
لف من حوالين التربيزة بسرعة مكنتش متوقعاها. جيت أقوم، بس مسك إيدي، ولوى دراعي ورا ضهري، ورزعني على الكرسي. لسه فاكرة ريحة برفيومه وصوت الحبل وهو بيحك في جلدي. كان بيتحرك بثقة ترعب، كأنه ممرن نفسه على الحركة دي مية مرة في خياله.
قالي: “كان المفروض تخلي الموضوع أسهل من كدة.”
جرني لحد الجراج ورماني في الكنبة اللي ورا في عربيته. صرخت مرة واحدة، بس البيت كان مبني على مساحة 3 فدان ومسحور بأسوار، ومحدش كان قريب كفاية عشان يسمعني. وطول السكة كان عمال يتكلم.. عن مجلس الإدارة، عن الضرائب، وعن إني “عاطفية زيادة” ومش هعرف أدير اللي جاي.
عند الكوبري، الهواء كان بيقطع في فستاني الأسود. نزلني من العربية، ورزق الورق في صدري لآخر مرة وقالي: “امضي يا كلير.”
بصيت في عينه مباشرة وقلت الكلمة الوحيدة اللي لسه بملكها: “لأ.”
وشه قلب حجر.
قالي: “وداعاً.. دلوقتي إمبراطورية بابا كلها بقت ملكي.”
وبعدها زقني من فوق السور.
خبطة المية كانت كأنها خرسانة. الصدمة سرقت نَفَسي. غطست لتحت جامد، وإيدي كانت بتتحرق من الحبل، والتيار كان بيشد في بالطويا وجزمتي. قعدت أخبط برجلي عشان أطلع للسطح، وشرقت في المية العكرة، وسمعت صوت العربية وهي بتجري بسرعة فوقيا. رئتي كانت بتصرخ.. وإيدي لسه مربوطة. نور الكوبري كان باين كأنه خطوط ذهبية فوق النهر
الأسود.
وفجأة، وسط الضلمة، شفت شعاع نور أبيض بيتحرك فوق المية، وسمعت صوت راجل بيزعق: “هناك! لسه بتتحرك!”
النور الأبيض اللي كان بيقرب مني مكنش خيال، ده كان كشاف مركب صيد صغير “تراولر” شغال في الوردية الليلية. الصيادين في نهر الميسيسيبي عارفين إن النهر ده غدار، وعارفين إن اللي بيقع فيه بالليل مابيرجعش. بس الحظ، أو يمكن دعواتي اللي كانت محبوسة في صدري، خلت المركب دي تكون في طريقي.
رموا طوق نجاة، واتنين صيادين نزلوا المية وسحبوني والدموع مختلطة بمية النهر المالحة على وشي. الحبل كان معلم في معصمي، وجسمي كان بيتنفض من البرد والصدمة. أول ما طلعت على سطح المركب، الصياد العجوز بصلي بذهول وقالي: “يا ست هانم، إنتي مين؟ وإيه اللي رماكي هنا في الوقت ده؟”
حاولت أتكلم، بس صوتي كان رايح. شاورت له على إيدي المربوطة، فهم إن الموضوع مش حادثة، دي جريمة قتل. غطوني ببطاطين صوف خشنة، وشربوني قهوة سخنة مرة، وطول الطريق للميناء الصغيرة وأنا عقلي شغال زي المكنة.
رايان فاكر إني مِت. هو دلوقتي راجع البيت عشان يفتح إزازة الشمبانيا ويحتفل بكونه “الملك الوحيد”. هو ميعرفش إن “كلير ميرسر” مش بس شريكة في الشركة، دي ست بتعرف تلعب شطرنج كويس قوي، وهو لسه بيتعلم يحرك العساكر.
قلت للصياد بصوت مبحوح: “ماتكلمش الشرطة دلوقتي.. أرجوك. وديني لعنوان في سانت لويس،
ومحدش لازم يعرف إني عايشة.”
المواجهة الصامتة
وصلت لبيت “ماركوس”، المحامي الشخصي ليا ولدانيال من 20 سنة، والصديق الوحيد اللي كنت أثق فيه. ماركوس لما فتح الباب وشافني بالمنظر ده، فستاني المقطع وشعري المبلول المليان طين، كان هيقع من طوله.
دخلت، استحميت، لبست لبس من مراته، وقعدنا في المكتب.
ماركوس قالي وهو إيده بتترعش: “كلير، ده شروع في قــ,تل! لازم نبلغ فوراً.”
قلت له بهدوء غريب: “لأ يا ماركوس. لو بلغت دلوقتي، رايان هيوكل أغلى محامين في البلد، وهيقول إني كنت بحاول انتحر من اكتئاب مابعد الوفاة وهو حاول ينقذني، والقضية هتفضل سنين في المحاكم والشركة هتنهار. أنا عايزة أدمره باللي هو بيحبه.. بالشركة.”
سألت ماركوس: “الاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة إمتى؟”
رد عليا: “بكرة الصبح الساعة 9. رايان دعا ليه عشان يعلن “وفا,تك المفاجئة” ويطلب تنصيبه رئيس تنفيذي وحيد.”
ابتسمت بوجع وقلت له: “تمام.. جهزلي الأوراق اللي هقولك عليها.”
ليلة الحساب
رايان رجع القصر، دخل المكتب بتاع أبوه، ورمى الجاكيت بتاعه بانتصار. قعد على الكرسي الجلدي الكبير، وبدأ يتدرب قدام المراية على “نبرة الحزن” اللي
هيقول بيها لمجلس الإدارة إن كلير ميرسر “اختفت” أو “انتحرت” من حزنها على دانيال.
كان متخيل إن الطريق فاضي، والـ 400 مليون دولار بقوا في جيبه.
تاني يوم الصبح، في مقر شركة “ميرسر” العملاق، مجلس الإدارة كله كان قاعد. وجوههم شاحبة، والهمس مالي القاعة. رايان دخل القاعة وهو لابس أسود كامل، وعامل نفسه مكسور ومرهق.
وقف في راس التربيزة وقال بصوت واطي ومصطنع: “أعضاء المجلس الأعزاء.. بقلب حزين ببلغكم إن مأساة تانية ضربت عيلتنا. كلير، شريكتنا الغالية، مأدرتش تتحمل فراق بابا.. النهاردة الصبح العربية بتاعتها اتلقت فاضية عند الكوبري، والشرطة لسه بتدور على…”
وفجأة، الباب الكبير للقاعة اتفتح.
صوت الكعب العالي وهو بيخبط على الرخام كان زي دقات الساعة اللي بتعلن وقت الحساب.
رايان اتجمد مكانه. وشه اتحول من اللون الأبيض للون الرمادي، وبعدها للأزرق. كان بيبص للباب كأنه شايف شبح طالع من القبر.
دخلت وأنا لابسة بدلة رسمية حمراء كأنها لون الدم، وشعري مرفوع بمنتهى الشياكة، ومفيش على وشي أي أثر للتعب، غير نظرة عين بتخترق الروح.
قلت بهدوء مرعب: “كمل يا رايان.. الشرطة
بتدور على إيه؟”
الصمت في القاعة كان لدرجة إنك تسمع صوت أنفاس رايان المكتومة.
واحد من أعضاء المجلس قام وقف وقال: “كلير! إنتي بخير؟ رايان لسه كان بيقول…”
قاطعته وأنا بفتح شنطتي وبطلع منها “فلاش ميموري”: “رايان كان بيحكي لكم قصة خيالية. بس أنا عندي الحقيقة بالصوت والصورة.”
المفاجأة الكبرى
رايان حاول يجمع شتات نفسه وزعق: “إنتي مجنونة! إنتي إزاي.. إزاي جيتي هنا؟”
قربت منه لحد ما بقيت في وشي وشك، وهمست له بحيث المجلس كله يسمع: “المية كانت ساقعة قوي يا رايان.. بس الغل اللي في قلبي كان مدفيني.”
طلعت الورق اللي ماركوس جهزه.
“يا سادة، قبل سنة، دانيال الله يرحمه كان شاكك في تصرفات ابنه المالية. فـ ركبنا كاميرات مراقبة خفية بتسجل بالصوت والصورة في العربية الـ SUV بتاعته وفي مكتب البيت كإجراء احترازي. الكاميرا اللي في العربية سجلت كل حاجة من أول ما ربطني لحد ما رماني من فوق الكوبري، والسيستم رفع الفيديو فوراً على “السحابة” (Cloud) الخاصة بمكتب المحاماة.”
فتحت الشاشة الكبيرة في القاعة، وظهر فيديو رايان وهو بيجرني وبيربطني وبيصرخ فيا بملامح شيطانية.
أعضاء المجلس بصوا لبعض بذهول وقرف.
رايان بدأ ينهج، وحاول يهرب ناحية الباب، بس لقى اتنين من رجال الأمن بتوع الشركة واقفين سادين الطريق، ومعاهم اتنين بملابس مدنية من شرطة “سانت لويس”.
قلت له وأنا ببتسم ببرود: “أنا مش بس هسجــ,نك يا رايان.. أنا رفعت دعوى “حرمان من الميراث” بسبب محاولة القــ,تل العمد. يعني الـ 50% اللي كنت هتاخدهم من بابا، مابقتش تملك فيهم مليم واحد. الشركة دي دلوقتي ملكي بنسبة 100%.”
النهاية والنصر
رايان اتسحب بالكلبشات قدام الموظفين اللي كان بيحاول يسيـ,طر عليهم من ساعات. منظره وهو بيصرخ وبيرفس كان مثير للشفقة.
رجعت قعدت على كرسي رئاسة مجلس الإدارة، الكرسي اللي كان ملك دانيال.
بصيت للمستثمرين المذهولين وقلت لهم: “دلوقتي، خلينا نتكلم في الشغل. شركة ميرسر عندها تشكيلة أحذية جديدة لازم تنزل السوق الأسبوع الجاي، وإحنا اتأخرنا كتير.”
من اليوم ده، مابقاش حد بيقول عليا “مرات صاحب الشركة”. بقوا بيقولوا “كلير ميرسر.. الست اللي رجعت من الموت عشان تحمي إمبراطوريتها”.
أما رايان، فبقى بيقضي أيامه ورا القضبان، بيفتكر اللحظة اللي قرر فيها
يرمي “مشكلة” في النهر، ومكنش يعرف إن المشكلة دي هي اللي هتغرقه في الآخر.




