
بعد دفن أمي بأربعين يوم بس، أختي رمت مرتبتها القديمة في الزبالة وهي مبتسمة… لكن أول ما شفت المرتبة وهي بتتحمل على عربية الخردة، افتكرت آخر جملة أمي قالتها قبل ما تموت:
يا ليلى… لو عايزة تعرفي مين سرق عمرك كله، أوعي تخلي حد ياخد المرتبة دي.
ساعتها افتكرتها بتهذي من الوجع…
لكن بعد أقل من ساعتين، كنت بجري وسط مخزن مليان عفش مرمي، عشان أطلع اللي كان مستخبي جواها، وعرفت إن أمي ما كانتش بتحاول تحافظ على مرتبة قديمة…
كانت بتحاول تدفن سر هيهدّ عيلتنا كلها.
الميراث الضائع
أختي الكبيرة فايزة رمت مرتبة أمي القديمة في الزبالة وقالت لي ببرود:
بصي يا ليلى، كفاية بقى تدوير… المرتبة دي مافيش فيها غير التربة وقرف العيا بتاع الكبار.
كنت واقفة جنب صندوق الزبالة الكبير في ساحة مجمع العمارات بعد ما خلصنا صوان الأربعين بتاع أمي.. كنت لابسة فستان أسود وحاضنة الجلابية بتاعة أمي في إيدي، وبراقب اثنين من عمال النقل وهم بيزقوا مرتبة رمادي فيها هبطة غويطة في النص، وبيركبوها في عربية النقل.
أمي نامت على المرتبة دي 22 سنة..
عليها نامت بعد أول جرعة علاج، وكانت بتلم خصلات شعرها اللي بتوقع على المخدة في داري مننا عشان مانتوجعش..
وعليها قعدت جنبها وأنا بأكلها الشوربة المضروبة في الخلاط بالمعلقة..
وفي شهرها الأخير، مسكت إيدي وهي نايمة عليها وهمست لي:
يا ليلى.. مهما حصل، أوعي تخلي حد ياخد المرتبة دي.
ساعتها، افتكرتها خايفة من المستشفيات.. خايفة من الكبر.. أو خايفة إن أغراضها تقع في إيد الغربا.
أختي الكبيرة فايزة وقتها قالت للدكتور قدامنا:
أمي مخها خرف وبقت بتقول أي كلام.
ودلوقتي، المرتبة خلاص بتترمي، وفايزة واقفة عند مدخل العمارة بمانيكير جديد في إيدها، ومفاتيح شقة أمي، وعلى وشها نظرة شخص حاسس إنه خلاص ورث كل حاجة.
قالت لي وهي بتأفف:
ليلى، بلاش تعملي فضايح ومنظرة في الشارع.. أمي ماتت خلاص، والمرتبة دي قديمة ولازم ننضف الشقة دي ونفضيها.
رديت عليها:
بس هي طلبت مننا بالاسم مانتخلصش منها!
فايزة ابتسمت بسخرية وقالت:
أمي برضه كانت بتطلب مننا نأكل الحمام في البلكونة ونسيب التلفزيون شغال عشان أبوكِ الله يرحمه يسمع النشرة! هنقعد بقى نعمل كل ده؟
كنت عاوزة أرد عليها، بس واحد من العمال رزع باب العربية الحديد.. المرتبة القديمة اختفت ورا الباب، وحسيت ساعتها إن آخر مكان كان ممكن أسمع فيه صوت أمي ضاع للأبد.
الجزء الثاني: الحقيقة وراء الابنة البارة
أمي كان اسمها الحاجة فاطمة.. ماتت وهي عندها 74 سنة. آخر تلات سنين في عمرها كانوا عذاب ووجع مستشفيات، ومواعيد أدوية بالدقيقة، وليالي من غير نوم، وأجهزة طبية محاوطة السرير، وزرقان في إيدها من كتر المحاليل.
أنا كنت عايشة في محافظة تانية، ومش عشان سبتها أو بعدت عنها.. جوزي اتنقل شغله هناك، وابني بدأ جامعته هناك، وأقساط شقتنا كانت مكتفانا.. بس كنت بسافر لها كل أسبوعين، وساعات أكتر. كنت ببعت فلوس الأدوية، وبدفع ثمن الممرضات اللي بيجوا يقعدوا معاها، وبشتري كل المستلزمات، وبسوق بيها للمستشفيات كل ما تجيلي الفرصة.
أما فايزة، فكانت عايشة على بعد 15 دقيقة بس من شقة أمي. الكل كان بيقول فايزة هي اللي جنبها.. فايزة هي اللي شايلاها.
جنبها؟ ماشي.. إنما شايلاها؟ عرفت الحقيقة بعدين.
بعد المدافن على طول، فايزة بدأت تتكلم في موضوع الشقة. قعدنا في مطبخ أمي، وكان فيه كوبايتين شاي على الترابيزة جنب علبة بسكوت أمي مالحقتش تأكلها، ونضارة القراية بتاعتها ذات الإطار البني.. كنت بصل للنضارة وافتكرها وهي ماسكة فواتير النور والمياه وبتقربها من عينيها أوي عشان تقراها.
فايزة قالت وهي بتشرب الشاي:
ليلى، لازم نتصرف بعقل.. أمي ماسابتش ورقة ولا وصية، والقانون بيقول الميراث النص بالنص.. بس عشان نكون صرحا مع بعض، أنتِ ماكنتيش بتراعي أمي بجد، أنا اللي شيلت الليلة كلها.
رديت بوجع:
أنا اللي كنت دافعة ثمن علاجها كله!
فايزة شاورت بإيدها باستهانة وقالت:
كلنا دفعنا.. بلاش تقيسي الحب بالفلوس والوصولات.
تاني يوم على طول، فايزة طلبت مرتبة جديدة للشقة، وقالت تبرر ده:
لازم الشقة يبان شكلها نضيف عشان لما نعرضها للبيع، مش عاوزين المشتري يشم فيها ريحة عيا ومستشفيات.
الكلمة دي وجعتني أكتر من كلامها عن الميراث..
الجزء الثالث: سر خالة رأفت وورقة الزبالة
بالليل، خالتو رأفت -جارة أمي وأعز صاحبة ليها من تلاتين سنة- دخلت الشقة، شافت السرير فاضي وسندت على الباب وقالت بذهول:
ليلى.. فين المرتبة بتاعة أمك؟
قلت لها بصوت مخنوق:
فايزة رمتها.
خالتو رأفت قعدت على أقرب كرسي بصدمة وقالت:
يا نهار مش فايت! يا ويلة قلبي.. أمك كانت كل ما تشوفني تقول لي “لو ليلى جت، قولي لها أوعي تخلي حد ياخد المرتبة.. هناك الحقيقة كلها”.. كانت خايفة فايزة تقلب الشقة وتدمر الدنيا وهي بتدور عليها.
جسمي كله اتجمد.. خرجت للصالة، لقيت فايزة واقفة جنب الشباك بتتكلم في التليفون وبتقول بضحكة عالية:
آه شقة أوضتين وصالة في منطقة حيوية، بشوية توضيبات هتتباع بمبلغ محترم.. أختي؟ فكك منها دي عايشة بعيد، هتاخد قرشينها وتمشي.
بصيت على السرير الفاضي، ودخلت لفايزة وسألتها بحدة:
فين وصل الاستلام بتاع رمي المرتبة؟
فايزة لفت وقالت باستغراب:
وصل إيه؟




