عام

حماتي رمتلي قميص

هي مش واخدة على كده؟.
رانيا كملت ببرود وأنا ضهري واجعني يا حماتي، ومقدرش أقف على الحوض.. وبعدين إحنا متفقناش على كده من أول ما اتجوزنا، البيت ده فيه شغالة اللي هي سعاد، إحنا ذنبنا إيه تتدلع علينا؟.
الكلمة ولعت في ودن سلفتها، وبدأوا يتخانقوا سوا.. دي تقول انتي اللي تلمي، والتانية تقول أنا ماليش دعوة عيالك هما اللي وسخوا!
الأصوات عليت، وحماتي صريخها جاب أخر الشارع، ولادها الرجالة صحيوا على الدوشة في إيه؟! البيت ماله مزبلة كده ليه؟! وفين الشاي وفين العشا؟!.
أخو أحمد الصغير صړخ في مراته انتي بتعلي صوتك على أمي عشان صابون ومواعين؟! غوري ادخلي المطبخ!.
مراته ردت عليه مش داخلة! أنا مش خدامة هنا! ما مرات أخوك الكبير فوق مأنتخة وسايبة البيت يغرق اشمعنى أنا؟!.
الخناقة كبرت، والرجالة اتخانقوا مع بعض، والنسوان بقوا يشدوا في شعور بعض، والبيت اللي كان ماشي بجهدي وعرقي اتهد في ساعتين لما رفعت إيدي عنه.. اكتشفوا إنهم ولا حاجة من غير الحيطة المايلة اللي كانت شايلاهم!
وسط المعمعة دي.. أحمد جوزي فلت منهم وطلع يجري على شقتنا فوق، وشه كان مخطۏف وعينيه بطلع شرار من صوت أمه وصړيخ إخواته.
فتح باب الشقة بالمفتاح وهو بيهلفط انتي اټجننتي يا سعاد؟! البيت وال…
الكلام وقف في زوره.. لسانه اټشل ورجليه اتسمرت في الأرض!
كنت قاعدة حاطة رجل على رجل على الكنبة، ماسكة مج نسكافيه برغوة، والروب الستان، ريحة البرفان مالية الصالة، وشعري مفروق على كتافي بنعومة، وراسمة عينيا بروقان تام.
أحمد بلع ريقه بصعوبة، عنيه كانت بتتحرك في كل حته مذهول، مكنش مصدق إن دي الست اللي سايبها الصبح هدومها متبهدلة صلصة وعرقانة.
قرب خطوة وهو متلخبط، غضبه اختفى وحل مكانه ارتباك ورغبة وذهول س.. سعاد؟ إيه ده؟ انتي عامله كده ليه؟.
قومت وقفت بكل ثقة، مشيت نحيته بخطوات بطيئة، صوت الكعب الصغير اللي كان بيرن في ، وقفت قدامه وبصيت في عينيه من مسافة سنتيمترات، وقولتله بصوت واطي وناعم زي الحرير بس قاطع زي
إيه رأيك يا أبو العيال؟ يفتح النفس؟ مش ده اللي أمك رمته في وشي الصبح قدام إخواتك وسلفاتك عشان يغير منظري اللي يسد النفس؟ مش دي الأوامر اللي انت بلعت لسانك وسكت لما اتقالتلي؟.
أحمد وشه احمر من الخجل، واتلعثم سعاد.. أمي مقصدتش.. هي بس كانت .. انتي عارفة طبعها.. انزلي بس لمي الدور تحت إخواتي والبيت مولع….
قاطعته بإشارة واحدة من صباعي حطيتها على شفايفه.. ورجعت خطوة لورا وابتسمت بشړ
تؤ.. الدور مش هينزل، الدور هيطلعلك هنا يا سي أحمد. عشر سنين وأنا حمارة الشغل في البيت ده، باكل في القعر وبشيل في الۏساخة عشان أرضيك وأرضي الست والدتك.. كنت فاكراك راجل لما حد ، بس طلعت بتعمل نفسك أعمى وأخرس لما يخص كرامتي!.
وقفت واديتله ضهري وقولت من اللحظة دي.. مفيش نزول تحت. لقمتك ولقمة عيالك هتتعمل في مطبخك هنا، وهدومك هتتغسل هنا، وخدمتي ليك ولعيالك وبس. أما تحت.. الهوانم اللي كانوا بيتعاير بيهم وبنضافتهم، يوروني بقى نضافتهم وشطارتهم في الحلل المحروقة وژبالة البيت الكبير!.
أحمد اتعصب تاني وحاول يفرض سيطرته انتي اتخبلتي في عقلك؟! أمي هتقلب الدنيا! عايزاني أقول لإخواتي وأمي مراتي مش نازلة تخدمكم؟ يقولوا عليا إيه؟!.
قربت منه تاني وبصيتله بتحدي عمري ما بصيتهوله في حياتي يقولوا إنك اتجوزت ست مش شغالة مجانية! ولو مش عاجبك يا ابن الحاجة.. باب مفتوح، ورقة طلاقي توصلي

على بيت أبويا اللي أمك رمته.. وساعتها وريني هتجيب مين يخدم الست الوالدة ويتحمل اللي أنا شيلته عشر سنين!.
وفجأة.. وإحنا واقفين.. صوت رزقعنيف خلى خشب الباب يتهز!
صوت حماتي وهي بتزعق وتخبط بعكازها على باب بأعلى صوت عندها
افتح يا أحمدددد! افتحي يا خطافة الرجالة يا سوسة.. افتحي عشان أوريكي مقامك يا اللي نسيتي أصلك!.
أحمد اتخض وبصلي .. بس أنا؟
أنا ابتسمت، وعدلت  بتاعي، وقولتله ببرود يهز جبال افتح لأمك يا أحمد.. افتح لست الكل، خليها تشوف بعينها الأحمر بيعمل إيه!.
أحمد كان واقف يتنفض، باصص للباب اللي بيتهز وباصصلي مش مستوعب البرود والهدوء اللي أنا فيه.
الصوت تحت كان طالع كله على السلم.. رجالة بتزعق، وسلفاتي طالعين ورا حماتي يجروا في شباشبهم عشان يتفرجوا على كسرة سعاد وتأديبها قدام الكل.
حماتي كانت بره بتخبط بالعكاز وبتصرخ بصوت مبحوح افتح يا أحمد يا خايب، افتح وشوف مراتك اللي قوية عينها ومسخطة البيت كله تحت!.
أحمد حط إيده على المقبض وإيده بترتعش..
وقفت أنا في نص الصالة، رفعت راسي لفوق، فردت ضهري، وقولتله بنبرة ثابته تهز بلد افتح يا أحمد.. متكسفش أمك.
لف المفتاح وفتح الباب على آخره.
حماتي دخلت مندفعة وهي رافعة عكازها في الهوا والشرار طالع من عينيها ورحمة أبوك يا سعاد لكون مرجعاكي بيت أهلك بال….
الكلمة وقفت في حلقها.. العكاز نزل ببطء لحد ما لمس الأرض.. عينيها وسعت بطريقة مرعبة، وفكها سقط لتحت مذهولة.
وراها كان باين إخوات أحمد وسلفاتي الاتنين على باب الشقة.. السلم كله اتخرس مرة واحدة، صمت تام كأن حد قطع شريط الصوت في البيت!
كنت واقفة قمر منور في نص الصالة.. الأحمر مفتوح، اللي كانت رامياه عشان كان كأنه متفصل عليا عمولة، بشرتي بتلمع، ريحتي عطر يملى المكان فخامة، وشعري نازل على كتافي بنعومة ولا بنات الإعلانات.
سلفاتي الاتنين مروة ورانيا كانوا بيبصوا لبعض وعينيهم طالعة لبرة من الصدمة والغيرة.. مكنوش متخيلين إن سعاد الخدامة اللي كانت ريحتها بصل ومسحوق غسيل، فيها كل الجمال والأنوثة دي اللي تغطي عليهم هما الاتنين!
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وشها جاب لون الكركديه من الغيظ، وحاولت تتماسك عشان هيبتها متقعش قدام ولادها إيه… إيه اللي انتي لابساه ده يا بت انتي؟! مش مكسوفة من نفسك وإخوات جوزك واقفين على الباب؟! دي قلة أدب ومسخرة!.
ابتسمت ابتسامة هادية وباردة، وحطيت إيدي في وسطي وقولت بكل هدوء
عيب ليه يا حماتي؟ ومسخرة ليه؟ هو مش ده اللي حضرتك نزلتي بيه ونقيتيه بمزاجك ورمتيه في وشي في نص الصالة قدام الكل؟ مش انتي اللي قولتيلي استحمي وانضفي لجوزك عشان يفتح نفسه بدل ريحة البصل؟ أنا عملت إيه غلط؟ أنا نفذت أوامرك بالحرف.. استحميت، ونضفت، لجوزي.. وزي ما انتي شايفة، جوزي مبهور ومبسوط! زعلانة ليه بقى دلوقتي؟!.
حماتي لفت لأحمد زي المچنونة، وشها بيرتعش من كتر الغل
سامع يا سي أحمد؟! سامع لسانها الطويل؟! البت دي يا تكسر عضمها وتعرفها مقامها دلوقتي يا تطلقها وترميها برة البيت! البيت ده ملوش غير ست واحدة هي أنا!.
الكل بص لأحمد.. أخواته مستنيين يشوفوا رد فعله، وسلفاتي كانوا شمتانين وعايزين يشفوني مطرودة في اللحظة دي.
أحمد بص لأمه، وبص لإخواته وسلفاتي اللي البيت تحتهم غرقان في الژبالة وطالعين يتشطروا على مراته، وبصلي أنا.. شاف ست جميلة، كرامتها بتلمع في عينيها، ست صبرت عليه وعلى أهله عشر سنين ومخدتش غير الإهانة ونكران الجميل.
لأول مرة

في حياته.. شوفت في عين أحمد راجل حقيقي بيصحى!
أحمد خطى خطوة لقدام، وقف بيني وبين أمه.. صلب ضهره، وبص لأمه في عينيها وقال بصوت رجولي قوي سمع كل اللي على السلم
لأ يا أمي.. مش هطلقها.. ومش هسمح لحد يمس شعرة منها بعد النهاردة!.
البيت كله اټصدم.. حماتي اتراجعت خطوة لورا وهي حاطة إيدها على قلبها انت بتقول إيه يا واد انت؟! انت بتعصاني عشان دي؟!.
أحمد رد بحسم وثبات عمري ما شفته فيه
أنا مبعصاكيش يا أمي، انتي أمي وعلى راسي من فوق وخدمتك أشيلها في عيني أنا وإخواتي الرجالة.. لكن سعاد مش خدامة في البيت ده! سعاد مراتي.. وأنا اللي سكت زمان لما ظلمتوها، واستخسرت فيها الكلمة الطيبة والراحة لحد ما هنتوها قدامي.. بس لحد هنا وخلاص!.
لف أحمد لإخواته الرجالة وقالهم بصوت حاد
كل واحد فيكم ياخد مراته وينزل تحت.. المطبخ اللي معفن والحلل اللي ۏسخة كل واحدة فيهم تشمر وتغسل وتنضف مطرح ما طفحت هي وعيالها! سعاد من اللحظة دي مش هتعمل لقمة ولا كوباية شاي إلا لشقتها وعيالها وبس.. واللي مش عاجبه النظام ده، البيت كبير، وأنا أول واحد هاخد مراتي وعيالي وأسكن برة في شقة تليق بيها!.
الكلمات نزلت زي الصاعقة على دماغ سلفاتي، مروة عيطت من الكسوف ورانيا وشها بقى في الأرض من نظرات إخوات أحمد ليهم، والرجالة نفسهم حسوا بالخزي وجروا حريمهم ونزلوا تحت في صمت تام عشان يلموا الڤضيحة.
أما حماتي.. وقفت تبصلي وتبص لابنها.. العكاز في إيدها كان بيتهز، وعرفت إن خلاص، المملكة اللي كانت بنياها على كتافي اتهدت، وإن زمام الأمور فلت من إيدها للأبد. بصتلي بكره وعجز، ودارت ضهرها ونزلت تجر في رجليها من غير ولا كلمة.
أحمد قفل الباب وراهم بهدوء.. ولف وشه ليا.
كان وشه فيه اعتذار العالم كله، قرب مني ومسك إيدي الاتنين، وطى وباسهم بعين مدمعة وقال
حقك عليا يا سعاد.. مكنتش شايفك، ومكنتش مقدر النعمة اللي في إيدي.. سامحيني على كل يوم خليتك تحسي فيه إنك قليلة.. انتي ست البيت ده وست راسي.
بصيتله وسحبت إيدي براحة، وابتسمت ابتسامة هادية
السماح مش بالكلام يا أحمد.. السماح باللي جاي.. اللي فات ماټ، والست الغلبانة اللي كانت پتبكي في قعر المطبخ ماټت مع ده الصبح.. من هنا ورايح، كرامتي وراحتي قصاد أي حاجة في الدنيا.
أحمد هز راسه باقتناع وقال أنا شاري.. شاري رضاكي وكرامتك قبل أي حاجة.
ومن الليلة دي.. البيت كله اتغير.
سلفاتي نزلوا المطبخ ڠصب عنهم يغسلوا ويطبخوا، واتقسمت عليهم أيام الأسبوع زي المسطرة، وبقوا يصحوا بدري وعينيهم مکسورة، وكل ما يقابلوني على السلم ينزلوا عينيهم في الأرض ميعرفوش يحطوا عينهم في عيني.
وحماتي؟ بقيت أنزل أزورها نص ساعة في اليوم، أقعد جنبها زي الهانم، أطمن على صحتها، وأشرب الشاي اللي سلفاتي عاملينه، وأقوم أطلع شقتي بكرامتي.
الأحمر ده.. معلقتوش في الدولاب.. سيبته محطوط قدام مرايتي عشان كل يوم الصبح أفتكر.. إن الست هي اللي بتحدد قيمتها، وإن السكوت على الإهانة مش أصل وطيبة.. ده اڼتحار بطيء، وإن الحق لما بيتاخد بقوة وذكاء، بيجبر الكل إنه يوطي راسه احتراما ليكي!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى