عام

سمع المليونير

سمع المليونير عاملة النظافة عنده تتوسل للحصول على حبيب قبل الغد… فدخل حفل زفاف عائلتها وهو يخفي سرًا أكبر “أنا لازم ألاقي حبيب قبل بكرة.” همست ندى محمود في هاتفها بصوت مرتجف. “مش أي حبيب يا ماما… أنا عايزة واحد يخلي دينا تشرق بتورتة الفرح وهي شايفاه.” كانت ندى تظن أنها وحدها داخل المطبخ الرخامي الواسع.

لكنها كانت مخطئة.

فعلى الجانب الآخر من باب المخزن نصف المفتوح، وقف كريم المنشاوي بلا حراك، ممسكًا بملف يحتوي على عقد استثماري تتجاوز قيمته ثلاثة مليارات جنيه.

رجل تفاوض في أكبر الصفقات دون أن يرمش.

وأقال مديرين أكبر منه سنًا دون تردد.

وواجه مستثمرين غاضبين لساعات كاملة دون أن يهتز.

لكن لا شيء أعدّه لسماع عاملة منزله تبكي لأنها ستذهب إلى حفل زفاف بمفردها.

قالت ندى وهي تمسح دموعها بطرف زيها الأزرق الفاتح:

“عارفة إنه كلام يضحك… بس إنتِ ما كنتيش موجودة السنة اللي فاتت. دينا عرّفتني للناس وقالت: دي بنت خالتي اللي بتنضف بيوت الأغنيا… وكل الناس ضحكت.”

اشتدت ملامح كريم.

كانت ندى تعمل لديه منذ قرابة عامين.

ورغم ذلك، لم يتحدث معها إلا مرات قليلة.

كانت تصل في السابعة صباحًا.

تربط شعرها البني في ذيل حصان بسيط.

وتحوّل القصر الهادئ إلى مكان دافئ ومنظم.

ثم تغادر قبل حلول المساء.

كان يعرف أنها تشرب قهوتها سادة.

ويعرف أنها تدندن أغاني قديمة عندما تظن أن لا أحد يسمعها.

ويعرف أنها تضع كل صباح زهورًا جديدة بجوار صورة والده الراحل… رغم أنه لم يطلب منها ذلك يومًا.

لكن حتى تلك اللحظة…

لم يكن يعلم أن أحدًا يستطيع أن يجعلها تبكي.

تابعت ندى:

“مش قادرة أعيش نفس الإحراج تاني… دينا قالت لكل الناس إني اخترعت قصة حبيب علشان مستخبية من الحقيقة. ولو رحت لوحدي… هتقضي الفرح كله وهي تثبت إنها كانت صح.”

جاء صوت والدتها متعبًا عبر الهاتف.

أغمضت ندى عينيها.

“لأ يا ماما… مش هتغيب عن الفرح. خالتي هتزعل منك، ودينا هتقول إني غيرانة منها. أنا بس… نفسي مرة واحدة أدخل مكان من غير ما الناس تحكم عليا قبل حتى ما أتكلم.”

خفض كريم رأسه.

تلك الجملة أصابت مكانًا داخله لم تستطع الأموال حمايته.

هو يعرف هذه النوعية من الناس.

نشأ بينهم.

عائلة والدته كانت ترى أن والده لا يليق بهم لأنه ابن عامل بسيط.

ورغم أن والده بنى لاحقًا واحدة من أكبر شركات المقاولات في مصر…

لم تتوقف الهمسات.

“مش من مستوانا.”

“لهجته مختلفة.”

“أصله مش من عيلتنا.”

أما كريم…

فحوّل الشركة الصغيرة إلى واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد.

وكان يظن أن النجاح سيُسكت الجميع.

لكنه اكتشف أن الناس لا تتوقف عن الكلام…

بل تغيّر فقط موضوعه.

قالت ندى بسرعة:

“لازم أقفل… أستاذ كريم ممكن ينزل في أي لحظة.”

نظر كريم إلى الملف الذي بيده.

ثم تراجع بهدوء قبل أن تشعر بوجوده.

“وأنا كمان بحبك يا ماما.”

أنهت ندى المكالمة، وأسندت كفيها إلى الرخامة.

وظلت لثوانٍ ترتجف.

ثم تمتمت بسخرية مرة:

“حبيب قبل بكرة… أكيد بيبيعوه جنب الأكل المجمد.”

كاد كريم يضحك.

لكنه عاد إلى مكتبه وأغلق الباب.

في تلك اللحظة، اهتز هاتفه.

كانت رسالة من شقيقته الصغرى ريم.

> ما تنساش فرح عيلة الشرقاوي بكرة. ماما مستنياك. وخالتي جايبة بنت صاحبتها هبة علشان تعرفهالك بالصدفة… واعتبر نفسك اتحذرت.

ظل كريم ينظر إلى الرسالة.

ثم فتح دعوة الزفاف الإلكترونية.

العريس…

أحمد الشرقاوي.

أما العروس…

دينا سامح.

رفع عينيه نحو المطبخ.

ولأول مرة منذ أسبوع…

ابتسم.

بعد عشرين دقيقة…

كانت ندى ترتب أدوات التنظيف على العربة عندما دخل كريم.

فانتفضت.

“أستاذ كريم… ما سمعتش حضرتك.”

قال بهدوء:

“أنا لاحظت.”

اتسعت عيناها.

وقف على مسافة مناسبة منها حتى لا تشعر بالضيق.

ثم قال:

“سمعت المكالمة اللي كانت بينك وبين والدتك.”

اختفى اللون من وجه ندى.

“أنا آسفة… ما كانش المفروض أتكلم في التليفون وقت الشغل. مش هتتكرر.”

هز رأسه.

“أنا مش هنا علشان كده.”

قالت بسرعة:

“أنا محتاجة الشغل ده… علاج ماما غلي وأنا…”

قاطعها برفق:

“ندى.”

سكتت فورًا.

“أنا مش هطردك.”

تشبثت بمقبض عربة التنظيف.

“أمال بنتكلم في إيه؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة.

“لأن عندي حل.”

نظرت إليه بحذر.

كان يعرف هذه النظرة جيدًا.

رآها مئات المرات أثناء المفاوضات.

هي لا تبحث عن العرض…

بل عن الثمن المخفي.

قال:

“أنا كمان عندي فرح بكرة.”

رفعت حاجبيها.

“نفس الفرح… على ما يبدو.”

شهقت بدهشة.

“حضرتك تعرفي دينا؟”

“أعرف أهل العريس… والأهم إن عيلتي مقتنعة إن وصولي من غير واحدة معايا كارثة قومية.”

بدأت تفهم قصده.

فقال قبل أن يتراجع عن الفكرة:

“إنتِ محتاجة حبيب…”

“وأنا محتاج واحدة تروح معايا.”

فتحت فمها بدهشة.

“حضرتك… بتقترح نروح مع بعض؟”

“أقترح نمثل إننا مرتبطين.”

ضحكت ضحكة قصيرة.

لكنها لم تكن ضحكة فرح.

“أستاذ كريم… حضرتك مالك شركات وأبراج… وأنا بنضف بيتك. مين هيصدق إننا مرتبطين؟”

أجاب بهدوء:

“الناس بتصدق أي حاجة توافق القصة اللي هم عايزين يصدقوها.”

“وإيه القصة دي؟”

“إن كريم المنشاوي شخص مستحيل حد يتوقع تصرفاته.”

ورغم نفسها…

كادت تبتسم.

أسند كريم ذراعه إلى الرخامة وقال:

“بنت خالتك بتستخدم شغلك علشان تذلك… وعيلتي بتستخدم حياتي الشخصية علشان تتحكم فيا. ممكن نساعد بعض.”

قالت:

“عن طريق الكذب؟”

“ليلة واحدة.”

هزت رأسها.

“دي فكرة مجنونة.”

“متفق.”

“إنت صاحب شغلي.”

“بكرة هكون الشخص اللي معاكي في الفرح… ويوم الإثنين، لو قررتي ترجعي، كل حاجة هترجع زي الأول.”

توقفت عند كلماته.

“لو قررت أرجع؟”

نظر إليها بثبات.

“لو حسيتِ بعد الليلة دي إن الشغل معايا هيضايقك… هكتب لك أفضل توصية، وهتاخدي مرتب ست شهور كامل. قرارك، سواء وافقتي أو رفضتي، مش هيكلفك لقمة عيشك.”

ازداد شكها.

وسألته وهي تضيق عينيها:

“وليه أنا؟”

ظل كريم صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصراحة لم تتوقعها:

“لأنك الوحيدة اللي أعرفها ومش طامعة في اسمي ولا فلوسي.”

ارتبكت ندى.

“حضرتك متعرفنيش أصلًا.”

ابتسم ابتسامة هادئة.

“أعرف إنك اشتغلتي عندي سنتين… وعمر جنيه واحد ما اختفى من البيت. أعرف إنك كل شهر بتطلبي سلفة يوم واحد بس علشان علاج والدتك، وبترجعيها أول ما تقبضي. وأعرف إنك لما لقيتي ساعة والدي القديمة تحت الكنبة، حطيتيها في الخزنة من غير ما حد يشوف.”

خفضت عينيها في خجل.

“دي أمانة.”

“وده سبب اختياري ليكي.”

ساد الصمت بينهما.

وأخيرًا قالت:

“ولو وافقت… يبقى فيه شروط.”

رفع حاجبه بإعجاب.

“اتفضلي.”

“أولًا… مفيش أي لمس أو تمثيل زيادة عن اللزوم.”

“موافق.”

“ثانيًا… أول ما الفرح يخلص، كل واحد يروح لحاله.”

“موافق.”

“وثالثًا… محدش في الشغل يعرف.”

مد كريم يده إليها.

“اتفقنا.”

ترددت للحظة… ثم صافحته.

ولم يكن أي منهما يعلم أن تلك المصافحة ستغيّر حياتهما بالكامل.

في مساء اليوم التالي…

توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام منزل ندى المتواضع.

تجمع الجيران أمام النوافذ.

“مين ده؟”

“دي عربية بملايين!”

خرج السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي.

ونزل كريم المنشاوي ببدلته السوداء الأنيقة.

وفي اللحظة نفسها…

خرجت ندى بفستان بسيط بلون النبيتي، لا يحمل اسم أي مصمم عالمي، لكنه أبرز جمالها الهادئ بطريقة خطفت الأنفاس.

تجمد كريم للحظة.

ثم قال بابتسامة صادقة:

“الفستان جميل.”

احمر وجهها.

“شكرًا.”

ركبت السيارة وهي تحاول تجاهل نظرات الجيران المندهشة.

وقبل أن تنطلق السيارة، قال كريم بهدوء:

“من دلوقتي… لو حد سأل، اتقابلنا بالصدفة من سنة، واتعرفنا بعيد عن الشغل.”

هزت رأسها.

“حاضر.”

ثم نظرت إليه فجأة.

“بس لو حد سألني أنا بشتغل إيه؟”

ابتسم وهو ينظر للطريق.

“قولي الحقيقة.”

نظرت إليه باستغراب.

“الحقيقة؟”

“إنتِ مش عاملة نظافة… إنتِ مديرة المكان اللي أنا مستحيل أعيش فيه يوم من غيرك.”

شعرت بشيء دافئ يهز قلبها.

ولأول مرة منذ سنوات…

ابتسمت من قلبها.

لكنها لم تكن تعرف…

أن هناك شخصًا داخل قاعة الزفاف، ينتظر لحظة وصول كريم، وفي يده ملف قديم وصورة باهتة، يخفيان السر الحقيقي وراء اختياره لندى بالذات… وليس مجرد صدفة.

يتبع…سألته وهي تضيق عينيها:

“وليه أنا؟”

ظل كريم صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصراحة لم تتوقعها:

“لأنك الوحيدة اللي أعرفها ومش طامعة في اسمي ولا فلوسي.”

ارتبكت ندى.

“حضرتك متعرفنيش أصلًا.”

ابتسم ابتسامة هادئة.

“أعرف إنك اشتغلتي عندي سنتين… وعمر جنيه واحد ما اختفى من البيت. أعرف إنك كل شهر بتطلبي سلفة يوم واحد بس علشان علاج والدتك، وبترجعيها أول ما تقبضي. وأعرف إنك لما لقيتي ساعة والدي القديمة تحت الكنبة، حطيتيها في الخزنة من غير ما حد يشوف.”

خفضت عينيها في خجل.

“دي أمانة.”

“وده سبب اختياري ليكي.”

ساد الصمت بينهما.

وأخيرًا قالت:

“ولو وافقت… يبقى فيه شروط.”

رفع حاجبه بإعجاب.

“اتفضلي.”

“أولًا… مفيش أي لمس أو تمثيل زيادة عن اللزوم.”

“موافق.”

“ثانيًا… أول ما الفرح يخلص، كل واحد يروح لحاله.”

“موافق.”

“وثالثًا… محدش في الشغل يعرف.”

مد كريم يده إليها.

“اتفقنا.”

ترددت للحظة… ثم صافحته.

ولم يكن أي منهما يعلم أن تلك المصافحة ستغيّر حياتهما بالكامل.

—

في مساء اليوم التالي…

توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام منزل ندى المتواضع.

تجمع الجيران أمام النوافذ.

“مين ده؟”

“دي عربية بملايين!”

خرج السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي.

ونزل كريم المنشاوي ببدلته السوداء الأنيقة.

وفي اللحظة نفسها…

خرجت ندى بفستان بسيط بلون النبيتي، لا يحمل اسم أي مصمم عالمي، لكنه أبرز جمالها الهادئ بطريقة خطفت الأنفاس.

تجمد كريم للحظة.

ثم قال بابتسامة صادقة:

“الفستان جميل.”

احمر وجهها.

“شكرًا.”

ركبت السيارة وهي تحاول تجاهل نظرات الجيران المندهشة.

وقبل أن تنطلق السيارة، قال كريم بهدوء:

“من دلوقتي… لو حد سأل، اتقابلنا بالصدفة من سنة، واتعرفنا بعيد عن الشغل.”

هزت رأسها.

“حاضر.”

ثم نظرت إليه فجأة.

“بس لو حد سألني أنا بشتغل إيه؟”

ابتسم وهو ينظر للطريق.

“قولي الحقيقة.”

نظرت إليه باستغراب.

“الحقيقة؟”

“إنتِ مش عاملة نظافة… إنتِ مديرة المكان اللي أنا مستحيل أعيش فيه يوم من غيرك.”

شعرت بشيء دافئ يهز قلبها.

ولأول مرة منذ سنوات…

ابتسمت من قلبها.

لكنها لم تكن تعرف…

أن هناك شخصًا داخل قاعة الزفاف، ينتظر لحظة وصول كريم، وفي يده ملف قديم وصورة باهتة، يخفيان السر الحقيقي وراء اختياره لندى بالذات… وليس مجرد صدفة.

يتبع…توقفت السيارة أمام الفندق الفخم الذي أُقيم فيه الزفاف.

كانت الأضواء تملأ المكان، وعشرات السيارات الفارهة تصطف أمام المدخل.

ابتلعَت ندى ريقها وهي تنظر إلى القاعة.

همست:

“حاسّة إني داخلة امتحان.”

ابتسم كريم بخفة.

“وأنا داخل معركة عائلية.”

ضحكت رغم توترها.

نزل أولًا، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب.

لم يمد يده إليها.

ترك لها حرية الاختيار.

بعد لحظة تردد، وضعت ندى يدها في ذراعه بنفسها.

“جاهزة؟”

أخذت نفسًا عميقًا.

“جاهزة.”

…

بمجرد دخولهما القاعة…

ساد صمت غريب.

توقفت الأحاديث.

والتفتت عشرات الرؤوس نحوهما.

همست إحدى السيدات:

“ده كريم المنشاوي!”

وأضافت أخرى وهي تحدق في ندى:

“مين البنت دي؟”

في الجهة الأخرى…

كانت دينا تضحك مع صديقاتها، حتى وقعت عيناها على الباب.

اختفت ابتسامتها فورًا.

شهقت:

“ندى؟!”

التفت الجميع.

دخلت ندى بخطوات هادئة إلى جوار كريم، بينما كان الأخير يتعامل مع النظرات وكأنها لا تعنيه.

اقتربت ريم، شقيقة كريم، وهي تكاد تقفز من الفضول.

“مش هتعرفنا؟”

ابتسم كريم بهدوء.

“ندى.”

مدت ريم يدها بسرعة.

“أنا ريم… أخت كريم.”

ابتسمت ندى بخجل.

“تشرفت.”

كانت ريم تنظر إلى أخيها أكثر مما تنظر إلى ندى.

لأنها تعرفه جيدًا.

كريم لم يُحضر امرأة معه إلى أي مناسبة منذ سنوات.

همست في أذنه وهي تبتسم:

“دي المفاجأة اللي كنت مخبيها؟”

رد بهدوء:

“سيبي التحقيق لبعدين.”

…

على الجانب الآخر…

كانت دينا تغلي من الداخل.

اقتربت وهي ترسم ابتسامة مصطنعة.

“ندى! يا خبر… إنتِ جيتي فعلًا.”

ابتسمت ندى.

“أكيد.”

نظرت دينا إلى كريم.

“ومين الأستاذ؟”

أجاب كريم بنفسه:

“كريم المنشاوي.”

اتسعت عينا دينا.

فهي تعرف الاسم جيدًا.

بل إن والد العريس كان يحاول منذ أشهر الحصول على موعد معه لعقد شراكة ولم ينجح.

ارتبكت.

“أهلًا وسهلًا…”

ثم التفتت إلى ندى بسرعة.

“ما كنتيش قولتي إنك مرتبطة.”

ردت ندى بهدوء:

“لأنك ما سألتيش.”

شعرت دينا وكأن الصفعة جاءت أمام الجميع.

…

بعد دقائق…

بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.

“إزاي اتعرفوا؟”

“هي مش كانت شغالة؟”

“واضح إنها بنت ناس.”

“أكيد في حاجة مستخبية.”

أما كريم…

فلاحظ رجلًا في أواخر الستينيات يراقبه من بعيد دون أن يقترب.

كان يحمل ملفًا بنيًا قديمًا.

وعندما التقت عيناهما…

تغير وجه الرجل فجأة.

وكأنه رأى شبحًا.

همس لنفسه:

“مستحيل… دي نسخة منها.”

لم يكن ينظر إلى كريم…

بل كان ينظر إلى ندى.

ثم فتح الملف المرتجفة يداه، وأخرج صورة قديمة لامرأة شابة التُقطت قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

كانت تشبه ندى…

بشكلٍ صادم.

أما ندى، فلم تكن تعلم أن وجودها في هذا الزفاف لم يكن مجرد تمثيل…

بل بداية كشف سر دفنه الزمن لسنوات طويلة، سر سيقلب حياة كريم وحياتها رأسًا على عقب.ظل الرجل ممسكًا بالصورة، وعيناه لا تفارقان ندى.

“لا… مستحيل.”

همس بها مرة أخرى.

كانت المرأة في الصورة تبتسم بنفس الطريقة.

ونفس لون العينين.

حتى الشامة الصغيرة أسفل الذقن كانت في المكان نفسه.

أغلق الملف بسرعة قبل أن يراه أحد.

ثم اتجه نحو كريم.

…

في تلك الأثناء…

كانت دينا تراقب كل شيء من بعيد.

لم تستطع احتمال أن تكون ندى محط أنظار الجميع.

فاقتربت منها وهي تحمل كأس عصير.

وقالت بصوت مرتفع يكفي ليسمعه الواقفون حولهما:

“بصراحة يا ندى… أنا فرحانة إنك أخيرًا لقيتي حد.”

ابتسمت ندى بأدب.

“شكرًا.”

لكن دينا أكملت بابتسامة ساخرة:

“أصل بعد شغلك في تنظيف البيوت، كنت فاكرة إنك مش هتلاقي وقت للحب.”

ساد صمت ثقيل.

التفتت عشرات الوجوه نحو ندى.

وانخفضت ابتسامتها.

قبل أن تنطق بحرف…

تقدم كريم خطوة إلى الأمام.

وقال بهدوء جعل الجميع ينصت:

“ندى لا تخجل من عملها.”

ثم نظر إلى الحاضرين واحدًا تلو الآخر.

“العار ليس في العمل الشريف… العار في احتقار من يعمل.”

لم يجرؤ أحد على الرد.

وأضاف وهو ينظر إلى دينا مباشرة:

“البيت الذي تنظفه ندى كل صباح… هو بيتي.”

شهقت دينا.

وتبادل الحضور النظرات.

أما كريم فأكمل:

“ولو كانت عندي عشر شركات أخرى… سأكون محظوظًا لو وجدت فيها موظفين بإخلاصها.”

احمر وجه دينا خجلًا.

ولأول مرة في حياتها…

لم تجد كلمة واحدة تسخر بها.

أما ندى…

فشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع.

ليس لأنه دافع عنها.

بل لأنه دافع عن كرامة كل شخص يعمل بيده.

…

في تلك اللحظة…

وصل الرجل المسن إلى كريم.

وقال بصوت منخفض:

“ممكن دقيقة… لو سمحت.”

التفت كريم إليه.

“اتفضل.”

فتح الرجل الملف ببطء.

وأخرج الصورة القديمة.

“البنت اللي معاك…”

نظر كريم إلى الصورة.

ثم إلى ندى.

وتجمد مكانه.

التشابه كان مخيفًا.

قال الرجل:

“أنا اسمي فؤاد عزام.”

“وكنت المحامي الخاص بوالدتك… الله يرحمها.”

انعقد حاجبا كريم.

“إيه علاقة ده بندى؟”

أخذ الرجل نفسًا عميقًا.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“من خمسة وعشرين سنة… والدك كان بيدور على طفلة اختفت من المستشفى بعد ولادتها بساعات.”

شحب وجه كريم.

“إنت بتقول إيه؟”

نظر فؤاد إلى ندى، ثم قال:

“لو كلامي صح… فالبنت دي ممكن تكون أختك.”

وفي اللحظة نفسها…

كانت ندى تقترب منهما وهي تبتسم، دون أن تعرف أن حياتها كلها على وشك أن تتغير بسبب سر ظل مدفونًا ربع قرن.توقفت ندى أمامهما وهي تبتسم.

“فيه حاجة؟”

أغلق فؤاد الملف بسرعة.

وقال بابتسامة متوترة:

“لا… كنت بس بسلم على أستاذ كريم.”

نظر إليه كريم نظرة فهمها الرجل فورًا.

ليس هنا.

هز فؤاد رأسه وغادر بهدوء.

أما كريم، فظل ينظر إلى ندى وكأنها شخص يراه لأول مرة.

ملامحها…

لون عينيها…

حتى طريقتها في الابتسام.

كل شيء أصبح يثير داخله ألف سؤال.

لاحظت ندى شروده.

“حضرتك كويس؟”

انتبه على صوتها.

“آه… بس عندي شوية شغل لازم أخلصه بعد الفرح.”

لم يرد أن يربكها بشيء لم يتأكد منه.

…

انتهى حفل الزفاف بعد ساعات.

وأثناء عودتهما في السيارة، كان الصمت يملأ المكان.

قطعت ندى الصمت قائلة:

“شكرًا.”

نظر إليها.

“على إيه؟”

“إنك ما سمحتش لحد يهيني.”

ابتسم بخفة.

“أنا قلت الحقيقة.”

ثم سألها فجأة:

“ندى… والدك فين؟”

استغربت السؤال.

“اتوفى وأنا عندي ثلاث سنين.”

“وعندك صور ليه؟”

هزت رأسها.

“ولا صورة… أمي كانت بتقول إن كل الصور ضاعت بعد الحريق اللي حصل في بيت جدي.”

ازدادت حيرة كريم.

وسأل بهدوء:

“اتولدتي في القاهرة؟”

“لا… في المنصورة.”

توقف عن السؤال.

لكنه قرر شيئًا في تلك اللحظة.

لن يخبرها بأي كلمة…

إلا بعد أن يتأكد مئة بالمئة.

…

في صباح اليوم التالي…

وصل كريم إلى مكتبه قبل الجميع.

وكان فؤاد ينتظره.

وضع الملف على المكتب.

وقال:

“قبل خمسة وعشرين سنة، والدك اتجوز قبل والدتك الحالية بسنة.”

رفع كريم رأسه بسرعة.

“إيه؟”

“الجواز استمر شهور قليلة… والزوجة كانت حامل.”

اتسعت عينا كريم.

“أنا أول مرة أسمع الكلام ده.”

تنهد فؤاد.

“لأن والدك أخفى الموضوع عن الكل.”

فتح الملف.

وأخرج شهادة زواج قديمة.

ثم صورة لامرأة شابة.

شهق كريم.

المرأة في الصورة…

كانت تشبه ندى بصورة تكاد تكون مطابقة.

قال فؤاد:

“بعد الولادة، المستشفى أعلنت إن الطفلة ماتت.”

“لكن بعدها بأيام… وصلت لوالدك رسالة مجهولة.”

أخرج ظرفًا أصفر باهتًا.

كان مكتوبًا عليه بخط اليد:

“بنتك عايشة… لكن لو حاولت تدور عليها، هتخسرها للأبد.”

ساد الصمت.

ثم همس كريم:

“يعني… ممكن ندى تكون…”

قاطعه فؤاد.

“ممكن.”

“لكن فيه حاجة أخطر.”

“إيه هي؟”

نظر فؤاد إليه بقلق.

“أنا بحثت في الأوراق القديمة.”

“ولقيت إن شهادة ميلاد ندى… اتسجلت بعد ولادتها بثلاثة أسابيع، وباسم أب غير معروف.”

تجمد كريم.

وقبل أن ينطق…

رن هاتفه.

كان المتصل…

ندى.

رد بسرعة.

لكن صوتها لم يكن طبيعيًا.

كانت تبكي.

“أستاذ كريم… ماما وقعت فجأة، والدكتور بيقول لازم عملية عاجلة… وأنا معنديش المبلغ.”

وقف كريم فورًا.

وأغلق الملف.

فالسر الكبير يمكن أن ينتظر…

أما حياة والدة ندى، فلا.تجمد كريم في مكانه.

نظر إلى والدة ندى، ثم إلى فؤاد.

لكن الطبيب اقترب سريعًا.

“المريضة لسه تحت تأثير البنج… ممكن تقول كلام مش مترابط.”

أومأ كريم برأسه، لكنه لم يقتنع.

كان يرى الذعر في عيني المرأة قبل أن تغلقهما من جديد.

…

في اليوم التالي…

استعادت والدة ندى وعيها بالكامل.

دخلت ندى إليها أولًا.

احتضنتها بقوة.

“خوفتيني عليكي يا أمي.”

ربتت الأم على شعرها بحنان.

“أنا بخير يا حبيبتي.”

ثم نظرت إلى كريم، الذي وقف عند الباب.

“ممكن… أتكلم مع الأستاذ كريم لوحدنا؟”

استغربت ندى.

لكنها خرجت احترامًا لرغبة والدتها.

ما إن أُغلق الباب، حتى امتلأت عينا المرأة بالدموع.

قالت بصوت متهدج:

“أنا عارفة إنك بدأت تدور.”

لم ينكر كريم.

“مين ندى؟”

أغلقت المرأة عينيها للحظة.

ثم قالت:

“ندى بنتي… بالقلب.”

“لكن… مش بالدم.”

ساد صمت طويل.

وأضافت:

“من خمسة وعشرين سنة… كنت بشتغل ممرضة في مستشفى خاص.”

شعر كريم بأن قلبه بدأ يخفق بعنف.

“وفي ليلة مطر شديدة… حصلت كارثة.”

تنهدت.

“واحدة من الممرضات كانت مدينة بمبلغ كبير لعصابة بتتاجر في الأطفال.”

اتسعت عينا كريم.

“إيه؟”

“العصابة كانت بتخطف أطفال حديثي الولادة… وتزوّر شهادات الوفاة.”

قبض كريم على حافة الكرسي.

“كملي.”

“في الليلة دي… حاولوا ياخدوا طفلة من حضّانة الأطفال.”

“ولما اكتشفتهم… هددوني بالقت/ل.”

توقفت للحظة وهي تبكي.

“قدرت أخطف الطفلة منهم قبل ما يهربوا… وجريت بيها.”

همس كريم:

“ندى.”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“ليه مبلغتيش الشرطة؟”

أجهشت بالبكاء.

“بلغت.”

“لكن قبل ما التحقيق يكتمل… كل الأدلة اختفت.”

“واتق/تل اتنين من الشهود.”

ساد الصمت.

“خفت.”

“وخفت أكتر لما وصلتني رسالة.”

أخرجت من درج صغير بجوار السرير ظرفًا قديمًا احتفظت به كل تلك السنين.

فتحه كريم.

كانت داخله ورقة صفراء.

ومكتوب عليها:

“لو الطفلة رجعت لأهلها… هتموت هي وإنتِ.”

تنهدت المرأة.

“هربت بيها من محافظة لمحافظة.”

“وغيرت اسمها.”

“وربيتها كأنها بنتي.”

رفع كريم عينيه إليها.

“ليه بتقولي الحقيقة دلوقتي؟”

ابتسمت وسط دموعها.

“لأن اللي هددوني… ماتوا من سنين.”

ثم أضافت وهي تنظر إليه مباشرة:

“ولأنك الشخص الوحيد اللي أقدر أسلّمه أمانتي.”

في تلك اللحظة…

رن هاتف كريم.

كان المتصل…

مختبر التحاليل.

رد فورًا.

وجاءه صوت الموظف:

“أستاذ كريم… نتيجة تحليل السمع المليونير عاملة النظافة عنده تتوسل للحصول على حبيب قبل الغد… فدخل حفل زفاف عائلتها وهو يخفي سرًا أكبر “أنا لازم ألاقي حبيب قبل بكرة.” همست ندى محمود في هاتفها بصوت مرتجف. “مش أي حبيب يا ماما… أنا عايزة واحد يخلي دينا تشرق بتورتة الفرح وهي شايفاه.” كانت ندى تظن أنها وحدها داخل المطبخ الرخامي الواسع.

لكنها كانت مخطئة.

فعلى الجانب الآخر من باب المخزن نصف المفتوح، وقف كريم المنشاوي بلا حراك، ممسكًا بملف يحتوي على عقد استثماري تتجاوز قيمته ثلاثة مليارات جنيه.

رجل تفاوض في أكبر الصفقات دون أن يرمش.

وأقال مديرين أكبر منه سنًا دون تردد.

وواجه مستثمرين غاضبين لساعات كاملة دون أن يهتز.

لكن لا شيء أعدّه لسماع عاملة منزله تبكي لأنها ستذهب إلى حفل زفاف بمفردها.

قالت ندى وهي تمسح دموعها بطرف زيها الأزرق الفاتح:

“عارفة إنه كلام يضحك… بس إنتِ ما كنتيش موجودة السنة اللي فاتت. دينا عرّفتني للناس وقالت: دي بنت خالتي اللي بتنضف بيوت الأغنيا… وكل الناس ضحكت.”

اشتدت ملامح كريم.

كانت ندى تعمل لديه منذ قرابة عامين.

ورغم ذلك، لم يتحدث معها إلا مرات قليلة.

كانت تصل في السابعة صباحًا.

تربط شعرها البني في ذيل حصان بسيط.

وتحوّل القصر الهادئ إلى مكان دافئ ومنظم.

ثم تغادر قبل حلول المساء.

كان يعرف أنها تشرب قهوتها سادة.

ويعرف أنها تدندن أغاني قديمة عندما تظن أن لا أحد يسمعها.

ويعرف أنها تضع كل صباح زهورًا جديدة بجوار صورة والده الراحل… رغم أنه لم يطلب منها ذلك يومًا.

لكن حتى تلك اللحظة…

لم يكن يعلم أن أحدًا يستطيع أن يجعلها تبكي.

تابعت ندى:

“مش قادرة أعيش نفس الإحراج تاني… دينا قالت لكل الناس إني اخترعت قصة حبيب علشان مستخبية من الحقيقة. ولو رحت لوحدي… هتقضي الفرح كله وهي تثبت إنها كانت صح.”

جاء صوت والدتها متعبًا عبر الهاتف.

أغمضت ندى عينيها.

“لأ يا ماما… مش هتغيب عن الفرح. خالتي هتزعل منك، ودينا هتقول إني غيرانة منها. أنا بس… نفسي مرة واحدة أدخل مكان من غير ما الناس تحكم عليا قبل حتى ما أتكلم.”

خفض كريم رأسه.

تلك الجملة أصابت مكانًا داخله لم تستطع الأموال حمايته.

هو يعرف هذه النوعية من الناس.

نشأ بينهم.

عائلة والدته كانت ترى أن والده لا يليق بهم لأنه ابن عامل بسيط.

ورغم أن والده بنى لاحقًا واحدة من أكبر شركات المقاولات في مصر…

لم تتوقف الهمسات.

“مش من مستوانا.”

“لهجته مختلفة.”

“أصله مش من عيلتنا.”

أما كريم…

فحوّل الشركة الصغيرة إلى واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد.

وكان يظن أن النجاح سيُسكت الجميع.

لكنه اكتشف أن الناس لا تتوقف عن الكلام…

بل تغيّر فقط موضوعه.

قالت ندى بسرعة:

“لازم أقفل… أستاذ كريم ممكن ينزل في أي لحظة.”

نظر كريم إلى الملف الذي بيده.

ثم تراجع بهدوء قبل أن تشعر بوجوده.

“وأنا كمان بحبك يا ماما.”

أنهت ندى المكالمة، وأسندت كفيها إلى الرخامة.

وظلت لثوانٍ ترتجف.

ثم تمتمت بسخرية مرة:

“حبيب قبل بكرة… أكيد بيبيعوه جنب الأكل المجمد.”

كاد كريم يضحك.

لكنه عاد إلى مكتبه وأغلق الباب.

في تلك اللحظة، اهتز هاتفه.

كانت رسالة من شقيقته الصغرى ريم.

> ما تنساش فرح عيلة الشرقاوي بكرة. ماما مستنياك. وخالتي جايبة بنت صاحبتها هبة علشان تعرفهالك بالصدفة… واعتبر نفسك اتحذرت.

ظل كريم ينظر إلى الرسالة.

ثم فتح دعوة الزفاف الإلكترونية.

العريس…

أحمد الشرقاوي.

أما العروس…

دينا سامح.

رفع عينيه نحو المطبخ.

ولأول مرة منذ أسبوع…

ابتسم.

بعد عشرين دقيقة…

كانت ندى ترتب أدوات التنظيف على العربة عندما دخل كريم.

فانتفضت.

“أستاذ كريم… ما سمعتش حضرتك.”

قال بهدوء:

“أنا لاحظت.”

اتسعت عيناها.

وقف على مسافة مناسبة منها حتى لا تشعر بالضيق.

ثم قال:

“سمعت المكالمة اللي كانت بينك وبين والدتك.”

اختفى اللون من وجه ندى.

“أنا آسفة… ما كانش المفروض أتكلم في التليفون وقت الشغل. مش هتتكرر.”

هز رأسه.

“أنا مش هنا علشان كده.”

قالت بسرعة:

“أنا محتاجة الشغل ده… علاج ماما غلي وأنا…”

قاطعها برفق:

“ندى.”

سكتت فورًا.

“أنا مش هطردك.”

تشبثت بمقبض عربة التنظيف.

“أمال بنتكلم في إيه؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة.

“لأن عندي حل.”

نظرت إليه بحذر.

كان يعرف هذه النظرة جيدًا.

رآها مئات المرات أثناء المفاوضات.

هي لا تبحث عن العرض…

بل عن الثمن المخفي.

قال:

“أنا كمان عندي فرح بكرة.”

رفعت حاجبيها.

“نفس الفرح… على ما يبدو.”

شهقت بدهشة.

“حضرتك تعرفي دينا؟”

“أعرف أهل العريس… والأهم إن عيلتي مقتنعة إن وصولي من غير واحدة معايا كارثة قومية.”

بدأت تفهم قصده.

فقال قبل أن يتراجع عن الفكرة:

“إنتِ محتاجة حبيب…”

“وأنا محتاج واحدة تروح معايا.”

فتحت فمها بدهشة.

“حضرتك… بتقترح نروح مع بعض؟”

“أقترح نمثل إننا مرتبطين.”

ضحكت ضحكة قصيرة.

لكنها لم تكن ضحكة فرح.

“أستاذ كريم… حضرتك مالك شركات وأبراج… وأنا بنضف بيتك. مين هيصدق إننا مرتبطين؟”

أجاب بهدوء:

“الناس بتصدق أي حاجة توافق القصة اللي هم عايزين يصدقوها.”

“وإيه القصة دي؟”

“إن كريم المنشاوي شخص مستحيل حد يتوقع تصرفاته.”

ورغم نفسها…

كادت تبتسم.

أسند كريم ذراعه إلى الرخامة وقال:

“بنت خالتك بتستخدم شغلك علشان تذلك… وعيلتي بتستخدم حياتي الشخصية علشان تتحكم فيا. ممكن نساعد بعض.”

قالت:

“عن طريق الكذب؟”

“ليلة واحدة.”

هزت رأسها.

“دي فكرة مجنونة.”

“متفق.”

“إنت صاحب شغلي.”

“بكرة هكون الشخص اللي معاكي في الفرح… ويوم الإثنين، لو قررتي ترجعي، كل حاجة هترجع زي الأول.”

توقفت عند كلماته.

“لو قررت أرجع؟”

نظر إليها بثبات.

“لو حسيتِ بعد الليلة دي إن الشغل معايا هيضايقك… هكتب لك أفضل توصية، وهتاخدي مرتب ست شهور كامل. قرارك، سواء وافقتي أو رفضتي، مش هيكلفك لقمة عيشك.”

ازداد شكها.

وسألته وهي تضيق عينيها:

“وليه أنا؟”

ظل كريم صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصراحة لم تتوقعها:

“لأنك الوحيدة اللي أعرفها ومش طامعة في اسمي ولا فلوسي.”

ارتبكت ندى.

“حضرتك متعرفنيش أصلًا.”

ابتسم ابتسامة هادئة.

“أعرف إنك اشتغلتي عندي سنتين… وعمر جنيه واحد ما اختفى من البيت. أعرف إنك كل شهر بتطلبي سلفة يوم واحد بس علشان علاج والدتك، وبترجعيها أول ما تقبضي. وأعرف إنك لما لقيتي ساعة والدي القديمة تحت الكنبة، حطيتيها في الخزنة من غير ما حد يشوف.”

خفضت عينيها في خجل.

“دي أمانة.”

“وده سبب اختياري ليكي.”

ساد الصمت بينهما.

وأخيرًا قالت:

“ولو وافقت… يبقى فيه شروط.”

رفع حاجبه بإعجاب.

“اتفضلي.”

“أولًا… مفيش أي لمس أو تمثيل زيادة عن اللزوم.”

“موافق.”

“ثانيًا… أول ما الفرح يخلص، كل واحد يروح لحاله.”

“موافق.”

“وثالثًا… محدش في الشغل يعرف.”

مد كريم يده إليها.

“اتفقنا.”

ترددت للحظة… ثم صافحته.

ولم يكن أي منهما يعلم أن تلك المصافحة ستغيّر حياتهما بالكامل.

في مساء اليوم التالي…

توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام منزل ندى المتواضع.

تجمع الجيران أمام النوافذ.

“مين ده؟”

“دي عربية بملايين!”

خرج السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي.

ونزل كريم المنشاوي ببدلته السوداء الأنيقة.

وفي اللحظة نفسها…

خرجت ندى بفستان بسيط بلون النبيتي، لا يحمل اسم أي مصمم عالمي، لكنه أبرز جمالها الهادئ بطريقة خطفت الأنفاس.

تجمد كريم للحظة.

ثم قال بابتسامة صادقة:

“الفستان جميل.”

احمر وجهها.

“شكرًا.”

ركبت السيارة وهي تحاول تجاهل نظرات الجيران المندهشة.

وقبل أن تنطلق السيارة، قال كريم بهدوء:

“من دلوقتي… لو حد سأل، اتقابلنا بالصدفة من سنة، واتعرفنا بعيد عن الشغل.”

هزت رأسها.

“حاضر.”

ثم نظرت إليه فجأة.

“بس لو حد سألني أنا بشتغل إيه؟”

ابتسم وهو ينظر للطريق.

“قولي الحقيقة.”

نظرت إليه باستغراب.

“الحقيقة؟”

“إنتِ مش عاملة نظافة… إنتِ مديرة المكان اللي أنا مستحيل أعيش فيه يوم من غيرك.”

شعرت بشيء دافئ يهز قلبها.

ولأول مرة منذ سنوات…

ابتسمت من قلبها.

لكنها لم تكن تعرف…

أن هناك شخصًا داخل قاعة الزفاف، ينتظر لحظة وصول كريم، وفي يده ملف قديم وصورة باهتة، يخفيان السر الحقيقي وراء اختياره لندى بالذات… وليس مجرد صدفة.

يتبع…سألته وهي تضيق عينيها:

“وليه أنا؟”

ظل كريم صامتًا لثوانٍ، ثم قال بصراحة لم تتوقعها:

“لأنك الوحيدة اللي أعرفها ومش طامعة في اسمي ولا فلوسي.”

ارتبكت ندى.

“حضرتك متعرفنيش أصلًا.”

ابتسم ابتسامة هادئة.

“أعرف إنك اشتغلتي عندي سنتين… وعمر جنيه واحد ما اختفى من البيت. أعرف إنك كل شهر بتطلبي سلفة يوم واحد بس علشان علاج والدتك، وبترجعيها أول ما تقبضي. وأعرف إنك لما لقيتي ساعة والدي القديمة تحت الكنبة، حطيتيها في الخزنة من غير ما حد يشوف.”

خفضت عينيها في خجل.

“دي أمانة.”

“وده سبب اختياري ليكي.”

ساد الصمت بينهما.

وأخيرًا قالت:

“ولو وافقت… يبقى فيه شروط.”

رفع حاجبه بإعجاب.

“اتفضلي.”

“أولًا… مفيش أي لمس أو تمثيل زيادة عن اللزوم.”

“موافق.”

“ثانيًا… أول ما الفرح يخلص، كل واحد يروح لحاله.”

“موافق.”

“وثالثًا… محدش في الشغل يعرف.”

مد كريم يده إليها.

“اتفقنا.”

ترددت للحظة… ثم صافحته.

ولم يكن أي منهما يعلم أن تلك المصافحة ستغيّر حياتهما بالكامل.

—

في مساء اليوم التالي…

توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام منزل ندى المتواضع.

تجمع الجيران أمام النوافذ.

“مين ده؟”

“دي عربية بملايين!”

خرج السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي.

ونزل كريم المنشاوي ببدلته السوداء الأنيقة.

وفي اللحظة نفسها…

خرجت ندى بفستان بسيط بلون النبيتي، لا يحمل اسم أي مصمم عالمي، لكنه أبرز جمالها الهادئ بطريقة خطفت الأنفاس.

تجمد كريم للحظة.

ثم قال بابتسامة صادقة:

“الفستان جميل.”

احمر وجهها.

“شكرًا.”

ركبت السيارة وهي تحاول تجاهل نظرات الجيران المندهشة.

وقبل أن تنطلق السيارة، قال كريم بهدوء:

“من دلوقتي… لو حد سأل، اتقابلنا بالصدفة من سنة، واتعرفنا بعيد عن الشغل.”

هزت رأسها.

“حاضر.”

ثم نظرت إليه فجأة.

“بس لو حد سألني أنا بشتغل إيه؟”

ابتسم وهو ينظر للطريق.

“قولي الحقيقة.”

نظرت إليه باستغراب.

“الحقيقة؟”

“إنتِ مش عاملة نظافة… إنتِ مديرة المكان اللي أنا مستحيل أعيش فيه يوم من غيرك.”

شعرت بشيء دافئ يهز قلبها.

ولأول مرة منذ سنوات…

ابتسمت من قلبها.

لكنها لم تكن تعرف…

أن هناك شخصًا داخل قاعة الزفاف، ينتظر لحظة وصول كريم، وفي يده ملف قديم وصورة باهتة، يخفيان السر الحقيقي وراء اختياره لندى بالذات… وليس مجرد صدفة.

يتبع…توقفت السيارة أمام الفندق الفخم الذي أُقيم فيه الزفاف.

كانت الأضواء تملأ المكان، وعشرات السيارات الفارهة تصطف أمام المدخل.

ابتلعَت ندى ريقها وهي تنظر إلى القاعة.

همست:

“حاسّة إني داخلة امتحان.”

ابتسم كريم بخفة.

“وأنا داخل معركة عائلية.”

ضحكت رغم توترها.

نزل أولًا، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب.

لم يمد يده إليها.

ترك لها حرية الاختيار.

بعد لحظة تردد، وضعت ندى يدها في ذراعه بنفسها.

“جاهزة؟”

أخذت نفسًا عميقًا.

“جاهزة.”

…

بمجرد دخولهما القاعة…

ساد صمت غريب.

توقفت الأحاديث.

والتفتت عشرات الرؤوس نحوهما.

همست إحدى السيدات:

“ده كريم المنشاوي!”

وأضافت أخرى وهي تحدق في ندى:

“مين البنت دي؟”

في الجهة الأخرى…

كانت دينا تضحك مع صديقاتها، حتى وقعت عيناها على الباب.

اختفت ابتسامتها فورًا.

شهقت:

“ندى؟!”

التفت الجميع.

دخلت ندى بخطوات هادئة إلى جوار كريم، بينما كان الأخير يتعامل مع النظرات وكأنها لا تعنيه.

اقتربت ريم، شقيقة كريم، وهي تكاد تقفز من الفضول.

“مش هتعرفنا؟”

ابتسم كريم بهدوء.

“ندى.”

مدت ريم يدها بسرعة.

“أنا ريم… أخت كريم.”

ابتسمت ندى بخجل.

“تشرفت.”

كانت ريم تنظر إلى أخيها أكثر مما تنظر إلى ندى.

لأنها تعرفه جيدًا.

كريم لم يُحضر امرأة معه إلى أي مناسبة منذ سنوات.

همست في أذنه وهي تبتسم:

“دي المفاجأة اللي كنت مخبيها؟”

رد بهدوء:

“سيبي التحقيق لبعدين.”

…

على الجانب الآخر…

كانت دينا تغلي من الداخل.

اقتربت وهي ترسم ابتسامة مصطنعة.

“ندى! يا خبر… إنتِ جيتي فعلًا.”

ابتسمت ندى.

“أكيد.”

نظرت دينا إلى كريم.

“ومين الأستاذ؟”

أجاب كريم بنفسه:

“كريم المنشاوي.”

اتسعت عينا دينا.

فهي تعرف الاسم جيدًا.

بل إن والد العريس كان يحاول منذ أشهر الحصول على موعد معه لعقد شراكة ولم ينجح.

ارتبكت.

“أهلًا وسهلًا…”

ثم التفتت إلى ندى بسرعة.

“ما كنتيش قولتي إنك مرتبطة.”

ردت ندى بهدوء:

“لأنك ما سألتيش.”

شعرت دينا وكأن الصفعة جاءت أمام الجميع.

…

بعد دقائق…

بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.

“إزاي اتعرفوا؟”

“هي مش كانت شغالة؟”

“واضح إنها بنت ناس.”

“أكيد في حاجة مستخبية.”

أما كريم…

فلاحظ رجلًا في أواخر الستينيات يراقبه من بعيد دون أن يقترب.

كان يحمل ملفًا بنيًا قديمًا.

وعندما التقت عيناهما…

تغير وجه الرجل فجأة.

وكأنه رأى شبحًا.

همس لنفسه:

“مستحيل… دي نسخة منها.”

لم يكن ينظر إلى كريم…

بل كان ينظر إلى ندى.

ثم فتح الملف المرتجفة يداه، وأخرج صورة قديمة لامرأة شابة التُقطت قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

كانت تشبه ندى…

بشكلٍ صادم.

أما ندى، فلم تكن تعلم أن وجودها في هذا الزفاف لم يكن مجرد تمثيل…

بل بداية كشف سر دفنه الزمن لسنوات طويلة، سر سيقلب حياة كريم وحياتها رأسًا على عقب.ظل الرجل ممسكًا بالصورة، وعيناه لا تفارقان ندى.

“لا… مستحيل.”

همس بها مرة أخرى.

كانت المرأة في الصورة تبتسم بنفس الطريقة.

ونفس لون العينين.

حتى الشامة الصغيرة أسفل الذقن كانت في المكان نفسه.

أغلق الملف بسرعة قبل أن يراه أحد.

ثم اتجه نحو كريم.

…

في تلك الأثناء…

كانت دينا تراقب كل شيء من بعيد.

لم تستطع احتمال أن تكون ندى محط أنظار الجميع.

فاقتربت منها وهي تحمل كأس عصير.

وقالت بصوت مرتفع يكفي ليسمعه الواقفون حولهما:

“بصراحة يا ندى… أنا فرحانة إنك أخيرًا لقيتي حد.”

ابتسمت ندى بأدب.

“شكرًا.”

لكن دينا أكملت بابتسامة ساخرة:

“أصل بعد شغلك في تنظيف البيوت، كنت فاكرة إنك مش هتلاقي وقت للحب.”

ساد صمت ثقيل.

التفتت عشرات الوجوه نحو ندى.

وانخفضت ابتسامتها.

قبل أن تنطق بحرف…

تقدم كريم خطوة إلى الأمام.

وقال بهدوء جعل الجميع ينصت:

“ندى لا تخجل من عملها.”

ثم نظر إلى الحاضرين واحدًا تلو الآخر.

“العار ليس في العمل الشريف… العار في احتقار من يعمل.”

لم يجرؤ أحد على الرد.

وأضاف وهو ينظر إلى دينا مباشرة:

“البيت الذي تنظفه ندى كل صباح… هو بيتي.”

شهقت دينا.

وتبادل الحضور النظرات.

أما كريم فأكمل:

“ولو كانت عندي عشر شركات أخرى… سأكون محظوظًا لو وجدت فيها موظفين بإخلاصها.”

احمر وجه دينا خجلًا.

ولأول مرة في حياتها…

لم تجد كلمة واحدة تسخر بها.

أما ندى…

فشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع.

ليس لأنه دافع عنها.

بل لأنه دافع عن كرامة كل شخص يعمل بيده.

…

في تلك اللحظة…

وصل الرجل المسن إلى كريم.

وقال بصوت منخفض:

“ممكن دقيقة… لو سمحت.”

التفت كريم إليه.

“اتفضل.”

فتح الرجل الملف ببطء.

وأخرج الصورة القديمة.

“البنت اللي معاك…”

نظر كريم إلى الصورة.

ثم إلى ندى.

وتجمد مكانه.

التشابه كان مخيفًا.

قال الرجل:

“أنا اسمي فؤاد عزام.”

“وكنت المحامي الخاص بوالدتك… الله يرحمها.”

انعقد حاجبا كريم.

“إيه علاقة ده بندى؟”

أخذ الرجل نفسًا عميقًا.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“من خمسة وعشرين سنة… والدك كان بيدور على طفلة اختفت من المستشفى بعد ولادتها بساعات.”

شحب وجه كريم.

“إنت بتقول إيه؟”

نظر فؤاد إلى ندى، ثم قال:

“لو كلامي صح… فالبنت دي ممكن تكون أختك.”

وفي اللحظة نفسها…

كانت ندى تقترب منهما وهي تبتسم، دون أن تعرف أن حياتها كلها على وشك أن تتغير بسبب سر ظل مدفونًا ربع قرن.توقفت ندى أمامهما وهي تبتسم.

“فيه حاجة؟”

أغلق فؤاد الملف بسرعة.

وقال بابتسامة متوترة:

“لا… كنت بس بسلم على أستاذ كريم.”

نظر إليه كريم نظرة فهمها الرجل فورًا.

ليس هنا.

هز فؤاد رأسه وغادر بهدوء.

أما كريم، فظل ينظر إلى ندى وكأنها شخص يراه لأول مرة.

ملامحها…

لون عينيها…

حتى طريقتها في الابتسام.

كل شيء أصبح يثير داخله ألف سؤال.

لاحظت ندى شروده.

“حضرتك كويس؟”

انتبه على صوتها.

“آه… بس عندي شوية شغل لازم أخلصه بعد الفرح.”

لم يرد أن يربكها بشيء لم يتأكد منه.

…

انتهى حفل الزفاف بعد ساعات.

وأثناء عودتهما في السيارة، كان الصمت يملأ المكان.

قطعت ندى الصمت قائلة:

“شكرًا.”

نظر إليها.

“على إيه؟”

“إنك ما سمحتش لحد يهيني.”

ابتسم بخفة.

“أنا قلت الحقيقة.”

ثم سألها فجأة:

“ندى… والدك فين؟”

استغربت السؤال.

“اتوفى وأنا عندي ثلاث سنين.”

“وعندك صور ليه؟”

هزت رأسها.

“ولا صورة… أمي كانت بتقول إن كل الصور ضاعت بعد الحريق اللي حصل في بيت جدي.”

ازدادت حيرة كريم.

وسأل بهدوء:

“اتولدتي في القاهرة؟”

“لا… في المنصورة.”

توقف عن السؤال.

لكنه قرر شيئًا في تلك اللحظة.

لن يخبرها بأي كلمة…

إلا بعد أن يتأكد مئة بالمئة.

…

في صباح اليوم التالي…

وصل كريم إلى مكتبه قبل الجميع.

وكان فؤاد ينتظره.

وضع الملف على المكتب.

وقال:

“قبل خمسة وعشرين سنة، والدك اتجوز قبل والدتك الحالية بسنة.”

رفع كريم رأسه بسرعة.

“إيه؟”

“الجواز استمر شهور قليلة… والزوجة كانت حامل.”

اتسعت عينا كريم.

“أنا أول مرة أسمع الكلام ده.”

تنهد فؤاد.

“لأن والدك أخفى الموضوع عن الكل.”

فتح الملف.

وأخرج شهادة زواج قديمة.

ثم صورة لامرأة شابة.

شهق كريم.

المرأة في الصورة…

كانت تشبه ندى بصورة تكاد تكون مطابقة.

قال فؤاد:

“بعد الولادة، المستشفى أعلنت إن الطفلة ماتت.”

“لكن بعدها بأيام… وصلت لوالدك رسالة مجهولة.”

أخرج ظرفًا أصفر باهتًا.

كان مكتوبًا عليه بخط اليد:

“بنتك عايشة… لكن لو حاولت تدور عليها، هتخسرها للأبد.”

ساد الصمت.

ثم همس كريم:

“يعني… ممكن ندى تكون…”

قاطعه فؤاد.

“ممكن.”

“لكن فيه حاجة أخطر.”

“إيه هي؟”

نظر فؤاد إليه بقلق.

“أنا بحثت في الأوراق القديمة.”

“ولقيت إن شهادة ميلاد ندى… اتسجلت بعد ولادتها بثلاثة أسابيع، وباسم أب غير معروف.”

تجمد كريم.

وقبل أن ينطق…

رن هاتفه.

كان المتصل…

ندى.

رد بسرعة.

لكن صوتها لم يكن طبيعيًا.

كانت تبكي.

“أستاذ كريم… ماما وقعت فجأة، والدكتور بيقول لازم عملية عاجلة… وأنا معنديش المبلغ.”

وقف كريم فورًا.

وأغلق الملف.

فالسر الكبير يمكن أن ينتظر…

أما حياة والدة ندى، فلا.تجمد كريم في مكانه.

نظر إلى والدة ندى، ثم إلى فؤاد.

لكن الطبيب اقترب سريعًا.

“المريضة لسه تحت تأثير البنج… ممكن تقول كلام مش مترابط.”

أومأ كريم برأسه، لكنه لم يقتنع.

كان يرى الذعر في عيني المرأة قبل أن تغلقهما من جديد.

…

في اليوم التالي…

استعادت والدة ندى وعيها بالكامل.

دخلت ندى إليها أولًا.

احتضنتها بقوة.

“خوفتيني عليكي يا أمي.”

ربتت الأم على شعرها بحنان.

“أنا بخير يا حبيبتي.”

ثم نظرت إلى كريم، الذي وقف عند الباب.

“ممكن… أتكلم مع الأستاذ كريم لوحدنا؟”

استغربت ندى.

لكنها خرجت احترامًا لرغبة والدتها.

ما إن أُغلق الباب، حتى امتلأت عينا المرأة بالدموع.

قالت بصوت متهدج:

“أنا عارفة إنك بدأت تدور.”

لم ينكر كريم.

“مين ندى؟”

أغلقت المرأة عينيها للحظة.

ثم قالت:

“ندى بنتي… بالقلب.”

“لكن… مش بالدم.”

ساد صمت طويل.

وأضافت:

“من خمسة وعشرين سنة… كنت بشتغل ممرضة في مستشفى خاص.”

شعر كريم بأن قلبه بدأ يخفق بعنف.

“وفي ليلة مطر شديدة… حصلت كارثة.”

تنهدت.

“واحدة من الممرضات كانت مدينة بمبلغ كبير لعصابة بتتاجر في الأطفال.”

اتسعت عينا كريم.

“إيه؟”

“العصابة كانت بتخطف أطفال حديثي الولادة… وتزوّر شهادات الوفاة.”

قبض كريم على حافة الكرسي.

“كملي.”

“في الليلة دي… حاولوا ياخدوا طفلة من حضّانة الأطفال.”

“ولما اكتشفتهم… هددوني بالقت/ل.”

توقفت للحظة وهي تبكي.

“قدرت أخطف الطفلة منهم قبل ما يهربوا… وجريت بيها.”

همس كريم:

“ندى.”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“ليه مبلغتيش الشرطة؟”

أجهشت بالبكاء.

“بلغت.”

“لكن قبل ما التحقيق يكتمل… كل الأدلة اختفت.”

“واتق/تل اتنين من الشهود.”

ساد الصمت.

“خفت.”

“وخفت أكتر لما وصلتني رسالة.”

أخرجت من درج صغير بجوار السرير ظرفًا قديمًا احتفظت به كل تلك السنين.

فتحه كريم.

كانت داخله ورقة صفراء.

ومكتوب عليها:

“لو الطفلة رجعت لأهلها… هتموت هي وإنتِ.”

تنهدت المرأة.

“هربت بيها من محافظة لمحافظة.”

“وغيرت اسمها.”

“وربيتها كأنها بنتي.”

رفع كريم عينيه إليها.

“ليه بتقولي الحقيقة دلوقتي؟”

ابتسمت وسط دموعها.

“لأن اللي هددوني… ماتوا من سنين.”

ثم أضافت وهي تنظر إليه مباشرة:

“ولأنك الشخص الوحيد اللي أقدر أسلّمه أمانتي.”

في تلك اللحظة…

رن هاتف كريم.

كان المتصل…

مختبر التحاليل.

رد فورًا.

وجاءه صوت الموظف:

“أستاذ كريم… نتيجة تحليل الحمض النووي ظهرت.”

توقف الزمن بالنسبة له.

“والنتيجة؟”

ساد صمت لثوانٍ.

ثم قال الموظف:

“النتيجة أكدت إن مفيش صلة أخوة بين حضرتك وبين الآنسة ندى.”

أغمض كريم عينيه ببطء.

شعر براحة غريبة…

لم يفهم سببها في البداية.

لكن بعد لحظة، أدرك الحقيقة.

الارتياح الذي شعر به…

لم يكن لأنه اكتشف أنها ليست أخته.

بل لأنه كان قد بدأ يقع في حبها، دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه.ظل كريم ممسكًا بالهاتف لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.

أعاد سماع الجملة في رأسه مرة بعد مرة.

“لا توجد صلة أخوة.”

تنفس بعمق.

ثم نظر إلى والدة ندى.

قالت وهي تراقب ملامحه:

“مش أخته… صح؟”

هز رأسه.

“لأ.”

ابتسمت ابتسامة مرتاحة.

“الحمد لله.”

استغرب كريم.

“إنتِ ليه ارتحتي؟”

ابتسمت بحنان.

“لأن الطريقة اللي كنت بتبص بيها لها… عمرها ما كانت نظرة أخ.”

احمر وجه كريم لأول مرة منذ سنوات.

ولم يجد ردًا.

…

في الخارج…

كانت ندى تجلس أمام غرفة والدتها، تقلب بين يديها إيصال المستشفى.

رأت الرقم المكتوب.

كادت تسقط الورقة من يدها.

أكثر من ستمائة ألف جنيه.

همست لنفسها:

“مستحيل…”

في تلك اللحظة خرج كريم.

ناولته الورقة.

“أنا لازم أرجع الشغل وأشتغل سنين… بس هرجعهم.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”حمض النووي ظهرت.”

توقف الزمن بالنسبة له.

“والنتيجة؟”

ساد صمت لثوانٍ.

ثم قال الموظف:

“النتيجة أكدت إن مفيش صلة أخوة بين حضرتك وبين الآنسة ندى.”

أغمض كريم عينيه ببطء.

شعر براحة غريبة…

لم يفهم سببها في البداية.

لكن بعد لحظة، أدرك الحقيقة.

الارتياح الذي شعر به…

لم يكن لأنه اكتشف أنها ليست أخته.

بل لأنه كان قد بدأ يقع في حبها، دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه.ظل كريم ممسكًا بالهاتف لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.

أعاد سماع الجملة في رأسه مرة بعد مرة.

“لا توجد صلة أخوة.”

تنفس بعمق.

ثم نظر إلى والدة ندى.

قالت وهي تراقب ملامحه:

“مش أخته… صح؟”

هز رأسه.

“لأ.”

ابتسمت ابتسامة مرتاحة.

“الحمد لله.”

استغرب كريم.

“إنتِ ليه ارتحتي؟”

ابتسمت بحنان.

“لأن الطريقة اللي كنت بتبص بيها لها… عمرها ما كانت نظرة أخ.”

احمر وجه كريم لأول مرة منذ سنوات.

ولم يجد ردًا.

…

في الخارج…

كانت ندى تجلس أمام غرفة والدتها، تقلب بين يديها إيصال المستشفى.

رأت الرقم المكتوب.

كادت تسقط الورقة من يدها.

أكثر من ستمائة ألف جنيه.

همست لنفسها:

“مستحيل…”

في تلك اللحظة خرج كريم.

ناولته الورقة.

“أنا لازم أرجع الشغل وأشتغل سنين… بس هرجعهم.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى