
رجعنا البيت في آخر النهار، بعد ما الدكتورة رتبت لي موعدًا قريبًا مع متخصص في جراحة البطن، وطلبت مني أرجع فورًا لو ظهر ألم شديد أو قيء أو دوخة أو أي تدهور مفاجئ.
دانيال أصر إنه يبات عندي.
لكن أول ما دخلت أوضتي، حسيت إني مش قادرة أبص على سريري.
نفس السرير اللي كنت نايمة عليه ليلة وفاة روبرت.
نفس الكومودينو اللي كان بيحط عليه نظارته.
ونفس الدرج اللي خبّيت فيه الرسالة اللي وعدته ما أطلعهاش أبدًا.
فتحت الدرج بإيد بتترعش.
الرسالة كانت جوه ظرف بني قديم، لونه اصفر من الزمن.
طلعتها وقعدت على طرف السرير.
كنت قريتها مئات المرات خلال 12 سنة، لكن كل مرة
كنت بحس إن فيه كلمات لسه ما فهمتهاش.
كان مكتوب بخط روبرت
مارجريت، لو جه يوم واضطريتي تعرفي أولادنا الحقيقة، ما تخافيش من الماضي. أنا عارف إنك وعدتيني، لكن فيه فرق بين إننا نحافظ على سر، وإننا نخلي السر يظلم ناس مالهاش ذنب.
لو حصلت حاجة غريبة في المستقبل، دوري على إليزابيث. هي الوحيدة اللي معاها الحقيقة كاملة.
سامحيني إني طلبت منك تشيلي الحمل ده لوحدك.
روبرت.
إليزابيث.
الاسم ده كان كفيل يرجعني لورا خمسين سنة.
إليزابيث كانت بنت شابة اشتغلت مع روبرت في شركة صغيرة قبل ما نتجوز. كنت أعرف إنها كانت قريبة منه، لكن عمري ما فهمت طبيعة العلاقة بينهم.
في البداية، كنت بغير منها.
وبعد جوازنا، روبرت قال لي إنها سابت المدينة واتجوزت، وإن مفيش داعي أفضل أفكر في الموضوع.
مرت السنين، وخلفنا أولادنا، وبقينا عيلة مستقرة.
لكن قبل وفاته بأيام، روبرت طلب مني أقعد جنبه، ووقتها كان تعبان جدًا.
قال لي
مارجريت، فيه حاجة لازم تعرفيها، لكن مش دلوقتي. أنا محتاجك توعديني إنك مش هتتكلمي عن إليزابيث غير لما يبقى فيه سبب حقيقي.
سألته
إليزابيث؟ إيه اللي رجعها في كلامنا دلوقتي؟
بص للسقف وسكت فترة طويلة.
وبعدين قال
لأن فيه حق ضاع من زمان، وأنا كنت جبان كفاية إني أسكت عنه.
حاولت أسأله أكتر، لكنه رفض.
وفي اليوم التالي، حالته ساءت.
أما في اليوم اللي بعده، فقط مات.
ومن وقتها، وأنا بحاول أقنع نفسي إن الوعد اللي أخدته منه كان مجرد سر قديم يخص حياته قبل جوازنا.
لكن دلوقتي، بعد نتيجة الأشعة، بدأت أشك إن السر ده أكبر بكتير.
وفجأة سمعت خبط على الباب.
كانت سارة.
دخلت وهي شايلة كوب شاي، لكن عينيها وقعت على الظرف اللي في إيدي.
وقفت مكانها.
يا ماما إنتِ لقيتي الرسالة؟
رفعت راسي بسرعة.
إنتِ تعرفي الرسالة دي؟!
وشها اتغير.
حطت الكوب على الكومودينو، وقعدت جنبي.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
أنا ما كنتش أعرف محتواها، لكن من حوالي شهرين، لقيت اسم إليزابيث في ورق قديم كان مع حاجات بابا روبرت.
قلبي دق بعنف.
ورق إيه؟
ملف قديم فيه مستندات وشوية خطابات. كنت بنضف المخزن، ولقيته في صندوق خشب مقفول. كان عليه اسم بابا روبرت، وتاريخ قديم جدًا.
بصيت لها بعدم تصديق.
وإنتِ ما قولتيش لدانيال؟
هزت راسها.
ما كنتش عارفة إذا كان الموضوع يخص العيلة، وخفت أفتح حاجة شخصية. لكن لقيت ورقة مكتوب فيها اسم إليزابيث، ورقم تليفون قديم، وعنوان في مدينة تانية.
قمت من مكاني بصعوبة.
فين الورق ده؟
سارة اترددت.
في البيت. بس يا ماما، فيه حاجة تانية لازم أقولها لك.
بصيت لها.
قالت بصوت منخفض
من أسبوع، حد اتصل بدانيال وسأله إذا كان بابا روبرت لسه محتفظ بصندوق قديم. دانيال قال له إنه ما يعرفش أي حاجة عن الموضوع.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
مين اللي اتصل؟
الراجل ما قالش اسمه.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
لكن قبل ما يقفل، قال له جملة غريبة جدًا الحقيقة اللي روبرت دفنها من خمسين سنة قربت تظهر.
حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
خمسين سنة؟
نفس الفترة اللي حصلت فيها مضاعفات ولادتي القديمة؟
ونفس الفترة اللي بدأت فيها حكاية إليزابيث؟
هل كانت كل الأحداث مرتبطة ببعض؟
وقبل ما أقدر أسأل سارة أي سؤال، سمعت صوت دانيال في الصالة.
ماما؟ سارة؟ إنتوا بتتكلموا عن إيه؟
خبّيت الرسالة بسرعة.
لكن كان متأخر.
كان دانيال واقف عند الباب، وباصص لنا بشك.
وقال
أنا سمعت اسم إليزابيث. مين دي؟ وليه اسمها موجود في رسالة بابا؟
المرة دي، ما كانش عندي أي إجابة أقدر أهرب بيها.
الفصل الثالث إليزابيث ترجع من الماضي
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت دانيال بيتكلم في التليفون.
كان صوته متوتر.
أيوه، أنا ابن روبرت. إنت مين؟ وإزاي معاك رقم البيت؟
سكت شوية، وبعدها قال
إليزابيث؟! إنتِ إليزابيث؟
قلبي وقف تقريبًا.
قمت من السرير، وخرجت للصالة.
دانيال كان واقف جنب الشباك، ماسك التليفون بإيد، وبالإيد التانية بيفرك جبينه.
قال
أمي موجودة. لكن قبل ما أديها التليفون، عايز أعرف إنتِ مين بالنسبة لأبويا.
سمع الرد، وبعدها وشه اتغير.
بنت؟! إنتِ بتقولي إن بابا كان عنده بنت تانية؟!
صرخت من مكاني
دانيال! هات التليفون!
بصلي بصدمة، ومد إيده ليا.
أخدت التليفون وقلت
ألو؟
جالي صوت ست كبيرة، مبحوح من العمر، لكنه واضح.
مارجريت؟ أنا إليزابيث.
غمضت عيني.
إنتِ فين يا إليزابيث؟
أنا في المدينة اللي كنت عايشة فيها طول السنين اللي فاتت. سمعت إنك تعبانة، وإنك رحتي المستشفى.
اتصدمت.
عرفتي منين؟
ردت
لأن فيه حد بيدور على الحقيقة، وأنا كنت مستنية اليوم ده من سنين.
حسيت إن قلبي بيتعصر.
إنتِ تعرفي إيه عن بطني؟
سكتت إليزابيث شوية.
وبعدين قالت
مش هقدر أشرح لك في التليفون. لازم نتقابل. وفيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تدخلي أي عملية.
دانيال كان واقف جنبي، بيسمع كل كلمة.
صرخ في التليفون
عملية إيه؟ وإنتِ مين أصلًا عشان تقولي لأمي كده؟!
إليزابيث
ردت بهدوء
أنا مش عايزة أخوفك يا دانيال. لكن أبوك كان بيحاول يصلح غلطة قديمة قبل ما يموت، وما لحقش.
دانيال شد التليفون من إيدي.
غلطة إيه؟!
لكنها
قالت
هقول لكم كل حاجة لما نتقابل. عندي مستندات ورسائل، وفيه شخص تاني لازم يكون موجود.
وبعدين قفلت.
فضل دانيال واقف مكانه، مش قادر يستوعب.
بعد لحظات، لف ناحيتي وقال
ماما، أنا مش هقدر أستحمل إنك تفضلي تخبي عني أكتر من كده. أنا محتاج أعرف الحقيقة.
قعدت على الكرسي، وحسيت إني عجوزة أكتر من عمري بكتير.
قلت له
أنا مش عارفة الحقيقة كلها يا ابني. أبوك طلب مني وعد، وأنا نفذته. لكن واضح إن الوقت جه إني أفهم هو كان يقصد إيه.
دانيال سحب كرسي وقعد قدامي.
طيب، إحنا هنتقابل مع إليزابيث. لكن قبل أي حاجة، لازم نطمن على صحتك.
وافقته.
اتصلنا بالمستشفى، وأكدوا لنا موعد الفحوصات التالية.
وبعدها، اتصلت إليزابيث مرة تانية، وحددت لنا مكان اللقاء في اليوم التالي.
لكن قبل ما تقفل، قالت جملة واحدة فضلت ترن في وداني
مارجريت، لو ظهر اسم آرثر في أي ورقة، ما تصدقيش كل اللي هتسمعيه عنه.
آرثر.
الاسم ده كان جديد عليّ.
ولأول مرة، حسيت إن فيه شخصًا آخر داخل الحكاية، شخصًا يمكن يكون هو المفتاح لكل اللي بيحصل.
الفصل الرابع الصندوق الأسود
في اليوم التالي، وصلنا لبيت إليزابيث.
كانت ست في أواخر السبعينات، شعرها أبيض قصير، ووشها مليان تجاعيد، لكن عينيها كان فيهم نفس النظرة اللي افتكرتها من زمان.
أول ما شافتني، حضنتني.
ما قالتش أي كلمة في البداية.
وبعدها همست
أنا آسفة يا مارجريت.
بعدنا عن بعض، وبصيت لها.
على إيه؟
ردت
على السنين اللي ضاعت، وعلى كل حاجة كان لازم تتقال من زمان.
دانيال دخل في الكلام فورًا.
ممكن حد فيكم يشرح لي إيه اللي بيحصل؟ أنا مش فاهم أي حاجة!
إليزابيث أشارت لنا نقعد.
قدامها كان فيه صندوق خشب قديم، عليه قفل صدئ.
فتحت الصندوق وطلعت منه ملفًا كبيرًا، وصورًا قديمة، وظرفًا أبيض.
حطت صورة قدامي.
كانت صورة روبرت وهو شاب، واقف جنب إليزابيث، وبينهم رجل تالت، ملامحه حادة ووشه مألوف بطريقة غريبة.
سألتها
مين الراجل ده؟
ردت
آرثر كولينز. كان شريك روبرت في الشركة القديمة.
دانيال سأل
وإيه علاقته بأمي؟
إليزابيث فتحت الملف.
من حوالي خمسين سنة، كان روبرت وآرثر بيشتغلوا في مشروع كبير. المشروع كان فيه أموال وملكية أرض، لكن حصل خلاف بينهم. آرثر اتهم روبرت إنه أخفى مستندات مهمة، وروبرت اتهمه إنه زوّر توقيعات وسرق فلوس الشركة.
دانيال هز راسه.
طيب، ده كله حصل قبل ما بابا يتجوز أمي. إيه علاقته باللي بيحصل دلوقتي؟
إليزابيث بصت ليّ.
لأن في الفترة نفسها، مارجريت كانت حامل
في طفلها التاني، وحصلت لها مضاعفات خطيرة بعد الولادة. وفي نفس الأسبوع، اختفت بعض المستندات الأصلية من الشركة.
بدأت أفتكر الأيام دي.
كنت وقتها في المستشفى، وروبرت كان بيروح وييجي بين البيت والشركة.
كان قلقان جدًا، لكنه ما كانش بيحكي لي السبب.
إليزابيث كملت
آرثر استغل انشغال روبرت بمرضك، وقدم بلاغًا ضده. وبعدها بفترة قصيرة، اختفى من المدينة. روبرت حاول يثبت براءته، لكنه ما قدرش؛ لأن المستندات الأصلية ما كانتش موجودة.
دانيال قال بغضب
يعني حد ظلم أبويا؟!
أيوه. لكن القصة ما خلصتش هنا.
إليزابيث طلعت ظرفًا قديمًا، وفتحته بحذر.
كان جواه خطاب من روبرت.
بدأت تقرأ




