
كلام رجب كان زي الخناجر اللي بتقطع في ، بس السؤال اللي كان فاضل، السؤال اللي بيصرخ جوة عقلي وبيطير النوم من عيني:
إذا كان توفيق اتفحم ومات… ورجب اعترف بكل حاجة… السواق مين اللي خنقه وموته ورمى ج/ثته ورا المقابر قبل ما الشرطة توصل بليلة واحدة بس؟! مين الطرف الخفي الرابع اللي كان متلثم مع توفيق وجاب السواق وقت/له عشان يقفل بقه للأبد؟!
وقبل ما أستوعب السؤال، جالي عسكري يجري من ناحية شوارع القرية وهو ماسك تليفون المحمول الخاص بمركز الشرطة، وقال وهو ينفث أنفاسه بصعوبة: “يا باشا! في مكالمة جيلانا حالا على خط الطوارئ… المكالمة من تليفون ‘عمر عبد السميع’ نفسه! والتليفون بيتصل حالاً من جوة بتاعت عبد السميع!”
انخطف قلبي وسحبت رجليا بالعافية وأنا حاسس إن عروقي اتصفى منها الدم تماماً. “تليفون عمر بيتصل من الشقة؟!” عبارة نزلت عليا زي الصاعقة اللي شقت دماغي نصين. تليفون ابني اللي اندفن معاه كل شيء، التليفون اللي ضاع منه يوم الحادثة ومكنش ليه أي أثر، إزاي يتصل دلوقتي، ومن جوة شقتي المقفولة بضبتها ومفتاحها؟!
العميد بص للعسكري باستغراب ، وسحب التليفون بسرعة وفتح السبيكر، وصوت الهدوء والوشيش كان طالع من السماعة. فجأة، طلع صوت من الناحية التانية… صوت نَفَس متقطع وسريع، زي نَفَس حد بيجري ومخنوع، وجُمَل بتتقال بصوت واطي ومبحوح جداً: “خرجني من هنا يا بابا… الحقني… أنا محبوس جوة…”
سقطت على ركبي في الطين والصريخ اتكتم في زوري. ده صوت عمر! والله ده صوت ابني! النبرة دي مش ممكن أغلط فيها، الرعشة اللي في صوته لما كان يخاف أو يتوجع هي هي بالظبط!
العميد صرخ في التليفون: “مين بيتكلم؟! أنت مين وأين أنت بالضبط؟!”
بس الخط اتقفل فجأة، وصوت الصفارة الرتيبة ملأ المكان. العميد بصلي بنظرة مليانة شك وجنون، وقال بصوت حاد: “على شقة عبد السميع فوراً! أسرعوا يا رجالة!”
العربيات طارت بينا ورينات الشرطة بتشق سكون الليل اللي كان خلاص بيودع الضلمة وبيستقبل خيوط الفجر الأولى. وصلنا البيت، العمارة كانت فاضية والهدوء فيها يوتر الأعصاب. صعدنا السلم جرا، والعميد ماسك في إيده والمخبرين وراه، وأنا ماشي وراهم زي اللي ماشية بالدفع.
وصلنا باب الشقة… الشقة كانت مقفولة بالجنادير زي ما سبتها، ومفيش أي أثر لاقتحام أو كسر. العميد أشار للمخبر يكسر القفل، ودبينا الباب بكل قوتنا لحد ما انكسر ودخلنا الشقة.
الريحة جوة الشقة كانت غريبة… ريحة تراب مخلوط بريحة ورد بلدي ودخان شمع!
الشقة كانت ضلمة، دخلنا أوضة عمر بالذات… الشباك كان مفتوح والهوا بيهز الستارة البيضا الخفيفة. وعلى السرير بتاع عمر… كان الموبايل بتاعه محطوط في نص السرير بالظبط، والشاشة بتاعته بتنور وتنفي بضوء أزرق خافت، وجنبه… كشكول محاضراته القديم ومفتوح على صفحة معينة!
العميد قرب ببطء شديد وهو رافع سل/احه، ومسك الموبايل بحرص. الموبايل كان شغال، وعلى الشاشة مكتوب: “تم إجراء المكالمة لـ بابا”.
مسكت الكشكول بإيديا اللي بتتكتك من ، وبصيت في الصفحة المفتوحة. الخط كان خط عمر ابني، مكتوب بخط يده ورصاص باهت، تاريخ الكتابة كان قبل الحادثة بيومين بس!
المكتوب في الصفحة كان كفيلة إنه يخلي عقلي يطير تماماً:
“بابا… لو قريت الكلام ده وكنت أنا مش موجود في الدنيا، اعرف إن عمي توفيق مش هو السر الوحيد. عمي توفيق مجرد أداة. في حد تاني قريب مننا جداً، حد بياكل ويشرب معانا، هو اللي خطط لكل حاجة من يوم وفاة أمي. الصندوق اللي في جواه الورقة الأخيرة اللي بتكشفه… بس الصندوق اتسرق مني قبل ما أفتحه. لو حصل لي حاجة، دور على الأختام اللي كانت في بيت ‘الدكتورة سمر’!”
الدكتورة سمر؟!
أختي سمر! أختي الصغيرة اللي اتجوزت وسافرت مع جوزها الخليج بعد وفاة مراتي بأسابيع! أختي اللي كنت فاكر إنها عايشة في الغربة وبعيدة عن كل العك ده!
العميد بصلي بذهول وقال: “أختك سمر؟! أختك مش سافرت السعودية مع جوزها من سنتين؟!”
قلتله وأنا رأسي بيغلي: “ايوة يا باشا! سافرت بعد ما أمه اتوفت… كانت بتقول إن جوزها جاله عقد عمل هناك!”
العميد مسك جهاز الت無線 وكلم الجوازات والترصد فوراً، وسأل عن حركة خروج ودخول “سمر عبد السميع” وزوجها. وبعد دقائق معدودة من الانتظار اللي كان أطول من الدهر، رد الموظف من الناحية التانية بكلام نزل عليا زي السم:
“يا فندم… سمر عبد السميع وزوجها أسامة لم يغادروا البلاد أصلًا في أي وقت! وأختك مسجل لها عقد إيجار لشقة مفروشة في أطراف القرية المجاورة من سنتين، وعايشة هناك تحت اسم مستعار!”




