قصص و روايات

قبلتُ تنظيف بيت عجوز مقابل 200 بيزو…

كانت ثلاجتها في أغلب الأحيان شبه فارغة.

بضع بيضات فقط.

وبعض الخضار الذابلة.

وفي كثير من الأيام كان طعامها بسيطًا جدًا.

وفي أحد الأيام سألتها لماذا تعيش بهذه الطريقة.

تنهدت بهدوء وقالت:

— أبنائي يعيشون بعيدًا… ولا أريد أن أكون عبئًا عليهم.

شعرت بتأثر كبير.

ومنذ ذلك اليوم، وبعد أن أنتهي من التنظيف، كنت أبقى قليلًا.

أذهب إلى السوق.

أشتري بعض الطعام.

وأقوم بطهيه لها.

كانت السيدة كارمن تحب ذلك كثيرًا.

كانت عيناها تلمعان كلما تذوقت الحساء الساخن.

وأحيانًا، عندما كانت تشعر بتعب شديد، كنت أنا من يأخذها إلى المستشفى الحكومي.

كنا ننتظر ساعات طويلة حتى تحصل على أدويتها.

وفي إحدى الأمسيات، بعد خروجنا من المستشفى، أمسكت بيدي.

كانت أصابعها باردة وهشة.

وقالت بابتسامة حزينة:

— أنت تشبه ابني الأصغر كثيرًا… لقد كان هو أيضًا شابًا طيبًا.

مرت الشهور.

أسبوعًا بعد أسبوع.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير أبدًا.

السيدة كارمن لم تدفع لي المال.

ولا مرة واحدة.

كثيرًا ما فكرت في سؤالها.

كنت بحاجة إلى ذلك المال.

لكن في كل مرة كنت أراها بهذا الضعف… لم أستطع أن أطلب منها شيئًا.

لذلك واصلت مساعدتها.

حتى جاء اليوم الذي انتهى فيه كل شيء.

في إحدى الأمسيات وصلت إلى منزلها، ولاحظت أن الباب كان مفتوحًا قليلًا.

دخلت وأنا أناديها:

— يا سيدة كارمن؟

لم يجبني أحد.

وجدتها على سريرها، ساكنة بهدوء.

وأكد طبيب الحي أنها قد فارقت الحياة.

ظننت أن كل شيء انتهى.

وأن تلك الأشهر الطويلة من العمل قد مرت دون مقابل.

لكن بعد ذلك أعطتني إحدى الجارات شيئًا.

قالت لي:

— السيدة كارمن تركت هذا لك.

كان ظرفًا.

وعليه اسمي مكتوب بخط يدها.

فتحته ببطء.

وما قرأته في تلك الرسالة…

جعل يدي ترتجفان.

لأن السيدة كارمن كانت تخفي سرًا طوال تلك الأشهر.

سرًا لم يكن أحد في ذلك الزقاق يعرفه.

سرًا كان على وشك أن يغير حياتي.

كان الظرف مائلًا إلى الاصفرار ومجعدًا قليلًا من أطرافه.

حملته بين يدي لبضع ثوانٍ دون أن أفتحه.

شعرت بثقل في صدري.

مزقت حافة الظرف.

في الداخل كانت هناك ورقة مطوية… ومفتاح معدني صغير.

فتحت الرسالة.

“عزيزي دييغو:

إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد في هذا العالم.

أعلم أنك خلال الأشهر الماضية ساعدتني كثيرًا، رغم أنني لم أدفع لك المال الذي وعدتك به.

لم يكن ذلك لأنني لم أرد أن أدفع لك، بل لأنني كنت بحاجة إلى أن أعرف أي نوع من الأشخاص أنت.

لقد انتظرت سنوات طويلة لأجد شخصًا مثلك.

قبل سنوات فقدت ابني الأصغر.

ومنذ ذلك الوقت تغيرت حياتي كثيرًا.

لكن قبل أن يرحل زوجي، ترك شيئًا مُعدًّا مسبقًا.

كان قد فتح حساب توفير باسم ابننا الأصغر.

ذلك الحساب لم يُستخدم.

انتظرت طويلًا لأجد شخصًا يذكرني به.

شخص يساعد دون أن ينتظر شيئًا في المقابل.

شخص يملك قلبًا صادقًا.

ذلك الحساب أصبح الآن لك.

المفتاح الذي وجدته يفتح صندوق الأمانات رقم 317 في البنك الوطني في وسط المدينة.

في الداخل ستجد الوثائق اللازمة.

لا تعتبره أجرًا.

اعتبره هدية من أم وجدت، ولو للحظة، ابنًا كانت تفتقده.”

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى البنك.

بعد بعض الإجراءات، تم فتح صندوق الأمانات.

وجدت الوثائق.

وقال الموظف:

— مع الفوائد المتراكمة… يحتوي الحساب على ما يقارب مليوني بيزو.

شعرت بالدهشة.

لم أكن أتخيل رقمًا كهذا.

خرجت من البنك وأنا أفكر في كل ما حدث.

تذكرت كل لحظة.

كل زيارة.

كل مرة ساعدتها فيها.

لم أفعل ذلك من أجل المال.

بل لأنها كانت بحاجة إلى المساعدة.

وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا:

أن الأفعال التي نقوم بها بإخلاص، دون انتظار مقابل، تعود إلينا أحيانًا بطرق غير متوقعة.

في المساء عدت إلى الزقاق.

وقفت أمام منزلها.

كان هادئًا كما كان دائمًا.

نظرت إلى الباب المغلق.

وشعرت بشيء دافئ في داخلي.

لم يكن المال هو الأهم.

بل المعنى الذي فهمته.

أنها لم تكن تبحث عن شخص يساعدها فقط…

بل عن قلب طيب.

قلب يذكرها بابنها.

وربما…

وجدت ذلك أخيرًا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى