قصص و روايات

عيد ميلاد امي

الصالة كلها بقت ساكتة تماماً، الأنفاس مكتومة. مدام إسعاد وشها جاب ألوان، وهالة وهبة نزلوا عينيهم في الأرض. أبويا اتلعثم ووشه بقى أحمر: هدى.. إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ أكيد بالغة.. إيه الكلام ده؟ أمي ضحكت ضحكة رنت في ودن كل واحد موجود:

أنا الست اللي شافت بعينيها عقد جوازك من سنين في جيب البدلة، ورجعته مكانه عشان مش عايزة أخرب على بيتي.. أنا الست اللي كنت بقطع لها الخضار وهي عارفة إنك جايب الطقم الدهب لهالة مش لمرواة صاحبك.. أنا اللي كنت بخيط لك البلوفر الصوف وأنا عارفة إنك مش هتلبسه عشان ذوقي دقة قديمة مقارنة بذوق مدام إسعاد.

أبويا حاول يقرب منها: يا هدى استهدي بالله، مفيش حاجة من دي حصلت، دول جيران.. قاطعته بحدة:

متقربش مني.. أنا مش هسألك ليه عملت كدة، لأني ببساطة عارفة طباعك.. أنا عمري ما أمنت لك يا عبد السميع، وعمري ما صدقت ولا كلمة من تمثيليات الشهامة والجدعنة بتاعتك.

أمي طلعت لاب توب وحطته على الترابيزة ووصلته بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، وبدأت تعرض صور ومستندات:

يا جماعة، الحاج عبد السميع كان بيصرف من مرتبي أنا كمدرسة، ومن ورثي من أبويا، عشان يبني مملكته السرية.. الصور دي لعقود الشقق اللي اشتراها باسم بناته هالة وهبة بفلوسي.. والورق ده هو إقرار بنوة بخط إيدك يا عبد السميع. بصت لهالة وهبة وقالت:

يا بنات.. أنتوا ذنبكم إيه؟ ذنبكم إنكم طلعتم لراجل مفكرش غير في نفسه.. أنا عمري ما كرهتكم، بس عمري ما هسمح لكم تاخدوا مليم واحد من حق أمنية.

هنا، أبويا انفجر: طيب خلاص يا هدى، عرفتي كل حاجه، وأدينا قدام الناس أهو.. أنا حر، والشرع حلل أربعة، وأنا مغلطتش! أمي سكتت خالص، الهدوء ده كان يخوف. قربت منه وقالت بهمس مسموع للكل:

الشرع قال العدل.. وإنت لا عدلت، ولا صدقت.. والنهاردة الحساب.

طلعت أمي ظرف كبير ورمته في حضنه:

دي دعوى خلع يا حاج.. وده محضر بحصر كل الفلوس اللي سحبتها من حسابي المشترك معاك بتوكيل عام، وبالقانون يا عبد السميع، الشقق اللي باسم هالة وهبة محجوز عليها لصالحي، لأنها اتدفعت من مالي الخاص.. وشقة مدام إسعاد؟ اللي إنت كتبتها لها؟ طلعت باسمي أنا، لأني من 5 سنين بالظبط، لما عرفت إنك ناوي تكتبها لها، استغليت التوكيل اللي معاك وغيرت العقود بذكاء يدرس، وإنت كنت بتمضي وأنت فاكر إنك بتمضي على ترقيات الهيئة.

أبويا انهار، قعد على الكرسي وهو مش مصدق: إنتِ عملتي كل ده؟ من غير ما تنطقي كلمة واحدة؟! أمي بصت لي وقالت:

كان لازم أصبر.. كان لازم أستنى أمنية تتخرج وتبقى المحامية اللي واقفه قدامك دي، عشان هي اللي تحميني بالقانون.. كان لازم أستنى لما تكمل ال 50 عشان آخد حقوقي كاملة.

أمي لفت للمعازيم وقالت:

العزومة خلصت يا جماعة.. والفرجة كمان خلصت.. الحاج عبد السميع وعيلته التانية هيتفضلوا يخرجوا بشنطة هدومهم، ومن غير ولا مليم زيادة.. الشقة دي باسمي، والعربية اللي تحت باسمي، وحياتك اللي جاية كلها بقت في إيدي. أبويا حاول يزعق ويقول: أنا هحبسك، أنا هعمل وهسوي.. أنا وقفت في وشه وقلت له بكل قوة:

يا بابا.. عيب، أنا أمنية عبد السميع، المحامية اللي إنت كنت بتفخر بيها، والنهاردة أنا اللي مجهزة ملف قضايا الاختلاس في الهيئة اللي إنت مدير فيها، والورق ده لو وصل للنيابة، السجن هيكون بيتك الجديد.. اتفضل اخرج بكرامتك.

خرج عبد السميع وإسعاد وبناتها من البيت وسط نظرات الجميع. البيت اللي كان فاكر إنه ملكه، بقى سجن لندمه. أمي قعدت ببرود، طلبت مني كوباية شاي بالنعناع، وبصت لصورتها في المراية وقالت:

الآن.. نعلن انتهاء المسرحية.

ندمته لدرجة إنه بقى عايش في أوضة إيجار هو ومراته التانية، وبناته بقوا عبء عليه بعد ما خسروا الشقق والمستقبل اللي كان بفلوس الغدر. أمي علمتني إن الحق مبيضعش، بس محتاج نفس طويل وعقل يوزن بلد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى