أخبار

ظننت ان المال

الذي كنّا نرسله طوال السنوات الماضية كان يمنحها حياةً هادئة. لكن حين عدنا، وجدنا فقرًا وجوعًا وبيتًا يكاد ينهار. كان كلّ ذلك خداعًا من شخص وثقنا به من أعماق قلوبنا. سنواتٌ طويلة اعتقدنا أن المال الذي نرسله يحميها، أن كل تحويلٍ مصرفيّ كان طبقةً إضافية تقيها برد الشتاء، والجوع، والوحدة. ظنَنّا أن الأوراق النقدية يمكن أن تتحول إلى سقفٍ آمن، وطعامٍ دافئ، ودواء… وطمأنينة.

آمنا أن المال يمنحها السلام.
أنه يرفع عنها القلق.
أنه يعوّض غيابنا.
تصوّرنا أن ذلك يكفي.
أن برّ الأبناء يعني إرسال المال في موعده كل شهر.
لكننا كنا مخطئين.
في ذلك اليوم، كان الحرّ لا يُحتمل.
لم يكن شمسَ مدينة مكسيكو وحدها وهي تسكب لهيبها فوق الأرصفة، فيرتدّ عن الإسفلت ويتسلل إلى الصدور.
كان هناك شيءٌ آخر.
ثِقَلٌ في الصدر.
ضغطٌ صامتٌ مستمرّ.
كأن السماء تريد أن تحاسبنا، واحدًا تلو الآخر، عن كل عامٍ ابتعدنا فيه.
خمسة أعوام.
خمسة أعوام بعيدين عن البيت.
خمسة أعوام لم نجلس فيها إلى المائدة معها.
خمسة أعوام لم ننظر في عينيها حقًّا.
خمسة أعوام ونحن نصدّق أن المال يمكن أن يحلّ محلّ الحضور،
أن التحويل البنكي يمكن أن يعانق،
أن إيصال الدفع يمكن أن يقول: «أحبك».
اسمي رافا.
أبلغ الخامسة والثلاثين من عمري، وأعمل مهندسًا.
عشتُ سنواتٍ طويلة في دبي، بين ناطحات سحابٍ تكاد تلامس السماء، وحديدٍ لامع، وزجاجٍ مصقول، وأرقامٍ دقيقة.
هناك كل شيء يُقاس:
الوقت،
المال،
العائد.
تعلّمتُ أن ما لا يُنتج لا قيمة له.
ودون أن أشعر، بدأتُ أقيس الحياة بالطريقة ذاتها:
ساعات العمل،
الراتب،
المكافآت،
النتائج.
ظننت أنني أفعل الصواب،
وأنني أؤدي واجبي.
لكنني كنت مخطئًا.
عدتُ إلى المكسيك برفقة شقيقيَّ.
ميلا، الكبرى. قويةٌ دائمًا، مسؤولةٌ دائمًا، تحمل أكثر مما يجب عليها أن تحمل.
وميغي، الأصغر. صامتٌ، طيبٌ، بقلبٍ كبيرٍ يكاد لا يسعه صدره.
نزلنا من الطائرة بحقائب ممتلئة وابتساماتٍ متوترة.
كان في الهواء شوقٌ طفوليّ لم نشعر به منذ سنوات.
أردنا أن نفاجئ أمّنا،
أن نعانقها دون موعدٍ مسبق،
أن نرى وجهها حين ترانا ندخل.
في الطائرة لم نتوقف عن ذكرها،
كأن تكرار اسمها يقرّب المسافة.
قالت ميلا:
— لا بد أنها أصبحت بخير. مع كل ما أرسلناه، لا ينبغي أن ينقصها شيء.
هزّ ميغي رأسه صامتًا وهو ينظر من النافذة.
ابتسمتُ أنا…
لكن شيئًا في داخلي لم يكن مطمئنًا.
طوال خمسة أعوام، كنّا نرسل المال كل شهر تقريبًا،
دون انقطاع،
دون أعذار.
كنت أرسل أربعين ألف بيزو مكسيكي،
وأحيانًا أكثر حين أحصل على مكافآت أو أعمل ساعاتٍ إضافية.
كانت ميلا ترسل بين خمسةٍ وعشرين وخمسين ألفًا، حسب الشهر.
أما ميغي، فلم يتأخر يومًا عن نصيبه رغم دخله الأقل.
في الأعياد،
وأعياد الميلاد،
وفي كل طارئ،
كان هناك دائمًا تحويلٌ جديد.
حسبنا الأرقام في سيارة الأجرة، كأن الأمر لعبة.
جمعٌ سريع.
رقمٌ جعلنا نهزّ رؤوسنا بفخر.
أكثر من ثلاثة ملايين بيزو خلال خمسة أعوام.
في خيالي، كانت أمّنا تعيش في بيتٍ لائق،
جدرانه ثابتة،
وسريرٌ حقيقي،
وطعامٌ ساخن،
وأدويةٌ متوفرة،
وربما قليلٌ من الطمأنينة.
كانت تستحق ذلك.
فقد عملت طوال حياتها لتربّينا وحدها بعد وفاة أبي.
لم تشتكِ يومًا،
ولم تطلب شيئًا.
لكن سيارة الأجرة واصلت سيرها…
وبدأت المدينة تتغيّر.
اختفت الشوارع الواسعة.
تضاءلت المباني.
ثم لم يعد هناك مبانٍ أصلًا.
أزقّةٌ ضيقة،
وبيوتٌ من صفيحٍ وخشبٍ وكرتون،
وبركٌ آسنة تعكس السماء،
ونفاياتٌ متراكمة في الزوايا،
وأطفالٌ حفاة يلعبون في الوحل كأنهم لم يعرفوا غيره.
انعقدت معدتي.
إحساسٌ ثقيلٌ داكن لا يُفسَّر.
سأل ميغي بقلق:
— أمتأكد أنه هنا؟
أومأ السائق دون أن يلتفت:
— هذا هو العنوان الذي أُعطي لي.
توقفت السيارة.
نزلنا.
لفحنا الحرّ بوجهٍ خانق،
والهواء مشبعٌ برائحة الرطوبة والإهمال.
نظرتُ حولي غير مصدّق.
لا شيء…
لا شيء يشبه الحياة التي تخيلتها لأمّنا.
اقتربتُ من امرأةٍ مسنّة تجلس أمام أحد البيوت،
جلدها مجعّدٌ من الشمس، ويداها ترتجفان قليلًا.
— عذرًا… هل تعيش هنا فلورينسيا سانتيان؟
نظرت إلينا طويلًا،
إلى وجوهنا،
وحقائبنا،
وثيابنا.
وامتلأت عيناها بالدموع.
— من أنتم؟
قلتُ بصوتٍ خافت:
— نحن أبناؤها.
انفجرت بالبكاء.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى