أخبار

أطعمتُ مشرّدًا 90 يومًا… وفي اليوم الـ91 أنقذني …

والدك لم يمت في حاډث. كان مبلغا عن مخالفات داخل شركة إيثلغارد للأدوية وهي الشركة المالكة لهذا المستشفى. اكتشف أنهم يزورون بيانات التجارب السريرية. كانت هناك أدوية تطرح في الأسواق دون نتائج حقيقية تقارير معدلة مرضى يستخدمون كأرقام. حين بدأ يجمع الأدلة علم أنهم سيراقبونه. أخفى القرص الرئيس الذي يحتوي على النسخة الأصلية من البيانات وكان يعلم أنهم سيبحثون عنك يوما ما.
حدق في وجهي وأضاف
كان يعلم أنهم سيأتون إليك حين تبلغين الثلاثين.
تسمرت في مكاني.
بالأمس كان عيد ميلادي الثلاثين.
كل رسائل التهنئة الكعكة الصغيرة التي اشتريتها لنفسي المكالمة القصيرة مع خالتي كل ذلك بدا فجأة بلا معنى.
الانفجار لم يكن تسرب غاز تابع بصوت منخفض بل كان فريق تنظيف. عملية صامتة محسوبة. ظنوا أنك تملكين القرص. لم يدركوا أنك تحملينه على مرأى منهم منذ ثلاثة أشهر.
ماذا تقصد همست وشعور بارد يتسلل إلى أطرافي.
تقدم نحو سلة المهملات المعدنية في الزقاق حيث كنت قد رميت كيس عشاء الأمس. أخرج منها الترمس الذي كنت أملأه له كل ليلة. الترمس الفضي القديم الذي وجدته بين أغراضي حين انتقلت إلى شقتي الجديدة. لم أكن أعرف أنه كان ضمن

أشياء طفولتي.
فك سيلاس قاعا زائفا لم أكن أعلم بوجوده.
داخل الترمس ظهر قرص فضي صغير أنيق يحمل نقشا دقيقا.
هذا هو قال بهدوء القرص المشفر. والدك أخفاه بين أغراض طفولتك. حين انتقلت إلى تلك الشقة حملته معك دون أن تعي. بدأت تستخدمين هذا الترمس يوميا إلى العمل إلى البيت. كنت تمرين به أمام الكاميرات أمام الحراس أمام كل من يراقبك دون أن يشك أحد.
شعرت بدوار خفيف.
كنت هنا تسعين يوما أضاف لا لأنني كنت جائعا بل لأتأكد من أن فرق التنظيف لن تصل إليك قبل أن أحصل على مفاتيح فك التشفير. كانوا يراقبون المبنى. يراقبون تحركاتك. ينتظرون اللحظة المناسبة.
إذن ابتلعت ريقي كان كل شيء تمثيلا الشاي الشطائر الكلمات هل كنت تؤدي عملك فقط
نظر إلى القرص ثم إلي.
وللمرة الأولى رأيت في عينيه شيئا لا يشبه المهمة ولا الحسابات.
انتهت المهمة قبل أسبوع يا كلارا. كانت لدي أدلة كافية لإسقاطهم. كان
بإمكاني المغادرة. لكنني بقيت الأيام السبعة الأخيرة لأنني أدركت شيئا واحدا إن رحلت ستعودين إلى شقتك وسيجربون خطة أخرى. بقيت لأنني لم أعد أراك هدفا. بقيت لأنك كنت الوحيدة التي نظرت إلي ورأت إنسانا لا ملفا ولا شبحا.
صمت لحظة قصيرة ثم أضاف بابتسامة خاڤتة
وبقيت من أجل شطائر الديك الرومي.
لم أعرف هل أضحك أم أبكي. كان في كلامه خيط رفيع يجمع بين الجد والهزل بين نهاية مهمة وبداية شيء لا اسم له بعد.
مد إلي جواز سفر جديدا يحمل اسمي وصورة التقطت لي منذ أيام دون أن أدري. لم أتذكر أنني وقفت أمام عدسة ما ولم أشعر يوما بأنني مراقبة إلى هذا الحد. ثم سلمني مجموعة مفاتيح ثقيلة باردة كأنها مفاتيح أبواب لم أفتحها بعد.
القرص أصبح في عهدة السلطات الفيدرالية. في هذه اللحظة تداهم مقار إيثلغارد. ستفتح التحقيقات وستنكشف الأسماء. أنت الوريثة القانونية لكل ما كان يملكه والدك بعد تجميد دام سنوات. ستكونين ثرية جدا يا كلارا. لكن الأهم من الثروة أنك حرة.
حرة.
ترددت الكلمة في داخلي كصدى طويل لا ينتهي.
حرة من المراقبة.
حرة من الخطړ الذي لم أكن أعرف بوجوده.
حرة من حياة كنت أظنها عادية فإذا بها كانت فخا محكما.
انطلقت السيارات السوداء بهدوء واحدة تلو الأخرى تاركة خلفها الزقاق فارغا كما لو لم يكن مسرحا لأكبر انقلاب في حياتي. اختفى الرجال ذوو البدلات الداكنة واختفى الجهاز اللوحي واختفى ذلك الحضور الرسمي الذي ملأ المكان قبل لحظات. بقيت وحدي أستعيد أنفاسي.
نظرت إلى المكان الذي كان فيه صندوقه الخشبي إلى الجدار الذي كان يستند إليه إلى البقعة التي كنت أضع فيها الترمس كل ليلة. بدا الزقاق فجأة أصغر أكثر ضيقا كأن السر الذي احتضنه طوال تسعين يوما قد غادره.
لم أعد شبحا في المستشفى.
لم أعد تلك المرأة التي تمر بين الأنابيب الزجاجية

وأجهزة الطرد المركزي والملفات الإلكترونية دون أن يلاحظها أحد.
ولم يعد سيلاس الرجل صاحب المعطف الممزق الذي يختبئ بين الظلال.
كنا كل بطريقته نبدأ من جديد.
لكن البداية ليست دائما سهلة. الحرية حين تأتي دفعة واحدة تشبه الهواء النقي بعد احتباس طويل قد تشعر بالدوار قبل أن تشعر بالارتياح.
عدت إلى داخل المستشفى لأستقيل. لم يكن القرار مفاجئا بقدر ما كان حتميا. دخلت المختبر للمرة الأخيرة نظرت إلى الأجهزة التي رافقتني ثلاث سنوات إلى شاشة الحاسوب التي حفظت أزرارها عن ظهر قلب إلى الكرسي الذي جلست عليه في ليال طويلة وأنا أظن أن أكبر همومي هو عدد العينات المتأخرة.
كانت حياتي السابقة تقف أمامي كصورة ثابتة بسيطة منظمة محدودة. لم أكن أعلم أن تحتها طبقات من الأسرار وأن اسمي كان مكتوبا في ملفات لا أعرفها.
سلمت بطاقتي وخرجت دون أن ألتفت. لم أشعر بالحزن. شعرت بخفة غريبة كأنني أخلع جلدا قديما.
في الأيام التالية بدأت الحقيقة تتكشف عبر الأخبار.
صور المداهمات.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى