
خفيفة.
لكنها ملأت المكان بالكامل.
وقفت غادة عند الباب تراقبها.
ثم فجأة غطت عينيها بيدها.
ليس لأنها تبكي.
بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتحمل هذا الشعور.
السعادة البسيطة أصبحت تؤلمها.
رن هاتفها فجأة.
رقم غير معروف.
ترددت قبل أن ترد.
ألو؟
جاءها صوت رجل هادئ
معكِ فهد السالم.
تصلب جسدها
فورًا.
نظرت تلقائيًا نحو البطاقة الموضوعة فوق الطاولة.
آسفة إذا صرفت كثيرًا
لم تصرفي كثيرًا.
سكتت.
ثم قال بعد لحظة
هل تناولتِ أنتِ الطعام اليوم؟
تفاجأت من السؤال نفسه.
كأن أحدًا لم يسألها هذا منذ زمن طويل.
قالت بهدوء مرتبك
نعم.
لكنه شعر فورًا أنها تكذب.
نظر إلى تفاصيل العمليات مرة أخرى.
كل الطلبات تقريبًا كانت تخص الطفلة.
ملابس أطفال.
وجبات أطفال.
أدوية أطفال.
حتى المطاعم كانت أرخص شيء بالقائمة.
قال دون أن يفكر كثيرًا
طلبتِ وجبة واحدة فقط أمس من المطعم.
ساد الصمت.
ثم قالت غادة بصوت منخفض جدًا
ليان كانت جائعة أكثر مني.
أغلق فهد عينيه للحظة.
وشعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره.
شيء لم تستطع كل أموال العالم أن تمنعه هذه المرة.
لأن المرأة التي ظن أنها قد تستغل بطاقته
كانت ما تزال تتصرف وكأنها لا تستحق حتى أن تأكل جيدًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظ فهد قبل المنبه لأول مرة منذ أشهر.
بقي مستلقيًا للحظات وهو ينظر إلى سقف غرفته الواسعة.
ثم مد يده مباشرة نحو الهاتف.
فتح سجل العمليات البنكية قبل أي شيء آخر.
لم يكن هناك أي شراء فاخر.
ولا سحب نقدي.
ولا حتى محاولة لاستغلال البطاقة.
فقط متجر صغير للإفطار.
ثم صيدلية مرة أخرى.
تنفس ببطء.
شيء داخله كان يرتاح
وشيء آخر كان ينزعج لأنه يرتاح.
كانت غادة تجلس في عيادة أطفال خاصة قرب الفندق.
ليان نائمة على كتفها بتعب.
والطبيبة تقلب نتائج الفحص أمامها.
عندها التهاب قوي بالصدر بسبب البرد والإرهاق لكنها ستكون بخير إن شاء الله.
أغمضت غادة عينيها للحظة.
وكأن جسدها كله انهار بعد سماع جملة ستكون بخير.
هل تحتاج دخول مستشفى؟
لا، فقط راحة وأكل جيد وانتظام على الدواء.
هزت غادة رأسها بسرعة.
ثم سألت السؤال الذي أي شخص عاش ضيق المال طويلًا
كم الحساب؟
ابتسمت الطبيبة بخفة وهي تذكر الرقم.
ورغم أن البطاقة السوداء
-
لو عايز تشوف عدل ربنامنذ 3 أيام
-
لاتأكل هذا الجزء من الدجاجةمنذ 3 أيام
-
فتاة السيركمنذ أسبوع واحد
-
بنتي رجعت من المدرسةمنذ أسبوعين
داخل حقيبتها تستطيع دفع أضعافه بلا معنى
شعرت غادة بانقباض داخل صدرها.
الاحتياج لا يختفي بهذه السرعة.
بعد ساعة، وصل إشعار العيادة إلى هاتف فهد.
ظل ينظر إليه طويلًا.
التهاب صدر.
طفلة عمرها ست سنوات.
ثلاث ليالٍ في محطة باردة.
أغلق الهاتف بقوة هذه المرة.
ثم وقف فجأة.
لدرجة أن مساعدته التفتت نحوه بسرعة.
أستاذ فهد؟
ألغِ كل اجتماعات اليوم.
تفاجأت.
لكن اجتماع المستثمرين الأمريكيين
قلت ألغيه.
لم تجادله.
لأنها رأت شيئًا غريبًا على وجهه.
توترًا لم تره من قبل.
خرج فهد من البرج الزجاجي لأول مرة دون موكب أو سائق.
قاد سيارته بنفسه وسط شوارع دبي المزدحمة.
ولم يكن يفهم تمامًا لماذا يفعل ذلك.
كان يستطيع تحويل مليون درهم لغادة وينتهي الأمر.
هذا ما يفعله عادة.
حل سريع.
بعيد.
بارد.
لكن هذه المرة
الأمر لم يعد يتعلق بالمال فقط.
وصل إلى الفندق الذي ظهرت بياناته في العمليات البنكية.
وقف في الاستقبال.
أبحث عن السيدة غادة العتيبي.
نظر موظف الاستقبال إليه بتوتر فور أن تعرف على وجهه.
لحظة أستاذ.
بعد دقائق، نزلت غادة وهي تمسك يد ليان.
وفور أن رأته، توقف جسدها بالكامل.
كأنها لم تتوقع أبدًا أن يأتي بنفسه.
أما ليان
فتشبثت بمعطف أمها فورًا.
اقترب فهد ببطء.
ثم نظر إلى الطفلة.
وجهها بدا أفضل قليلًا.
لكن الإرهاق ما يزال واضحًا.
قال بهدوء
كيف هي الآن؟
ترددت غادة قبل الرد.
أفضل الحمد لله.
ثم أضافت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها
أخذتها للطبيبة فقط لأن حرارتها ارتفعت أمس.
هز رأسه بهدوء.
ثم نظر نحو ليان.
هل أنتِ بخير الآن؟
حدقت به الطفلة بصمت طويل.
ثم سألت فجأة
أنت الغني؟
تجمدت غادة فورًا.
ليان!
لكن فهد رفع يده قليلًا.
وكاد يبتسم لأول مرة منذ يومين.
تقريبًا.
ظلت الطفلة تنظر إليه بتركيز طفولي صادق.
ثم قالت
ماما قالت إنك مو شرير.
شعر فهد بشيء غريب مباشرة.
ليس لأنه تأثر بالجملة فقط








