطالبونها بالعمل دون كلل ويعاملونها أحيانا بخشونة. لذلك اعتادت مريم على الصمت وعلى إخفاء دموعها وعلى الصبر على الأذى مؤمنة بأن الله سيعوضها يوما عن كل آلامها.

وذات صباح مشمس حملت الرياح صوت العصافير وهي تصل إلى بيت زوجها لأول مرة. دخلت مريم بخجل عيناها تتلألأ بالأمل وقلبها يرفل بالشوق لحياة جديدة. كانت تتخيل الدفء الذي ستجده الزوج الذي سيحبها والبيت الذي سيكون ملاذا لها لكنها لم تكن تعلم أن الحياة الجديدة تحمل معها اختبارات لم تتخيلها قط. من اللحظة الأولى شعرت مريم أن البيت ليس مجرد بيت زوج بل ساحة امتحان لا نهاية لها.

كانت حماتها امرأة صارمة ذات وجه متجهم دائما لا تعرف الرحمة ولا التسامح وكان صوتها يخترق الهدوء ليزرع القلق في قلب كل من حولها. بدأت منذ اللحظة الأولى بإرهاق مريم بالأعمال تنظيف الأرضيات غسل الصحون ترتيب الغرف إعداد الطعام كلها مهام تتضاعف يوما

 

بعد يوم وأحيانا تطلب في وقت قصير جدا.

قالت الحماة ذات يوم

يا مريم خلصتي المطبخ ولا لسه

ردت مريم بخجل محاولة الحفاظ على هدوئها رغم شعورها بالاختناق

آه يا حماتي خلصته.

فأضافت الحماة بغضب

لأ ده مش كفاية. الأرض لسه فيها بقع والصواني مش نضيفة زي ما أنا عايزة.

شعرت مريم بألم في قلبها لكنها لم تجب بل استسلمت للأمر محتسبة أجر صبرها عند الله.

كان زوجها من جانبه يحبها لكنه لم يستطع الوقوف في وجه والدته. في بعض الأحيان كان يلتقط يدها برفق ويهمس لها

اصبري يا مريم كل حاجة هتعدي.

ثم يبتسم ابتسامة ضعيفة ويعود لتسليم نفسه لسيطرة والدته.

ومع مرور الأيام بدأت مريم تشعر بثقل الحياة الجديدة لكنها تعلمت أن تحمي قلبها. تعلمت أن تصمت عند مواجهة القسوة وأن تخفي دموعها عن الجميع. كانت تستيقظ قبل شروق الشمس لتنجز الأعمال المطلوبة وتعمل حتى حلول الظلام وأحيانا كانت تغطي عن زوجها تعبها لتتجنب غضب والدته.

في أحد الأيام طلبت حماتها منها تجهيز الطعام لمناسبة صغيرة في القرية. كانت الأواني قليلة والمواد محدودة والوقت ضيقا. حاولت مريم تنظيم كل شيء بسرعة لكنها ارتكبت خطأ بسيطا في تحضير أحد الأطباق. صرخت حماتها أمام الجميع

دي هي الخدامة اللي كنتوا بتتكلموا عنها دي ما يتعتمدش عليها في حاجة!

لم تجب مريم وقبلت قدم حماتها خوفا من غضب زوجها محتسبة أجر صبرها عند الله. ومرت الليلة وهي تشعر بمرارة الذل لكن رغم كل هذه الصعوبات كان في قلب مريم شعور خفي بالأمل. كانت تتحدث

 

مع نفسها بصمت

الصبر هو سلاحي والإيمان هو ملاذي والله لا يضيع أجر من صبر.

وفي إحدى الليالي جلست مريم بمفردها على عتبة المنزل تنظر إلى النجوم المتلألئة في سماء وادي الأماني وتحدثت لنفسها

أنا ضعيفة نعم لكن قلبي قوي وصبري أكبر من كل ما يحيطني الله معي ولن يضيع أجر من صبر.

وكانت تلك الكلمات بمثابة وعد لنفسها رسالة أمل في قلب الظلام وشعور داخلي بأن حياتها رغم الألم ما زالت قادرة على التغيير وأن العدالة التي تنتظرها ستأتي يوما بقوة أكبر مما تتصور.

وكان الثبات والاعتماد على الله وحده زاد مريم في مسيرتها الثقيلة. كانت تصلي في الخفاء وتدعو أن ينصفها الله من كل ظلم وأن يبدد القسوة من قلب من يؤذيها.

ومع مرور الأيام بدأ صبرها ينعكس على شخصيتها فأصبحت أكثر هدوءا وأكثر حكمة وأكثر قدرة على تحمل المواقف الصعبة.

كل تجربة قاسية وكل كلمة جارحة وكل عمل شاق كانت تزيد من صلابتها وتعمق في داخلها الإيمان بأن الظلم مهما طال فله نهاية حتمية وأن الحق لا بد أن ينتصر للصابرين والمظلومين.

وفي إحدى الليالي جلست مريم على عتبة البيت تنظر إلى وادي الأمان تحت ضوء القمر فاجتاحها شعور غريب بالقوة والإيمان والطمأنينة وهمست لنفسها

أنا ضعيفة نعم لكن صبري وإيماني أقوى من كل شيء حولي الله معي ولن يضيع حقي.

وهكذا استمرت حياتها مليئة بالاختبارات اليومية لكنها الآن تعرف كيف تواجهها بثبات وصبر محتسبة أجرها عند الله ومؤمنة بأن العدالة قادمة لا محالة وأن كل ظلم سيزول يوما

وأن الحق سينتصر للصابرين مهما طال الزمن.

ومع مرور الأيام أصبح صبر مريم ملحوظا لمن حولها حتى بعض الجيران والأقارب الذين لم يكترثوا في البداية بدأوا يرون ظلم حماتها القاسي ويلاحظون كيف تعمل مريم دون كلل وكيف تتحمل الإهانات بصمت وكيف لا يحمل قلبها إلا الصبر والدعاء.

وفي أحد الأيام وقع حادث بسيط في البيت بينما كانت مريم تنظف المطبخ فانسكب وعاء من الزيت وامتدت بقعة على الأرض.

دخلت حماتها وما إن رأت البقعة حتى صاحت أمام الجميع

انتي عملتي إيه يا بت! ده اللي اتعلمتيه من ساعة ما جيتي!

لكن هذه المرة كان هناك أحد أقارب زوج مريم عمه الطيب الذي بدأ يشك في روايات الحماة فقد رأى أن مريم بالكاد لم تلمس الوعاء وأن الحادثة بسيطة وأن حماتها دائما تبحث عن سبب لإهانتها.

تقدم العم وقال بهدوء حازم

استني يا أختي هو لازم كل حاجة نكبرها ما يمكن الموضوع بسيط والبت ما لهاش ذنب

شعرت مريم لأول مرة أن صوتها يسمع وأن صبرها الطويل لم يذهب سدى. جاء هذا الدعم كنسيم خفيف يخفف عنها ثقل الوحدة ويملأ قلبها أملا بعد زمن طويل من الانكسار.

ومع ذلك لم تتوقف الضغوط اليومية فقد واصلت الحماة إثقال كاهلها بالأعمال والطلبات ومحاولة التقليل من شأنها أمام الجميع لكن مريم لم تعد تبكي ولم تعد تشعر بالذل كما في السابق فقد أدركت أن العدالة باتت قريبة وأن الصبر والإيمان هما الطريق الوحيد لنيل الحق لو عجبتك الحكايه ابحث عن صفحتي وشرفني الكاتبه نرمين عادل همام

وفي أيام لاحقة بدأ

 

الجيران والأقارب يلاحظون أمرا آخر صاروا يرون كيف تتعامل مريم مع أطفال الحي وكيف تساعد كبار السن وكيف تخاطب الخدم والناس بلطف رغم ما تعانيه فصاروا يمدحونها همسا وأصبح صبرها مصدر إعجاب للكثيرين.

وذات مساء بينما كانت مريم تغلق نوافذ البيت وتستعد للنوم اقترب منها زوجها وقال بابتسامة حانية

والله يا مريم أنا فخور بيكي صبرك وقوتك بقوا مصدر إلهام ليا.

ابتسمت مريم في صمت وشعرت لأول مرة أن هناك من يرى تعبها ويقدر صمودها وأن الأيام القادمة قد تحمل معها تغييرا كبيرا.

ومع مرور الوقت أدركت مريم درسا آخر

أن الظلم مهما طال فله نهاية وأن الله يراقب المظلومين ويثبت قلوبهم على الصبر وأن القوة ليست في الصراخ ولا في الغضب بل في الانتظار الحكيم للعدل الإلهي وفي الاستمرار بثبات رغم كل الصعوبات.

وفي أحد الأيام بينما كانت تعمل في الحديقة اقتربت منها إحدى الجارات وقالت

يا مريم إحنا شايفين تعبك ومعاناتك كل يوم وربنا شاهد ما تخليش حد يكسر قلبك.

شعرت مريم بدفء عجيب يسري في صدرها وأدركت أن معاناتها لم تمر خفية وأن قوتها الداخلية بدأت تؤتي ثمارها ولو قليلا.

ومنذ تلك اللحظة بدأت تشعر لأول مرة أن حياتها مقبلة على تحول وأن الطريق وإن ظل صعبا فإن الأمل بات يلوح في الأفق وأن الأيام القادمة قد تحمل لها انتصارا طال انتظاره.

وقبل أن تنام كانت تهمس لنفسها في سكون الليل

الصبر طريق النصر والإيمان هو القوة الله معي ولن يضيع حق مظلوم.

وهكذا بدأت

بدأت حياة مريم تتغير

 

شيئا فشيئا.

لم يعد قلبها مغمورا بالخوف وحده بل أخذ يتلمس بصيص النور شعورا داخليا بأن العدالة قادمة وأن كل يوم صبر تقضيه يقربها خطوة من الانتصار على الظلم الذي طالها طويلا.

وبعد شهور طويلة من الصبر والتحمل بدأت الحقيقة تتكشف شيئا فشيئا.

تدخل أحد الأقارب الطيبين عم زوج مريم وكشف خبايا الحماة وأظهر للجميع كيف كانت تظلم مريم يوميا وكيف كانت تفبرك التهم الصغيرة ضدها لتزيد من شعورها بالذل.

وفي صباح أحد الأيام اجتمع الأقارب في بيت الزوجية بعدما لاحظوا تكرار مشاكل مريم أمام الجميع.

بدأ العم يسرد بهدوء ما شاهده بعينيه ويكشف الأمور التي كانت الحماة تخفيها أو تحاول إنكارها ثم قال بحزم

أنا شوفت بعيني مريم وهي شغالة من غير توقف وشوفت الإهانات والكلام الجارح اللي كانت بتتحمله كل اللي كان بيحصل ده ما كانش غير ظلم مقصود علشان تكسروا قلبها.

ساد صمت ثقيل.

الجيران الذين حضروا الاجتماع بدت الدهشة على وجوههم وبدأ الهمس يدور بينهم وكثيرون منهم شعروا بالأسف العميق على ما كانت مريم تتحمله طوال تلك الفترة.

حتى الخدم الذين لم يتجرؤوا من قبل على الكلام بدأوا يروون مواقف حقيقية شاهدوها بأعينهم.

أما زوج مريم الذي ظل طويلا مترددا ممتنعا عن التدخل خوفا من الصدام مع والدته فقد شعر بندم مرير على صمته الطويل.

امتلأ قلبه بالأسف والعتاب الذاتي وأدرك أخيرا أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف حازم.

تقدم بخطوات ثابتة ووقف أمام والدته وقال

بصوت لم تعهده منه من قبل

كفاية. مريم ما عملتش أي حاجة غلط. ومن النهارده مش هاسمحلك تهينيها ولا تظلميها تاني. كل اللي حصل ده لازم يقف هنا والعدل لازم يتنفذ.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى