
دخلت المطبخ، وبصيت لحلة لسان العصفور اللي بردت. فتحت الجروب اللي سميته “14 مايو”.. مسحت كل الأرقام منه، وسبت نفسي أخيراً أعيط. عيطت على الـ 12 سنة، على الروتين اللي كنت بحبه، على الأمان اللي طلع وهم.
بس وأنا بمسح دموعي وببص للهدوم المغسولة والبيت الهادي، عرفت إن الوجع ده هو وجع الولادة الجديدة. منى اللي عندها 40 سنة مش هتبكي على لبن مسكوب، ومن بكرة الصبح.. في حياة جديدة هتترتب، على نظافة، ومن غير “حجج غياب”.
مر أسبوع على الليلة دي. سبع أيام كاملين، البيت فيهم كان غريب.. هادي زيادة عن اللزوم، بس هدوء خالي من التوتر اللي كنت عايشة فيه من غير ما أحس.
-
لو عايز تشوف عدل ربنامنذ 3 أيام
-
لاتأكل هذا الجزء من الدجاجةمنذ 3 أيام
-
فتاة السيركمنذ أسبوعين
-
بنتي رجعت من المدرسةمنذ أسبوعين
هشام ما جاش البيت من ساعتها، كان بيبعت رسايل استعطاف وندم من أرقام تانية بعد ما عملتله “بلوك” من كل حتة، رسايل من نوعية “أنا بتموت من غيركم” و”فكرتيني قاسي بس طلعتي أقسى”. لكن الحقيقة، مرارته ما كانتش عشان خسارتي، مرارته كانت عشان “الغطا” اتكشف.
يوم الأحد الصبح، رنيت على محامي شاطر من طرف أختي نيرمين، وحددت معاه معاد. وقبل ما أنزل، جالي تليفون من “طنط إلهام”.. حماتي.
كنت فاكرة إنها هتكلمني تدافع عن ابنها، أو تلومني إني فضحت الموضوع على الجروب. أخدت نفس طويل ورديت:
* “أيوة يا طنط.”
صوتها كان باين فيه الكبر والتعب، اتنهدت وقالت:
* “يا منى يا بنتي.. أنا مكسوفة منك. هشام غلط، وغلطه كبير في حق ربنا وفي حقك وحق ولاده. أنا ربيته بس معرفتش أطلع راجل يصون النعمة. أنا مش زعلانة منك إنك بعتي على الجروب، أنا زعلانة عليه وعلى خيبته. ولادك هما ولادي، وأي حق ليكي وليهم أنا ضهرك فيه.”
الكلمتين دول نزلوا على قلبي زي المايه الساقعة. حسيت إن خطوتي ما كانتش متهورة، بالعكس، دي حطت كل واحد قدام مسؤوليته الأخلاقية.
أما في الشركة، فـ “التحقيق الإداري” جاب من الآخر. أستاذ مراد (مديره) كلمني في التليفون بشكل شخصي بعد يومين عشان يطمن عليا وعلى العيال، وقال لي بوضوح: *”يا مدام منى، إحنا في الشركة بنحترم الأمانة، واللي يخون بيته وأولاده ويستغل عربية وميزانية الشغل لملذاته الشخصية، ملوش مكان وسطنا”*. هشام اتفصل “فصل تأديبي” بدون مستحقات كبيرة، وكارلا كمان اتنقلت لفرع تاني في المحافظات بعد ما سمعتها بقت على كل لسان في الشركة.
النهاردة، وأنا قاعدة في مكتب المحامي، وبمضي على ورق دعوى الطلاق والنفقة والمؤخر، بصيت من الشباك على الشارع وزحمة العربيات.
المحامي بصلي وقال:
* “مدام منى، إنتي متأكدة من كل الخطوات دي؟ مش عايزة تدي فرصة للوساطة؟”
ابتسمت ووقعت الاسمي بثبات:
* “الفرص بتتكتب لما يكون في غلطة يا متر، مش لما يكون في ‘خطة غياب’ متقفل فيها كل التفاصيل بعداد الكيلومترات.”
خرجت من مكتب المحامي، الهوا كان نضيف، والشمس مشمسة ودافية. رحت السوبرماركت، اشتريت حاجات الحلو اللي بيحبوها مازن وجنا.
عمري 40 سنة، والنهاردة ببدأ من الصفر. مش خايفة من الأقساط، ولا خايفة من التربية لوحدي. الخوف الحقيقي كان إني أعيش مغمية عيني مع راجل شايفني “إجراء إداري”.
رجعت البيت، فتحت الشبابيك ودخلت المطبخ أعمل غدا جديد، ولسان العصفور المرة دي.. استوى على نار هادية، ونضيفة جداً.
بعد سنة كاملة من الليلة ديك..
بصيت لنفسي في المراية وأنا بظبط فستاني قبل ما أنزل. النهاردة عيد ميلادي الـ 41. ملامحي متقيرتش كتير، بس النظرة اللي في عيني هي اللي اتغيّرت؛ مابقاش فيها الحيرة ولا الترقب، بقى فيها سلام وتصالح مع كل اللي فات.
السنة دي ما كانتش سهلة، كانت سنة إعادة بناء. كسبت ق*ضية الطلاق، وأخدت كل حقوقي وحقوق ولادي بقوة القانون، وبدعم من حماتي اللي فضلت على موقفها معايا لحد آخر لحظة. نزلت الشغل تاني، رجعت لمجالي القديم في الديكور وتنسيق المساحات، والقرش اللي بقيت بجمعه من تعبي بقى طعمه أ different وأكتر بركة.
مازن كبر وبقى يعتمد على نفسه ويساعدني، وجنا شعرها طول وبقت هي اللي بتسرحه لنفسها كل يوم الصبح قبل المدرسة. بيتنا مابقاش فيه خناقات على الفلوس بـ “خباثة”، ولا نظرات مكسورة. بقى فيه وضوح.. وصراحة.. وحب حقيقي.
أما هشام؟ عرفت إنه اشتغل في شركة أصغر بكتير، بمرتب أقل، ومن غير عربية ولا مميزات. وكارلا؟ سابته بعد أول شهرين لما أدركت إن “المدير الناجح” مابقاش وراه غير القضايا وأقساط النفقة. أوقات بيجي ياخد العيال في الويك إند، بيبصلي من بعيد بنظرة ندم، محاولش يتكلم تاني.. لأنه عارف إن “منى” اللي كان بيقفل عليها حكاياته القديمة، مابقتش موجودة.
رن جرس الباب، ولقيت العيال داخلين وفي إيديهم تورتة صغيرة شاريينها بمصروفهم، ومكتوب عليها بالكريمة: “بنتي الغالية.. سوبر ماما”.
ضحكت من قلبي وأنا بحضنهم.
زمان، كنت فاكرة إن نهاية الحكاية بتكون لما البيت بيتهد. بس النهاردة عرفت إن ساعات الهدد بيكون هو البداية الصح. أنا منى.. عندي 41 سنة، وبقيت بطلة قصتي، مش مجرد هامش في كتاب حد تاني.








