
كنت ماشية راجعة البيت في الحر اللي يخىق، الشمس ضىىاربة في دماغي، وهىدومي لازقة في جسمي من العرق. أول ما فتحت باب الشىىقة… ريحة اللحمة المشوية ضىىربت في مناخيري، ريحة تخلي أي حد جعان يجن. بطني اتقىبضت… مش من الجوع بس… من إحىساس قديم عارفاه كويس. دخلت الصالة… لقيت أختي “سارة” قاعدة قدام سفرة مليانة أكل، قدامها طبق فيه قطعة لحمة كبيرة، بتقطع فيها براحتها، والعصارة مالية الطبق.
-
علاج قرحة المعدة : تناول كرشة الخروفمنذ 23 ساعة
-
جد صاحبتيمنذ يومين
-
طيارةمنذ يومين
ولا حتى رفعت عينيها تبصلي.
دخلت المطبخ… وأنا بدوّر على أي حاجة.
لقيت طبقي… شريحة عيش ناشفة، وعليها نقطة مايونيز كأنها صدقة.
وقفت شوية… وبعدين قلت بصوت واطي: “فين باقي الأكل؟”
الصمت كان تقيل.
أبويا كان واقف عند الحوض… لف عليّ ببطء، ونظرة عينه خلتني أندم إني اتكلمت.
“إنتي بتسأليني أنا؟”
بلعت ريقي… بس المرة دي ما سكتش.
“هو مش عدل… ليه سارة تاكل لحمة وأنا آخد… ده؟”
سارة ضحكت من الصالة: “عشان أنا مش شبهك.”
أمي شربت العصير… ولا كأن في حاجة.
أبويا قرب… صوته واطي بس قىاسي: “اللي ملوش قيمة… ياخد على قد قيمته.”
الكلمة نزلت عليّ أقىىىى من أي ضىىربة.
وقفت مكاني… مش قادرة أرد… ولا حتى أعيط.
بصيت لطبقي… وبعدين ليهم… وحسيت إني فعلًا ولا حاجة.
سيبت الأكل… ولفيت.
ولا حد وقفني.
ولا حد قال: استني.
طلعت على السلم… وكل خطوة كنت بحسها بتفصلني عنهم أكتر.
أول مرة… ما أرجعش.
عدّت ساعات… وبعدين أيام.
ولا اتصال. ولا سؤال.
كأني ماكنتش موجودة أصلًا.
كنت قاعدة في أوضة صغيرة فوق سطح عند ست كبيرة اسمها “الحاجة أمينة”.
أول ما شافتني… قالت: “تعالي يا بنتي… إنتي شكلك موجىوعة أوي.”
مكنتش عارفة أقولها إيه… أقولها إني موجىوعة من جوا؟
هي فهمت من غير كلام.
أكلتني… غطتني… وقعدت جنبي.
وأول مرة… حد يعاملني كإنسانة.
عدّى شهر…
ابتديت أقف على رجلي.
اشتغلت أي حاجة… تنظيف، مساعدة في محل، لف ورق، أي حاجة بالحلال.
كل يوم كنت بتعب… بس لأول مرة تعبي ليه معنى.
وكل يوم كنت بقول لنفسي: “أنا مش قليلة… أنا بس كنت في مكان غلط.”
وفي يوم…
كنت واقفة في المحل، لقيت عربية وقفت قدام الباب.
نزلت منها أمي.
وقفت قدامي… شكلها اتغير… أهدى… مكىسور.
قالت: “تعالي نروّح يا ليلى…”
بصتلها… وسكت.
كملت: “أبوكي تعب… وسارة سابت البيت.”
ضحكت ضحكة خفيفة: “وأنا مالي؟”
دموعها نزلت: “غلطنا يا بنتي…”
قربت خطوة… وبصيت في عينيها: “لما كنت محتاجة كلمة… كنتي فين؟”
سكتت.
“لما اتقال إني ماليش قيمة… إنتي وافقتي.”
لفيت ضهري: “أنا اتولدت عندكم… بس عمري ما كنت بنتكم.”
ومشيت.
من اليوم ده…
ليلى القديمة اختفت.
واتولدت واحدة تانية.
واحدة مبتستناش حد يدّيها قيمة. واحدة بتخلق قيمتها بنفسها.
بعد سنة…
فتحت محل أكل صغير.
وكل يوم… أعمل وجبة زيادة…
وأكتب عليها: “للي مالوش حد… الأكل ببلاش.”
وفي يوم…
دخل راجل كبير… باين عليه التعب.
بصيت له… واتجمدت.
كان أبويا.
بس شكله اتغير… بقى أضعف… أهدى… وكأن الحياة علمته اللي عمره ما فهمه.
بصلي وقال: “ممكن… آكل؟”
بصيت له شوية…
وحطيت قدامه طبق.
عيش… ومايونيز.
زي زمان.
بصلي… وسكت.
وقتها قلت بهدوء: “العدل… بيتفهم متأخر أوقات.”بصلي… وسكت.
إيده كانت بترتعىش وهو ماسك طرف الترابيزة… كأنه مستني حكم عليه.
وقتها قلت بهدوء: “العدل… بيتفهم متأخر أوقات.”
فضل باصص في الطبق قدامه… ما مدّش إيده ياكل.
رفع عينه ليا ببطء… وقال بصوت مكىسور عمرى ما سمعته منه قبل كده: “أنا غلطت…”








