منوعات

ابنتك ما تزال على قيد الحياة» — صبيّ مشرّد

قطع ماركوس حيرته قائلا هي التي أعطتني هذا. طلبت مني أن أجدك قبل أن ينقلوها إلى مكان آخر. إذا انتظرت الشرطة سيكون الأوان قد فات.
علا الاضطراب في الكنيسة وانتشرت الهمهمات في كل زاوية. رجال الأمن كانوا بانتظار إشارة منه لكن جوناثان لم يتحرك ولم يرفع عينيه عن السوار الذي يرتجف بين أصابعه. كان قلبه يخفق بشدة كأن شيئا كان ميتا داخله بدأ ينهض من جديد الأمل.
رفع رأسه نحو ماركوس وقال بصوت مرتجف إن كنت تكذب يا فتى سأدمرك. وإن كنت تقول الحقيقة توقف لحظة يضغط قبضتيه بقوة. فسأقلب الدنيا لأعيد ابنتي.

حاول الكاهن تهدئة الفوضى لكن جوناثان كان قد استدار بالفعل نحو الباب. انتهت مراسم الجنازة. ما بدأ كوداع أصبح بداية جديدة شرارة إيمان مستحيل بأن إميلي قد تكون ما تزال حية.
داخل الليموزين جلس جوناثان مقابل ماركوس والسوار الفضي بينهما. كانت يد الصبي ترتعش وثيابه متسخة وعيناه مرهقتان.
قال جوناثان بنبرة قاطعة أخبرني كل شيء.

مقالات ذات صلة

تنفس ماركوس بعمق وبدأ يروي. قبل ثلاثة أيام كان يجمع الخردة قرب أرصفة ميناء لونغ بيتش حين سمع صرخة مكتومة تأتي من مؤخرة شاحنة. اقترب بحذر ونظر عبر فتحة صغيرة فرأى فتاة مقيدة ومكممة. همست له باسمها إميلي هارتمان. ترجته أن يجد والدها وأعطته السوار قبل أن تغادر الشاحنة مسرعة.
بدأت تفاصيل كثيرة تتصارع في ذهن جوناثان. موت ابنته كان سريعا مرتبا بلا أسئلة. لا جثمان يشاهد ولا صور من موقع الحادث ولا تحقيقات واضحة. فقط تقرير رسمي وتعاز من شركائه.

اتصل برئيس أمنه الخاص دانيال ريفزرجل صارم عمل سابقا في مكتب التحقيقات الفيدرالي. حضر خلال ساعة وبدأ يستجوب ماركوس بأسلوبه البارد. كانت رواية الفتى ثابتة لا تتغير بل إنه ذكر تفاصيل لا يعرفها إلا إميلي ندبة صغيرة قرب حاجبها وعادتها في لف سوارها حين تكون متوترة.
سأله جوناثان بلهفة إلى أين أخذوها
تردد ماركوس قليلا ثم قال سمعت أحدهم يذكر مخزنا قرب سان بيدرو. قالوا إنهم سينقلونها قريبا.
تحجر وجه جوناثان. إذا نتحرك أسرع منهم.

تلك الليلة جلس وحده في مكتبه يتأمل صورة إميلي. لم يشعر بالحزن هذه المرة بل بالغضب. إن كانت حية فهذا يعني أن موتها كان تمثيلية محكمة. ولم يكن قادرا على التفكير سوى بخصومه وأعدائه الذين يملكون النفوذ الكافي لتزوير الحوادث وتقارير الشرطة. كان يعرفهم ويعرف أنهم بلا رحمة.
على الأريكة القريبة نام ماركوس تحت بطانية قديمة. كان منهكا لكن شجاعته لم تغب عن ذهن جوناثان. كان يتساءل لماذا خاطر فتى مشرد بكل شيء لأجل فتاة لا يعرفها
عند الفجر عاد ريفز بخرائط مراقبة لميناء سان بيدرو. وقف جوناثان قاسي الملامح وقال بصوت حاسم ننطلق الليلة.
لأول مرة منذ الحادث شعر أنه حي لا كرجل أعمال بل كأب.

كانت رائحة الصدأ والمياه المالحة تملأ الهواء حول الميناء. تحت جنح الظلام تسلل الثلاثة نحو مخزن مهجور أشار إليه ماركوس. كان هناك حارسان مسلحان يقفان أمام الباب.
أشار ريفز للصمت ثم انقض على أحدهما بضربة سريعة أطاحت به فيما جر جوناثان الثاني إلى الظل. دخلوا المخزن معا والأضواء الخافتة تكشف صفوف الصناديق المعدنية.
ثم سمع صوت مكتوم أشبه بأنين.
توقف جوناثان كأنه صعق. ذلك الصوت كان يعرفه كما يعرف نبض قلبه.
أبي!

صرخة ضعيفة لكنها واضحة.
اندفع جوناثان إلى الأمام غير آبه بتحذيرات ريفز. خلف مجموعة من

لحاويات وجد إميلي مربوطة إلى كرسي وجهها متورم وعيناها حمراء لكنها حية.
إميلي! صاح وهو يفك القيود عنها. ارتمت بين ذراعيه تبكي.
ظننت أنك لن تأتي جعلوني أشاهد الحادث وهم يقولون إنك ستظن أنني مــ,ت. كل شيء كان مزيفا الجــ,ثة الحادث كله.
احترق قلب جوناثان غضبا وارتجافا. غادروا المكان وسط أصوات سيارات الشرطة التي استدعاها ريفز سرا وقد أعد لهم طريقا آمنا للهــ,رب.

في القصر كانت الأضواء خافتة كأن المكان نفسه يحاول أن يحافظ على سكينة هشة بعد ليلة مضطربة. الأطباء كانوا يتحركون حول سرير إميلي بسرعة محسوبة يتبادلون كلمات قصيرة ويجرون فحوصاتهم بدقة. الأجهزة تصدر أصواتا رتيبة والصمت بين تلك الأصوات كان أثقل من أي ضوضاء.
إميلي مستلقية هناك شعرها الذهبي مبعثر على الوسادة وجسدها الهزيل يشهد على الأيام التي قضتها في خوف وظلام. رغم ذلك كانت عيناها تتحركان ببطء تتفحص كل شيء حولها كأنها تتحقق من أنها حقا في أمان وأن هذا ليس جزءا آخر من الكابوس.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى