في سورة لقمان

والتعبير القرآني يدل على إعطاء أولوية كبيرة للجلوس مع الأولاد ذكورا وإناثا للوعظ والنصح والتربية فهي مهمة ليست سهلة وهي تستحق كل العناية والاهتمام لأنها تتعلق ببناء الإنسان وبناء الجيل القادم وبناء القيادة للأمة.
التأكيد على غرس المحبة والشوق والترغيب والترهيب والخوف من الله تعالى في قلوب المتربين واستشعار رقابته على الإنسان وعلمه بكل الخفايا مهما خفيت فلا تخفى على الله تعالى فقال يا بني إنها أي الخطايا والذنوب بل خصال الشر والخير والأعمال كلها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير وهذا مثال مادي مفهوم ضرب به حتى يثبت في قلب ابنه إن الذنوب مهما صغرت ومهما حاول صاحبها إخفاءها بكل الوسائل الممكنة فإنها لا تخفى على الله تعالى وحينئذ كن يا بني على علم بأن الله يعلم كل تصرفاتك ويرى كل حركاتك وسكناتك ويأتي بكل ذنوبك لتشهد عليك في يوم لا ينفع مال ولا بنون وكذلك يأتي بكل أعمالك الصالحة فتشفع لك فتكون من الفائزين في ذلك اليوم العظيم
وفيه استعمال الأشياء المفهومة للأولاد والألفاظ الواضحة وبعبارة أخرى أن يكون خطابهم باللغة التي يفهمونها هم وليس بلغة الكبار وهذا ما فعله سيدنا لقمان في وعظه لابنه حينما تحدث عن الأصوات المرتفعة الكريهة شبهها بأصوات الحمير وذلك لأن أصوات الحمير مفهومة جدا للأطفال وكريهة كذلك ومزعجة فاستعمل وسيلة التقبيح المفهومة لديهم وكذلك حينما نصحه بأن لا يشرك بالله تعالى ذكر بأن الشرك لظلم عظيم والظلم مفهوم بالفطرة ومستقبح لدى الجميع ثم بين بأن الشرك ليس ظلما عاديا بل هو ظلم عظيم وذلك لأن الظلم اعتداء على الحقوق وتجاوز عن الحدود وصرف الحق عن أهله وأن الشرك هو اعتداء على حق الخالق ومساواة ظالمة بين المخلوق والخالق وإعطاء حق العبادة للشريك الذي لا يستحقها وإخضاع للنفس الإنسانية المكرمة لعبادة الخسيس بدل الخضوع لخالقها وباريها.
وقد استعمل لقمان في هذا الموقف التربوي أسلوب الوعظ وهو أسلوب يتمثل في التذكير بوجوه الخير والزجر المقترن بالتخويف من وجوه الشر بأسلوب رقيق تغمره الرحمة يشعر معه الموعوظ بخوف الواعظ عليه وإشفاقه عليه رحمة به فتلمس الموعظة شغاف قلبه وتستقر في وجدانه لذلك يعد هذا الأسلوب الذي استخدمه ذلك الرجل الموصوف من قبل الله بالحكمة من أفضل وأحكم الأساليب التي تستخدم في التوجيه والإرشاد قديما وحديثا لأن الإنسان وخاصة الصغير إذا أحس حرص من يرشده عليه وإشفاقه به تمسك بمواعظه وتوجيهاته بحيث تصبح اتجاها من اتجاهاته وعادة من عاداته.
قوله تعالى حكاية عن لقمان يا بني يدل أنه على المربي أن يختار الألفاظ المحببة والمشوقة لدى المتربي وأن يشعره بأنه يحبه وأنه لا ينصحه إلا من باب حبه الكثير وأنه حتى لو تشدد معه فهو كالطبيب المعالج الذي تقتضي مصلحة مريضه أن يقوم باللازم حيث استعمل القرآن الكريم في البداية لفظ يا بني الذي كما يقول العلماء يدل على نداء المحبة والإشفاق وأن تصغير بني للتحبب ولبيان زيادة الحب والعطف.
ومن هنا فعلى المربين والمعلمين حتى ولو كانوا آباء للمتربين أن لا يستعملوا الألفاظ الجارحة أو حتى الألفاظ العادية بل يتفننوا في استعمال الكلمات الجميلة الراقية التي تدل على الاحترام والمحبة والإشفاق.
والمخاطبة بالبنوة في التربية هي طريقة الأنبياء في تربيتهم لأبنائهم وفي تعاملهم معهم
فإبراهيم لما أراد ذبح ابنه إسماعيل ناداه يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك الصافات ١٠٢
ونوح لما صعد السفينة نادي ابنه يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين هود ٤٢
ويعقوب مع أبنائه يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه يوسف ٨٧.
استحضار مراقبة الله تعالى وعدم الاستخفاف بالأعمال مهما صغرت قال تعالى يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير
هذه ركيزة أساسية من ركائز التربية الصالحة تأتي بعد قاعدة التوحيد التربوي أكد عليها لقمان لترسخ في نفس الابن المربي رسوخ الجبال في الأرض.
وهذه قاعدة تربوية أصلها لقمان في توجيهاته لابنه في الوقت الذي تكثر فيه النظريات التربوية الحديثة متخبطة بين نظرية ونظرية أو بين تجربة وتجربة لأنها لم تؤصل التربية ولم تبنها على أسسها الأولية السليم ولذا نراها تكثر المراقبة على الأجساد دون غرس الرقابة في الضمائر ومن هنا تضخم جهاز الرقابة لفساد الوجدان واختلال الشعور وتضخمت العقوبات لتضخم الجرائم وتلونت المشاكل لغياب المراقب الفعلي.
بعد أن خاطب لقمان وجدان ابنه في الوصية السابقة يستكمل هذا الخطاب في هذه الوصية فيبعث في نفسه الوازع على مراقبة حدود الله والوقوف




