عام

دخل الغرفة

أول ما شافته وقفت: “طمنا يا دكتور؟ ولاء عاملة إيه؟ والواد؟”

ماجد ثبت نظراته عليها وقال بنبرة جامدة: “الوالدة والبيبي كويسين، دخلوا الإفاقة. انتي جارتها من زمان؟”

الست هزت راسها: “أيوة يا بيه، من يوم ما سكنت في دمنهور من ست شهور لوحدها.. غلبانة ومكسورة، ومبتدريش على حملها، كانت بتقول دايما إنها مبروكة والبيبي ده معجزة من عند ربنا بعد ما الدكاترة عجزوا.”

ماجد حس بضربة في صدره: “سكنت من ست شهور؟ هي مجابتش سيرة جوزها؟ أبو الولد فين؟”

الست بكت بدموع حقيقية: “جوزها إيه بس يا دكتور.. دي كانت بتقول إنه مات.. مات قبل ما يعرف إنها حامل. كانت بتشتغل خياطة ليل مع نهار عشان تجهز للواد، ومكنتش بتاكل لقمة عدلة لحد ما جاها طلق مبكر النهاردة الصبح. أنا ملقتش في جيبها غير تمن الإسعاف وجبتها على هنا علطول.”

مات؟ ولاء قالت للناس إنه مات؟

ساب الجارة واقفة ودخل مكتبه وقفل الباب. قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه. الأفكار كانت بتطحن في دماغه. ولاء حملت في آخر أيامها معاه. الحمل حصل وهي لسه مراته، يعني الولد ده ابنه! ابنه هو! الراجل اللي بقاله سبع شهور عايش في وهم إن العيب منها، الراجل اللي كان بيرتب عشان يخطب بنت تانية عشان تجيبله الحتة العيل اللي كان بيموت عليه.

قام ومشى بخطوات تقيلة ورايح يزور الحضّانة. وقف ورا اللوح الإزاز. الممرضة كانت بتنظف البيبي وبتحطه تحت الدفاية.

بص لملامحه. الواد شبهه بشكل غريب. نفس قصة الحواجب، نفس تدويرة الوش. الولد فتح عينيه الصغيرة وبدأ يتحرك. ماجد حس بقشعريرة في كل جسمه. ده ابني. ابني اللي رميت أمه في الشارع وقولتلها انتي عاقر.

عدت ساعتين، وولاء اتنقلت أوىىضة عادية. البنج بدأ يروح تماما.

فتح الباب ودخل الأوىىضة. كانت صاحية، ساندة راسها على المخدة، وعينيها باصة للسقف بفراغ. أول ما سمعت صوت الباب التفتت. لما شافته، عينيها ملقطتش نظرة لهفة ولا عتاب.. لقطت نظرة خوف ونفور.

ماجد قرب وقعد على الكرسي اللي جنب السىىرير. الأوىىضة كانت هادية بشكل خانق.

“الحمد لله على سلامتك يا ولاء.” قالها بصوت واطي ومبحوح.

ولاء لفت وشها الناحية التانية وقالت بنبرة ناشفة وصوت ضعيف: “الله يسلمك يا دكتور. البيبي فين؟”

“في الحضّانة، كويس وبيتنفس طبيعي، متقلقيش عليه.”

سكتت. مكنتش عايزة تبص في وشه.

ماجد مقدرش يستحمل السكوت: “ولاء.. الولد ده ابني؟”

ولاء ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع، لفت راسها وبصت في عينيه  ، وقالت ببرود حرىىق دىىمه: “لأ مش ابنك يا ماجد. ابني أنا لوحدي. انت مش قولتلي اني مبتخلفش ومش هخلف؟ خلاص.. اعتبره جه من غير أب. زي ما قولت لجيراني إن أبوه  .. اعتبر نفسك  فعلا.”

ماجد وقف بعصبية: “مات إيه وجن عياذ بالله إيه! الحسبة الطبية بتقول إنك حملتي في الأسبوعين اللي قبل الطلاق علطول! يعني ابني ومن صلبى! إزاي تخبي عليا حاجة زي دي؟ إزاي تخليني أطلقك وأنا مش عارف؟”

ولاء عينيها لمعت بالغل والدموع: “أخبي عليك؟ أنا مكنتش أعرف أصلا! أنا عرفت اني حامل بعد ما طبت عليا الورشة بتاعة الخياطة وأنا بشتغل بعد طلاقنا بشهر كامل! لما دوخت وروحت للدكتور قالي انتي حامل في شهرين و أسبوع! وقعت من طولى.. الدكتور قالي قنوات فالوب كانت مسدودة بسبب التهاب مزمن، والظاهر العلاج الأخير اللي خدتيه قبل الطلاق بشهر عمل مفعول ونضف القنوات والحمل حصل في أول تبويض نظيف!”

ولاء اتعدلت بصعوبة وهي بتصرخ بدموع حارقة: “كنت عايزني أعمل إيه؟ أجيلك؟ أجي للراجل اللي رماني في شىىقة أبويا وقال لعمامه دي عاقر ومش هتشيل اسمي؟ أجي للراجل اللي  غيابي وسافر ومفكرش حتى يرفع سماعة التليفون يسأل عليا؟ أجيلك عشان تفتكر اني بتمسح فيك ولا بتبلى عليك عشان ترجعني؟”

ماجد خطى خطوة ناحيتها ومد إيده: “ولاء.. أنا أسف.. الشياط كان عاميني..”

“متلمسنيش!” زعقت وقاطعت كلامه وقامت ضوافرها مغروزة في ملاية السىىرير من الألم: “أنا سميت الولد “يحيى”.. عشان ربنا أحيا بيه رحىىمي بعد ما انت  قلبي. يحيى ملوش أب يا ماجد. واطلع برة الأوىىضة دي.. أنا هخرج من المستشفى حالا.”

في اللحظة دي، الباب اتفتح بسرعة، ودخلت الممرضة وشها مخطىىوف وهي بتبص لماجد: “دكتور ماجد! إلحقنا في الحضّانة.. نفس البيبي وقف فجأة والضىىربات بتقل!”

2 من 2التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى