
2
بعد أن دفنا زوجى حكايات حماده
كان يتحدث عن الرحلات الجوية، والاجتماعات، والزحام على الطريق السريع الذي “يجب أن يلحق به”.
أما ابنتي، فجاءت بنظارة شمسية غالية وابتسامة متوترة.
احتضنتني، لكن عناقها كان يبدو وكأنه مجرد أداء أمام الآخرين.
في تلك الليلة، بعد الجنازة، أصبح المنزل هادئًا بشكل مؤلم.
كان من الصعب أن أصدق أن هذا البيت الذي كان يمتلئ يومًا بأصوات طفليّ أصبح الآن صامتًا إلى هذه الدرجة.
صنعت القهوة كعادتي، ثم وقفت أمام حوض المطبخ أحدق في الحديقة.
الأغصان كانت عارية، لكنها كانت تستعد لتخرج براعمها مع بداية الربيع.
نظرت إلى المكان الذي قضيت فيه أنا وزوجي سنوات طويلة نبني حياتنا بأيدينا.
وفجأة فتح ابني جهاز الكمبيوتر المحمول ووضعه على طاولة الطعام.
طاولتنا نحن.
ثم قال:
“لازم نتكلم عن الخطوات الجاية.”
الخطوات الجاية.
لم يقل:
“ماما، إنتِ كويسة؟”
لم يسألني إن كنت نمت.
لم يتحدث عن والده.
لم يتحدث عن ذكرياتهما.
فقط…
الخطوات الجاية.
كأنني ملف يجب إغلاقه.
تحدثوا معي بهدوء شديد، وبأدب مصطنع، بالطريقة التي يتحدث بها شخص يريد إبعاد امرأة مسنة من طريقه دون أن يعترف بأنه يفعل ذلك.
استخدموا كلمات مثل:
“عملي.”
“أسهل.”
“أفضل لك.”
وكانت ابنتي تهز رأسها باستمرار، وكأنها تدربت على تلك الإيماءات أمام المرآة.
وفي صباح اليوم التالي، أعطوني حقيبة سفر لم أرها من قبل.
وقالوا إننا سنذهب “لنرى مكانًا” سيكون “أفضل بالنسبة لي”.
قلت لهم:
“أنا مش رايحة في أي مكان.”
ابتسم ابني كما لو أنه سمع هذه الجملة من قبل.
وكأن رفضي مجرد مرحلة وسأمر منها سريعًا.
قال:
“تعالي بس شوفي المكان يا أمي. كل حاجة هتبقى أسهل لو عملناها بهدوء.”
3
بعد أن زوجى حكايات حماده
سرت داخل منزلي وأنا أشعر وكأنني ضيفة.
مررت بغرفة المعيشة، حيث كان زوجي ينام أحيانًا أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم.
مررت بالممر الذي ما زالت علامات طول أطفالي موجودة على حائطه.
كل علامة كانت تذكرني بأيام لم أكن أتخيل أنها ستنتهي بهذه الطريقة.
أمسكت حقيبتي.
كانت أثقل مما ينبغي.
ثم تبعتهم إلى السيارة.
ليس لأنني وافقت.
ولكن لأن جزءًا مني أراد أن يرى…
إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا؟
لم يتجه ابني إلى البلدة.
ولم يدخل الطريق السريع.
ظل يقود حتى وصل إلى طريق غريب.
طريق ذو حارتين فقط.
لا أرصفة.
لا منازل.
حقول على الجانبين.
وسماء واسعة بما يكفي لتبتلع إنسانًا دون أن يلاحظه أحد.
ثم أوقف السيارة.
نظر إليّ وقال بهدوء شديد، وكأنه يخبرني عن حالة الطقس:
“هنا هتنزلي.”
فتحت ابنتي فمها.
ثم أغلقته.
لم تعترض.
لم تقل شيئًا.
فقط ذلك الصمت الهش، وكأنها كانت تخشى أن ينهار كل شيء إذا نطقت بكلمة واحدة.
فتحت الباب ونزلت.
كان الهواء يحمل رائحة التراب الرطب وبدايات الربيع.
التصق الغبار بطرف ملابسي.
ثم أُغلق باب السيارة خلفي بصوت خافت…
لكن بداخلي كان الصوت أشبه بإغلاق باب الماضي كله.
لم يكن معي هاتف.
ولا نقود.
أو هكذا كانوا يعتقدون.
وقفت أراقب سيارة ابني وهي تبتعد.
صغرت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت مجرد نقطة متحركة في الأفق.
ثم اختفت خلف المنعطف.
ولأول مرة منذ وفاة زوجي…
شعرت أن صدري بدأ يتنفس من جديد.
ليس لأن الألم اختفى.
ولكن لأنني فهمت أخيرًا ما الذي حدث.
لقد أرادوا أن يقطعوا كل شيء.
أن يتخلصوا مني.
أن يأخذوا البيت والشركة وكل ما تركه والدهم.
لكنهم ارتكبوا خطأً واحدًا…
لقد ظنوا أنني لم أستعد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




