
الأغنياء لا يسقطون في مكبنا مصادفة قالت مرسيدس. إما أنه يهرب من شيء أو أن أحدا أراد له أن ينسى هناك.
تقدمت كاميلا خطوة أمامه كأن جسدها الصغير سور يحميه.
جدتي إنه يرتجف. لا أستطيع تركه.
نظرت مرسيدس إلى حفيدتها فرأت في عينيها شيئا لم يكن خوفا بل اختيارا. تنهدت ببطء.
ليلة واحدة. فقط ليلة. وغدا نرى.
في تلك الليلة جلسوا حول الطاولة الصغيرة. أرز بسيط فاصولياء وقطعة لحم صغيرة كان طعمها مزيجا من التعب والامتنان. أكل الرجل بصمت ثم قال
لم أتذوق طعاما كهذا منذ زمن رغم أنني لا أتذكر متى.
رأت كاميلا دمعة تلمع في عينه قبل أن يمسحها سريعا.
لم تسأله لماذا يبكي. كانت تعرف أن بعض الأسئلة تترك للوقت.
عند الفجر كان جالسا في الفناء يتأمل الساعة كما لو كانت بوصلته الوحيدة.
هل تذكرت شيئا سألته كاميلا.
ومضات فقط. الساعة منقوش عليها إلى د. س. مع الحب باتريسيا.
جلسوا إلى المائدة. قهوة خفيفة خبز قاس وصمت يفكر.
سأبيع الساعة قال فجأة. استخدموها لشراء الدواء أو لإصلاح البيت.
رفعت مرسيدس حاجبيها.
لا نأخذ ما ليس لنا.
لكنها ساعتي
وربما هي الشيء الوحيد الذي يربطك بمن كنت.
صمت طويل.
إذا دعاني أعمل قال. إن كنت سأبقى هنا أريد أن أكون نافعا.
وهكذا ولد ميغيل. اسم مؤقت لرجل مؤقت في حياة كانت تتغير ببطء. بدأ يعمل في الحديقة يحرث الأرض يسقي النباتات يحمل الأكياس الثقيلة التي كانت تثقل كتفي كاميلا. كان يتعلم كل شيء من جديد كطفل يكتشف العالم للمرة الأولى.
ومع الأيام صار وجوده جزءا من البيت. ضحكت كاميلا أكثر. نامت مرسيدس براحة أطول. وصار الفناء الصغير يمتلئ بأحاديث لم تكن تقال من قبل.
إلى أن جاء اليوم الذي رأوا فيه الرجال الثلاثة في المكب يحملون صورة.
نبحث عن رجل مفقود. هناك مكافأة كبيرة.
شعرت كاميلا بقلبها ينقبض.
تلك الليلة سقطت مرسيدس أرضا. هرع ميغيل إليها حملها كما لو كانت كنزه الوحيد وركض نحو الشارع يطلب المساعدة. في المستشفى جلس في الممر البارد رأسه بين يديه كأنه يخشى أن يفقد ذاكرة جديدة ذاكرة هذا البيت.
التشخيص كان واضحا مشكلة في القلب. مستقرة لكن تحتاج إلى فحوص عاجلة.
نظر إلى كاميلا.
سأبيع الساعة.
لا! صرخت. إنها كل ما تبقى لك من حياتك.
ركع أمامها وضع يديه على كتفيها.
حياتي ليست في هذه الساعة. حياتي هنا معكما.
باع الساعة. دفعوا التكاليف. وتعافت مرسيدس.
ثم جاء الاسم الذي كسر الجدار في رأسه.
نبحث عن دييغو سالازار.
وفي لحظة عاد كل شيء. الشركة. الشريك روبرتو ميندوزا. الصفقة. الخيانة. الضربة على الرأس. الظلام. زوجته باتريسيا. ابنته دانييلا.
أنا هو أنا دييغو سالازار.
عاد إلى بولانكو. إلى الأبراج الزجاجية. إلى القاعات الواسعة. عانق ابنته التي كبرت في غيابه. واجه الشريك في المحاكم. وواجه نفسه في المرآة.
لكنه لم يعد الرجل نفسه.




