Uncategorized

كما تدين

رجعـت من غـير ميـعاد، كنـت عـايزة أفاجـئ أبويـا وأمـي فـي البيـت والأرض اللي اشتريتـهم بـدم قلبـي وشـقا سنيـن الغربـة.. قلت خـلاص، آن الأوان يرتاحـوا ويحـسوا بقيمتـهم بعد العمـر اللي ضـاع في التعـب…..

أول ما وصلت القرية، عيني مدورتش على البيت الأبيض والشبابيك اللي بنتها بفلوس السهر والذل في بلاد بره.. عيني مشيت ناحية الأرض اللي حلمت إن أبويا “الحاج إسماعيل” يمشي فيها ملك، مش عشان يزرع ويقلع، لا، عشان يتنفس هوا ملكه هو.
لكن أول حاجة شفتها قطعت نفسي….
بقلم منــي الـسـيد
شفت أبويا، الراجل اللي كان بيشيل الشيلة قد اتنين، اللي كان بيشيلني على كتافه عشان أطول بلح النخلة.. شفته ماسك مقشة قديمة، واقف تحت شمس الظهر اللي تحــ,رق الحجر، بيكنس الحوش وهو ظهره محني، ورجليه بتترعش من التعب…

مقالات ذات صلة

وفوق “المصطبة”، قاعدة “الحاجة فوزية” (أم منى مرآة أخويا)، قاعدة حاطة رجل على رجل، بتهوي على نفسها بالمنشة، وبتأزأز لوز وفستق، وبتصرخ فيه زي ما يكون “خدام” جابوه من الشارع:
— “إخلص يا راجل أنت! الغبرة طلعت علينا، مابتعرفش تكنس عدل؟ غلبتونا في عيشتنا!”
#بقـلم_منـي_السيـد

أنا مكاني في العربية، إيدي كلبشت في الدريكسيون، مش قادرة أتحرك.. كنت حاسة إن ده كابوس، بس الحقيقة كانت أمرّ بكتير.
وقبل ما أنزل، شفت أمي، “الحاجة زينب”. خارجة من ورا البيت شايلة طشت غسيل تقيل ومبلول، ماشية بتميل بوسطها من وجع ضهرها اللي مابيرحمش. أمي اللي أنا باعتة تمن “غسالة أوتوماتيك” ماركة عشان إيدها ماتلمسش الصابون تاني.. شفتها رايحة تنشر هدوم “غسيل لغيرنا”….

وراها كانت “منى”، مرات أخويا، ماسكة الموبايل وبتبص في ضوافرها الملونة:
— “شدي حيلك يا حماتي، البلوزات دي ماركة مش عايزة فيها كرمشة، انشريها عدل عشان عندي خروجة بالليل.”
أمي ما ردتش، هزت راسها بس بكسرة نفس.. النفس اللي عمري ما شفتها فيها قبل كده.
أبويا ساب المقشة وراح يقدّم كوباية مية لـ “فوزية”، من تعبه ورعشة إيده، نقطة مية وقعت على طرف الجلابية بتاعتها.. الست قامت ونفضت الكوباية من إيده، الإزاز اتكــ,سر ميت حتة:

— “يا فقر! مابتشوفش؟ غرقتني !”
لمحت في إيدها “خاتم دهب” بصوص حمرا.. الخاتم ده أنا عارفاه، ده تمن العلاج اللي بعته لأبويا الشهر اللي فات! “جبنا الدوا يا بنتي وماتقلقيش”، ده اللي أمي قالتهولي في التليفون.. وأتاري الدوا اتحول لدهب على صوابع العقربة دي!

في اللحظة دي، الدم غلى في عروقي. أنا ضيعت شبابي في الغربة، وكلت عيش بجبنة عشان أوفر قرش، واتحملت قلة القيمة من الغريب عشان أهلي يبقوا ملوك في بيتهم.. وفي الآخر يتحولوا لخدم عند “شوية غجر”؟

عرفت إن أبويا وأمي كدبوا عليا عشان “الستر”، وعشان مايشيلونيش همهم. وعرفت كمان إن في ناس لازم تتحاسب، والحساب مش هيبقى بالزعيق.. الحساب هيبقى “على نار هادية”. بقلم منــي الـسـيد
نزلت من العربية، ملامحي كانت زي الحجر. خبطت كلاكيس واحد.. الكل اتجمد في مكانه…
أمي خرجت تجري، وأول ما شفتني، ملامحها مكنش فيها فرحة.. كان فيها “خوف”. خايفة إن وجودي يزود العذاب عليها.
— “أيوة يا فوزية، أيوة يا منى.. أنا جيت.”

فوزية قامت تجري بابتسامة صفرا:
— “يا حبيبتي يا نورا! يا حمد لله على السلامة، ده البيت نور! كنا لسه بنقول يا ريتك كنتي معانا.”
ما ردتش عليها، رحت لأبويا بست إيده اللي كانت خشنة ومشروخة من الشغل، وحضنت أمي اللي ريحتها صابون وكرف وتعب….
#بقـلم_منـي_السيـد

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى