
في الشغل بلغوني إن جوزي موجود في الطوارئ. جريت على المستشفى، لكن الممرضة وقفتني وقالت: «مراته وابنه موجودين معاه بالفعل». بعد 7 سنين جواز، اتجمدت مكاني. ماعملتش خناقة، ولا عملت فضيحة؛ طلعت موبايلي وطلبت نسخة من تقرير الحادث. لكن اللي ظهر في تسجيل غيّر كل حاجة.
الجزء الأول
— يا مدام، الأستاذ أحمد منصور موجود معاه مراته وابنه بالفعل.
قالتها الممرضة بمنتهى الطبيعية، لدرجة إني فضلت كام ثانية فاكرة إني دخلت مستشفى غلط.
— أنا مراته — قلت لها.
كانت الساعة قربت على سبعة بالليل، وأنا كنت لسه قاطعة نص القاهرة بعد ما جالي اتصال من مستشفى النور. أحمد عمل حادثة على الطريق الدائري. كان عنده ارتجاج شديد في المخ، وإصابات كتير، وكانوا محتاجين يوصلوا لأحد من أهله.
بقالنا سبع سنين متجوزين.
وماكانش عندنا أولاد.
وعشان كده، كلمتين زي «مراته وابنه» خلوني واقفة مكاني قدام باب العناية المركزة.
أنا اسمي سارة محمود. عندي 36 سنة، ومحامية متخصصة في قضايا الأسرة والنزاعات على الممتلكات. شفت جوازات بتنهار بسبب مشاكل مالية، وشركات، وبيوت، ومواريث، وحسابات سرية.
لكن عمري ما تخيلت إني في يوم من الأيام هبقى أنا الطرف التاني في الحكاية.
قربت من الزجاج الصغير الموجود في الباب.
كان أحمد نايم على السرير، راسه متربطة، وحاطين له قناع أكسجين. جنبه كانت قاعدة بنت عندها حوالي 25 سنة، لابسة بلوفر لونه كريمي. كانت بتعيط وهي ماسكة إيده.
وفي حضنها طفل صغير حوالي 3 سنين.
— بابا… — همس الطفل.
لكن أكتر حاجة كسرتني كانت إن حماتي وحمايا، نادية وحسن، كانوا واقفين وراهم.
نادية كانت بتمسح على ضهر البنت كأنها بنتها هي.
نفس الست اللي كانت دايمًا بتقول إن ركبتها بتوجعها ومش قادرة تزورني، كانت قاعدة بقالها ساعات جنب أم ابن ابنها.
ما دخلتش.
مازعقتش.
وماعملتش أي فضيحة.
طلعت موبايلي واتصلت بياسر، باحث خاص كنت اشتغلت معاه في كذا قضية.
— محتاجة أعرف مين البنت دي. عايزة معلومات قانونية وموثقة بس. عناوين مسجلة، ممتلكات، علاقات بشركات، وتحويلات مالية متاحة بشكل قانوني. كل حاجة.
بعدها أخدت نفس عميق، ورجعت دخلت منطقة الطوارئ.
بعد حوالي نص ساعة، البنت خرجت وهي شايلة الطفل.
ساعتها دخلت عند أحمد.
أول ما فتح عينيه وشافني، ضربات قلبه على الجهاز بدأت تعلى بسرعة.
— سارة… إنتِ عرفتي إزاي؟
— المستشفى اتصل بيا. أنا مراتك، فاكر؟
وش نادية شحب.
أنا عملت نفسي مش واخدة بالي.
عدلت لأحمد المخدة، وسألته عن الألم، وبعدها قلت بمنتهى الهدوء كأني بتكلم في موضوع عادي:
— شفت بنت صغيرة خارجة ومعاها طفل. قريبتك؟
سكتوا فترة أطول من اللازم.
— دي بنت خالتي من بعيد — ردت حماتي بسرعة — سمعت بالحادثة وجت تطمن عليه.
— غريبة… الطفل كان بيناديه «بابا».
أحمد قفل عينيه.
— إنتِ فهمتي غلط يا سارة.
ابتسمت.
وماجادلتش.
في نفس الليلة، شركة التأمين بعتتلي ملف الحادث لأن العربية كانت مسجلة ضمن ممتلكات الجواز. وبين الملفات، لقيت نسخة من تسجيل كاميرا العربية.
سمعت آخر 15 دقيقة قبل الحادث.
وصوت البنت كان واضح جدًا.
— لما جولة الاستثمار تخلص، بجد هتكتب الشقة باسمي؟
أحمد ضحك.
— طبعًا يا رنا. إنتِ وآدم عيلتي الحقيقية.
وبعدها قال:
— سارة عمرها ما هتكتشف حاجة. طول ما هي بتحل مشاكلي وبتجيبلي المستثمرين، أنا مسيطر على كل حاجة.
حسيت إن نفسي اتقطع.
لكن لسه كان فيه الأسوأ.
قبل الخبطة مباشرة، أحمد قال:
— أول ما الفلوس الجديدة تدخل، هطلقها. بس الأول لازم تمضي ضمانات الشركة.
قفلت التسجيل.
ساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد مشاكل شخصية.
أحمد ماكانش عنده عيلة تانية بس.
ده كان بيجهز لتدميري.
وأنا ببص لشاشة الكمبيوتر السودا، أخدت قرار ماكانش هو، ولا رنا، ولا حماتي وحمايا يتخيلوه.
فضلت قاعدة قدام اللابتوب، والتسجيل واقف على آخر جملة قالها أحمد قبل الحادث.
“أول ما الفلوس الجديدة تدخل، هطلقها. بس الأول لازم تمضي ضمانات الشركة.”
فضلت أعيد الجملة مرة واتنين وعشرة.
كل مرة كنت بحس إن حاجة جديدة بتتكشف قدامي.
أنا ماكنتش بالنسبة له زوجة.
أنا كنت أداة.
اسم أحطه في ورقة.
توقيع أستخدمه وقت اللزوم.
محامية يعتمد عليها لما تحصل مشكلة.
وواجهة محترمة يقدر يستخبى وراها.
لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي.
إيه هي “الفلوس الجديدة”؟
وإيه الضمانات اللي كان عايزني أمضيها؟
فتحت ملفات الشركة اللي كانت عندي على اللابتوب.
شركة أحمد اسمها “منصور للتطوير العقاري”.
شركة متوسطة في البداية، لكن خلال آخر سنتين بدأت تكبر بسرعة غريبة.
مشاريع جديدة.
أراضي.
شراكات.
مستثمرين.
قروض.
وكان أحمد دايمًا بيقولي إن كل ده بفضل شطارته.
وأنا كنت مصدقاه.
يمكن دي أكتر حاجة وجعتني.
إني كنت بساعده بنفسي.
كنت براجع العقود.
كنت بحضر اجتماعات مع مستثمرين.
كنت بكتب مذكرات قانونية.
كنت أحيانًا أتصل بعملاء كبار وأحل مشاكلهم.
وفي كل مرة كان يبوس راسي ويقول:
“ربنا يخليكي ليا يا سارة.”
دلوقتي فهمت ليه كان حريص إني أفضل قريبة من كل حاجة.
فتحـت مجلد قديم عندي كنت مسميّاه “مراجعة 2025”.
بدأت أقارن الحسابات.
وبعد حوالي ساعة، لقيت حاجة غريبة.
فيه مبلغ كبير اتنقل من حساب الشركة لحساب شركة تانية.
شركة اسمها “رنا للاستشارات الإدارية”.
وقفت.
رنا.
نفس الاسم اللي سمعته في التسجيل.
فتحت بيانات الشركة.
المفاجأة إن الشركة اتأسست من سنة ونص.
المساهم الرئيسي فيها كان شخص اسمه “طارق عبدالسلام”.
لكن عنوان الشركة كان نفس عنوان شقة أحمد القديمة.
الشقة اللي قال لي إنها اتباعـت من زمان.
أنا بكتبه متصل بطريقة مختلفة.
والتوقيع ده كان معمول بتقليد واضح.
قلت لياسر:
— عايزة أصل الورقة.
— هجيبه.
— وما تكلمش أحمد.
— ليه؟
— عشان لو هو اللي عملها، لازم يفتكر إن كل حاجة ماشية زي ما خطط.
قفلنا.
رجعت بصيت للصورة.
وبعدين افتكرت حاجة.
من حوالي أربعة شهور، أحمد طلب مني صورة بطاقتي.
قال لي:
“المحاسب محتاجها عشان ملف الضرائب.”
أنا صدقته.
يمكن من اللحظة دي بدأ كل شيء.
في الصبح، روحت المستشفى.
أحمد كان صاحي.
أول ما دخلت، بص لي بسرعة.
— إنتِ جيتي؟
— آه.
— ليه؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
— عشان إنت جوزي.
وشه اتغير.
— سارة…
— ماتتعبش نفسك.
قعدت على الكرسي.
— الدكتور قال إيه؟
— قال إني محتاج راحة.
— الحمد لله.
سكت.
دخلت نادية.
— يا سارة، إحنا مش ناقصين مشاكل دلوقتي.
بصيت لها.
— وأنا عملت مشكلة؟
— نظرتك لوحدها بتقول إنك عايزة تعملي مشكلة.
— أنا بس بسأل على جوزي.
أحمد تدخل:
— ماما، سيبيها.
بصيت له.
— رنا فين؟
اتجمد.
نادية بصت له.
وبعدين لي.
— مين رنا؟
— البنت اللي كانت هنا.
— دي قريبتنا.
— قريبتكم إزاي؟
ما ردتش.
أنا ما ضغطتش.
وقفت.
— أنا هروح دلوقتي.
أحمد قال بسرعة:
— سارة.
لفيت له.
— نعم؟
— خليكي جنبي.
الجملة دي كانت زمان ممكن تخليني أعيط من التأثر.
المرة دي خلتني أبتسم.
— أكيد.
خرجت.
وأول ما ركبت العربية، اتصلت بياسر.
— ابدأ.
— في إيه؟
— عايزاك تعرف مين شريف العزمي متواصل معاه في شركة أحمد.
— حاضر.
— وكمان عايزاك تعرف مين دخل شقة أحمد القديمة آخر ست شهور.
— تمام.
— وأهم حاجة…
سكت.
— ما تقتربش من رنا نفسها.
— ليه؟
— عشان حاسة إنها مش الرأس.
— أمال مين؟
بصيت للمستشفى من المراية.
— لسه مش عارفة.
في اليوم التالي، جالي اتصال من رقم غريب.
صوت راجل.
— مدام سارة؟
— مين؟
— حد عايز يحذرك.
— من إيه؟
— من إنك تدوري ورا جوزك.
— وليه؟
— لأنك لو كملتي، هتخسري أكتر من جوازك.
ضحكت بهدوء.
— أنا محامية.
— وأنا عارف.
— يبقى عارف إني مش بخاف من التهديدات.
— ده مش تهديد.
— أمال إيه؟
— نصيحة.
— من مين؟
سكت.
وبعدين قال:
— من شخص اتظلم زيك.
وقفل.
فضلت ماسكة الموبايل.
“شخص اتظلم زيك.”
الجملة فضلت ترن في ودني.
بعدها بساعة، ياسر بعتلي رسالة.
“تعالي المكتب فورًا.”
روحت.
أول ما دخلت، لقيته حاطط قدامه ملف كبير.
— لقيت حاجات.
— قول.
فتح أول ورقة.
— خلال السنتين اللي فاتوا، أحمد حوّل مبالغ ضخمة لشركات مختلفة.
— عارف.
— لكن كل الشركات دي مرتبطة بشخص واحد.
— شريف؟
هز راسه.
— لأ.
قلب الورقة.
— طارق عبدالسلام.
بصيت له.
— بس طارق ميت.
— أيوه.
— يبقى مين بيستخدم اسمه؟
— دي مش المشكلة.
فتح ملف تاني.
— المشكلة إن طارق كان عنده ابن.
— مين؟
— اسمه كريم.
— وعنده كام سنة؟
— 33.
— فين؟
ياسر بص لي.
— مختفي من سنتين.
سكت.
— من بعد وفاة أبوه مباشرة.
بدأت أربط الخيوط.
— يعني حد بيستخدم اسم شركة طارق.
— بالضبط.
— وأحمد بيحوّل لها فلوس.
— أيوه.
— ورنا مرتبطة بيها.
— أيوه.
— وشريف داخل في الموضوع.
— أيوه.
— وأنا؟
ياسر ما ردش.
قلب ورقة.




