منوعات

في الليلة اللي..

في صباح اليوم التالي ارتديت البلوزة البيج التي اشترتها لي أمي في تنزيلات العام الماضي.
ربطت شعري.
حددت عيني كما كانت تفعل عندما تريد أن تبدو قوية.
وقبل أن أخرج، أوقفني طارق.
ظننته سيقول شيئًا كبيرًا.
لكنه فقط عدّل ياقة البلوزة.
لا تطأطئين رأسكِ همس.
أُقيم الاجتماع في أحد فنادق العائلة.
رخام أبيض.
زهور مستوردة.
هواء بارد.
وأناس تفوح منهم رائحة المال من بعيد.
لم يكن أحد ليسمح لي بالدخول وحدي، لكنني دخلت إلى جانب رائد السامرائي، وفجأة بدأ الجميع يتصرف وكأنني أنتمي إلى ذلك المكان.
رأيت سامر أولًا.
بدلة كحلية.
ساعة فاحشة الثمن.
وابتسامة إعلانات فارغة.
كان أطول مما تخيلت.
وأجوف أكثر.
كان يتحدث مع مستثمرين عندما التفت نحوي.
تجمّد لثانيتين، ينظر إلى وجهي كأنه يرى صورة قديمة لوالده في نسخة أصغر وأفقر.
ثم رأيت رنا.
ما زالت جميلة بطريقة مؤذية.
النوع الذي يتقدم بالعمر دون أن يصبح أقل خطورة.
تفحصت ملابسي.
حذائي.
حقيبتي البسيطة.
ثم توقفت عند وجهي.
وفهمت.
ليس لأن أحدًا أخبرها.
بل لأن الحقيقة أحيانًا تدخل مثل .
دون استئذان.
كان كريم في آخر القاعة يراجع أوراقًا.
وحين رفع عينيه نحوي، شحب وجهه.
لم تكن ردة فعل أنيقة.
ولا
سينمائية.
بل بشرية جدًا.
الرجل الذي أرسل لي المال ثمانية عشر عامًا دون أن يجرؤ على نطق اسمي، بدا وكأنه فقد الهواء فجأة.
لم يمنحه رائد وقتًا.
اقترب من الطاولة الرئيسية، تحدث مع المنظمين، ثم أعلن، بذلك الهدوء المرعب الذي يملكه الناس الذين يعرفون أين يضعون المشرط بالضبط، أنه يمثل مالكة حصص مؤثرة تمتلك وثائق تغيّر جدول الاجتماع بالكامل.
بدأ الهمس.
تحركت الكراسي.
وخرجت الهواتف.
اندفع سامر بغضب.
ما معنى هذا؟
لم يرمش رائد حتى.
معناه أن الموجودين هنا يجب أن يعرفوا أن الشركة أخفت ديونًا عبر شركاتها التابعة لسنوات، وأن جزءًا من تلك القرارات يحمل توقيعك أنت.
هبط الصمت ثقيلًا.
تقدمت رنا خطوة.
ومن هذه؟
هنا جاء دوري.
شعرت بساقيّ كالمطاط.
شعرت بأمي.
شعرت بطارق وهو يعدّل ياقة قميصي.
شعرت بكل الإهانة التي ابتلعتها منذ قبل ولادتي.
وهذه المرة
لم أبتلعها.
أنا سارة الجبوري ابنة هناء الجبوري.
رأيت الاسم بذاكرة كريم كالحجر.
ضحكت رنا، لكنها كانت ضحكة هشة.
لا أعرف من أرسلكِ يا فتاة، لكن
رفع رائد نسخة مصدقة من اعتراف الأبوة.
الآنسة سارة الجبوري هي أيضًا الابنة البيولوجية للسيد كريم الساعدي.
كل شيء دفعة واحدة.
أصوات.
صراخ.
هواتف تصوّر.
سامر يلتفت نحو والده بغضب حيواني.
رنا تفقد لونها.
وكريم
كريم يغرق داخل بدلته الفاخرة.
قل لهم إنها كذبة بصقها سامر.
فتح كريم فمه.
ولم يخرج شيء.
لا أعرف ماذا كنت أتوقع.
جبنًا آخر ربما.
إنكارًا جديدًا.
لكن بعد ثمانية عشر عامًا، نظر إليّ أخيرًا مباشرة.
ليست كذبة قال.
لم أشعر بالانتصار.
ولا بالفرح.
فقط فراغ بارد، كأن جزءًا من حياتي أصبح رسميًا بعد فوات الأوان.
صفعته رنا أمام الجميع.
الصوت جعل جسدي يرتجف.
أهنتنا من أجل تلك المرأة ومن أجل ابنة غير شرعية! صرخت وهي خارجة عن سيطرتها.
أردت الرد.
أردت الدفاع عن أمي.
لكن كريم، الذي لم يدافع عنها حين كان ذلك مهمًا، امتلك أخيرًا ذرة متأخرة من الكرامة.
لا تعيدي قولها هكذا.
كانت محاولة صغيرة جدًا.
سخيفة.
ومتأخرة.
لكنها جعلتني أفهم شيئًا
حتى هو عاش راكعًا طوال حياته.
حاول سامر انتزاع الملف من يد رائد.
تدخل الأمن.
بدأ المستثمرون بالخروج من القاعة، وآخرون يجرون اتصالات.
وخلال أقل من عشر دقائق بدا الفندق كأنه طلب رائد تعليق الاجتماع.
وأعلن أن المعلومات وصلت بالفعل إلى الجهات المالية وعدد من الدائنين.
لم يكن تهديدًا.
بل أمرًا انتهى فعليًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى