قصص و روايات

ميكانيكي خسر عمله لأنه أنقذ طفلة…

كانت الطريق الدائرية M40 فخا قاتلا في ذلك الوقت حركة المرور في مدريد معروفة بازدحامها ولم تكن تلك الأمسية استثناء كان رودريغو يقود بيد واحدة وبالأخرى يثبت رأس الطفلة كي لا ترتطم مع اهتزازات الطريق
اصمدي يا صغيرة أرجوك اصمدي كان يتحدث بصوت مرتفع والدموع تعمي بصره اسمي رودريغو كل شيء سيكون بخير وصلنا تقريبا لا تنامي لا ترحلي!
نظر إلى عداد السرعة كان يسير بسرعة مئة وأربعين كيلومترا في منطقة الحد الأقصى فيها مئة كان يناور بين السيارات يسلك كتف الطريق يضغط على المنبه بجنون السائقون الآخرون كانوا يطلقون الأبواق ويصرخون دون أن يعلموا أن داخل تلك الشاحنة القديمة المثقوبة تدور معركة بين الحياة والموت
بدأ جسد الطفلة يرتجف بتشنجات خفيفة
لا لا لا! صرخ رودريغو
رأى دورية للحرس المدني عند نقطة تفتيش في الأمام بدل أن يبطئ زاد السرعة وأطلق المنبه وومض بالأضواء
خرج أحد عناصر الحرس إلى الطريق يلوح له بالتوقف ويده قريبة من سلاحه فرمل رودريغو فجأة فانزلقت الشاحنة وخفض النافذة وهو يصرخ
أحمل طفلة تحتضر! يجب أن أصل إلى مستشفى لا باز! أرجوكم ساعدوني!
نظر الشرطي وكان شابا حاد النظرات داخل الشاحنة رأى الطفلة الشاحبة جسدها الساكن لم يطلب أوراقا ولم يطرح أسئلة تغير وجهه فورا من الصرامة إلى الفعل
اتبعني! صرخ وهو يركض نحو سيارته التصق بمصدي ولا تبتعد!
انطلقت صفارات الحرس المدني تعوي في الهواء انشق الزحام كما انشق البحر ضغط رودريغو على دواسة الوقود يتبع الأضواء الزرقاء وهو يبكي امتنانا
شكرا لك يا عذراء ألمودينا شكرا كان يهمس
وصلوا إلى مستشفى جامعة لا باز في وقت قياسي أوقف رودريغو الشاحنة عند مدخل الطوارئ قفز منها حمل الطفلة واندفع عبر الأبواب الزجاجية
طبيب! أحتاج طبيبا فورا! دوى صوته في قاعة الانتظار المزدحمة
اندلع الاضطراب ركضت ممرضتان وحامل نقالة نحوه وانتزعن الطفلة من ذراعيه ووضعنها على السرير المتحرك
ماذا حدث سألت طبيبة وهي تضع قناع الأكسجين وتشق قميص الطفلة لتثبيت الأقطاب
وجدتها في الشارع في فيافيردي أعتقد أنها أصيبت بضربة حر أغمي عليها لا تستجيب ونبضها ضعيف جدا قال رودريغو وهو يلهث ويداه الملطختان بالشحم تلطخان أرض المستشفى البيضاء
إلى الإنعاش فورا! أمرت الطبيبة حالة طوارئ قصوى!
اختفت النقالة خلف الأبواب المتأرجحة
بقي رودريغو واقفا وحده في الممر سقط عليه الصمت فجأة أصبح صوت

أنفاسه عاليا في أذنيه نظر إلى يديه المتسختين إلى بدلته الزرقاء الملطخة بالزيت والعرق كان الناس في قاعة الانتظار ينظرون إليه بعضهم باشمئزاز وبعضهم بفضول
شعر بالصغر شعر بالقذارة وقبل كل شيء شعر بالرعب
كان قد خسر عمله انتهت حياته كما كان يعرفها
جلس على كرسي بلاستيكي قاس وغطى وجهه بيديه وانفجر باكيا بصمت
مرت ساعتان أطول ساعتين في حياته
لم يخرج أحد ليخبره بشيء لم يكن يعرف إن كانت الطفلة حية أم ميتة لا اسم لها لا قصة فقط تضحية قد دمرت مستقبله وبدأ الشك ينهشه
هل فعل الصواب ماذا سيقول لإلينا
وفجأة عم اضطراب عند المدخل
دخل زوجان مسرعين وقد ارتسم الذعر على وجهيهما كان الرجل طويلا يرتدي بدلة فاخرة لا بد أن ثمنها يفوق راتب رودريغو السنوي كان يصرخ مطالبا برؤية ابنته أما المرأة فكانت أنيقة منهارة تبكي بلا توقف
أنا دييغو سالاثار! صاح الرجل عند مكتب الاستقبال اتصلوا بي وقالوا إن ابنتي صوفيا هنا!
اسم دييغو سالاثار دق في ذهن رودريغو كان قد رآه في الأخبار وفي مجلات الاقتصاد التي يتركها الزبائن أحيانا في الورشة أحد أقوى رجال الأعمال في إسبانيا صاحب إمبراطورية في مجال اللوجستيات وصناعة السيارات
خرجت

ممرضة وتحدثت إليهما بصوت منخفض وضعت الأم يديها على فمها وأومأت بعنف ثم أشارت الممرضة نحو رودريغو الجالس في الزاوية
استدار دييغو سالاثار ونظر إلى رودريغو تفحصه من رأسه حتى قدميه البدلة المتسخة الحذاء البالي الشعر المبعثر لكن لم يكن في نظرته احتقار بل حدة ثقيلة
تقدم نحوه بخطوات سريعة
نهض رودريغو مرتبكا محاولا عبثا مسح يديه في بنطاله
هل أنت الرجل الذي أحضر ابنتي سأل سالاثار بصوت قوي لكنه مرتجف قليلا
نعم سيدي اسمي رودريغو وجدتها في المنطقة الصناعية
الطبيبة قالت لي إنك وصلت في اللحظة الأخيرة قاطعه سالاثار ابنتي تعاني من تشوه قلبي لم يكن مشخصا ضربة الحر سببت لها توقفا لو انتظرت سيارة الإسعاف انكسر صوته لو تأخرت خمس دقائق أخرى لكانت ابنتي ميتة الآن
اقتربت الأم ومن دون أن تهتم بالشحم أو العرق
شكرا بكت على كتفه شكرا لأنك أنقذت حياتي كلها
كان رودريغو مذهولا بالكاد استطاع أن يربت على ظهرها
فعلت ما كان سيفعله أي إنسان همس
أخرج سالاثار محفظة جلدية من جيبه الداخلي وأخرج شيكا
قل لي كم تريد قال وهو يقدم شيكا على بياض لا يهمني الرقم مليون يورو أيا كان لقد أنقذت أغلى ما أملك
نظر رودريغو إلى الشيك مليون يورو حل لكل مشاكله القرض دراسة الأطفال كل شيء
لكنه هز رأسه

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى