
وسرعان ما تحوّل هذا الإحساس بالفشل إلى نقمة على المسؤولة عما جرى كله، إلينا.
وفي تلك اللحظة من الهشاشة القصوى، ظهر الظل.
لم تمشِ دونيا غيرتروديس، بل انزلقت كما تنزلق الكواسر حين تشمّ الدم.
دخلت الغرفة بدقة مفترس، تحمل كأس ماء مثلجًا على صينية فضية لامعة.
كان زيها الرمادي الداكن ناصعًا لا تشوبه تجعيدة واحدة، في تناقض صارخ مع الفوضى التي خلفتها إلينا.
أما وجهها، المحفور بخطوط المرارة المختبئة خلف قناع من الخدمة الكفؤة، فقد أظهر رضًا شريرًا لم يستطع روبرتو، في يأسه، أن يقرأه.
قالت بصوت منخفض ناعم وهي تضع الصينية على الطاولة الصغيرة بصوت رنين خفيف
سيد روبرتو اشرب قليلًا من الماء، تبدو شاحبًا. لقد قلت لك إن عودتك من الرحلة بهذه الطريقة ستكون قاسية.
تناول روبرتو الكأس.
كانت يداه ترتجفان قليلًا.
واصطدمت مكعبات الثلج بالزجاج.
تمتم وهو يمسح عرق جبهته
إنهما لا يصمتان يا غيرتروديس لا يصمتان.
مرّ عشر دقائق وهما على هذا الحال. ماذا فعلت بهما تلك المرأة؟
تنهدت غيرتروديس تنهدًا طويلًا مسرحيًا وهي تنحني نحو نيكو بترفّق زائف، من دون أن تلمسه، كما لو كان قطعة متحفية معدية.
همست وهي تسقيه السم نقطة نقطة
ماذا فعلت بهما، يا سيدي؟ السؤال الحقيقي هو ماذا لم تفعل بهما؟
لقد أفسدتهما تمامًا، وحولتهما إلى متوحشين.
لقد رأيتها تتمدد على الأرض وساقاها ممدودتان، وتلك القفازات المطاطية كانت تبدو
توقفت لحظة بحثًا عن الكلمة التي ستجرح كبرياءه المحافظ أكثر
-
يحدث الانمنذ أسبوع واحد
-
ماذا يعني ظهور شخص في المنام؟منذ أسبوعين
-
ليلي عبداللطيف ليلى عبد اللطيفمنذ أسبوعين
-
نسيان في العربيةمنذ أسبوعين
كانت تبدو كامرأة من الشارع، لا كمربية.
قبض روبرتو على الكأس بقوة.
عادت صورة إلينا على الأرض، وهي تضحك، إلى ذهنه.
والآن، وقد صُفّيت الصورة بكلمات غيرتروديس، بدا المشهد له قبيحًا، وضيعًا، دنيئًا.
قال مدافعًا عن نفسه
دفاعًا ضعيفًا، لا لأنه يريد الدفاع عن إلينا، بل لأنه بحاجة إلى تصديق أنه لم يكن مخطئًا تمامًا
لقد قالت إن ذلك كان لعبة.
ضحكت غيرتروديس ضحكة جافة صغيرة، ونظرت في عينيه مباشرةً بجدية متعاطفة
لعبة؟
الأطباء قالوا إن لديه نقص توتر شديد في ساقيه.
قالوا إنه ربما يمشي بدعامات عندما يبلغ عامين.
رفعت عينيها نحوه بقوة
الأطباء يقرأون التقارير يا سيدي وأنا أقرأ الأطفال.
سانتي ليس منعزلًا إنه خائف.
خائف من أن تخذله ساقاه.
خائف من أن يسقط ولا يحتفل أحد به.
أنت رأيت سيركًا في غرفة الجلوس أما سانتي فرأى تحديًا يمكنه تجاوزه.
ساد صمت ثقيل.
كان كلامها منطقيًا، لكنه بسيط جدًا لدرجة يصعب تصديقها.
قال أخيرًا
أثبتي ذلك.
إذا كان ما تقولينه صحيحًا أثبتيه الآن.
نظرت إلينا إلى سانتي الذي كان يبكي.
كانت تعرف أن الأمر مـ,خاطرة.
إن فشلت سيطردها نهائيًا.
لكن إن لم تحاول سيعيش الطفل بقية حياته أسير كلمة لا تستطيع.
قالت بهدوء
لنذهب إلى غرفة الجلوس.
عادوا إلى الغرفة.
كانت الألعاب مبعثرة كما تركوها.
وقفت إلينا في وسط السجادة.
انحنت ببطء حتى أصبحت على مستوى سانتي.
أمسكت خصره برفق وساعدته على الوقوف.
كانت ساقاه ترتجفان.
تمتم روبرتو من بعيد
أنت تمسكينه.
لو تركته سيسقط.
همست إلينا
انظر إليّ يا حبيبي أنت قوي.
ثم رفعت يديها.
لم تعد تمسكه.
كانت تبقيهما فقط قريبًا منه، مستعدة للإمساك به إن سقط.
وقف سانتي متمايلًا.
همست غيرتروديس بسمّ
سيسـ,قط.
زمجر روبرتو
اصمتي!
كانت إلينا تتراجع ببطء وهي على ركبتيها.
قالت وهي تفتح ذراعيها
تعال إليّ يا سانتي.
المسافة لم تكن أكثر من متر.
لكن بالنسبة لطفل يعاني ضعفًا عضليًا كانت هاوية.
شدّ سانتي قبضتيه الصغيرتين.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم رفع قدمه.
خطوة.
صوتها ارتطم بالأرض.
توقف روبرتو
عن التنفس.
خطوة أخرى.
تأرجح الطفل.
كاد روبرتو يركض نحوه، لكن نظرة حادة من إلينا أوقفته.
ثق به.
استعاد سانتي توازنه.
ثم أخذ خطوة أخرى
ثم أخرى.
همس روبرتو
يا إلهي
لم تكن خطوات طفل مريض.
كانت خطوات طفل مصمم.
ضحك سانتي فجأة.
ثم اندفع في الخطوتين الأخيرتين وسـ,قط في حضن إلينا.
صرخت
أحسنت! أنت بطل!
بدأ نيكو يصفق ويضحك من فوق الأريكة.
كانت المعجزة واضحة.
لا طبيب لا جهاز لا علاج باهظ الثمن حقق ما حققته تلك المرأة بالصبر والحب.
شعر روبرتو أن الأرض تنسحب من تحت قدميه.
انهار عالمه.
كان يعتقد أن المال يشتري كل شيء.
لكن ابنه تعلّم المشي فوق سجادة وبقلب امرأة فقيرة.
وفي تلك اللحظة
فهم أنه لا يعرف ابنه.
لكن قبل أن يتكلم
قالت غيرتروديس فجأة ببرود
المشي شيء والاحترام شيء آخر.
ثم أضافت بنبرة خبيثة
هل تذكر ما أخبرتك به يا سيدي؟
دبوس الماس الخاص بزوجتك الراحلة مفقود.
ساد الصمت.
تصلب وجه روبرتو.
قال ببطء
ماذا تقصدين؟
أجابت وهي تشير إلى إلينا
إنها الوحيدة التي تدخل مكتبك.
فتش حقيبتها.
ارتفع التوتر في الغرفة فجأة.
أمسك روبرتو بحقيبة إلينا.
انحبس الهواء في صدور الجميع.
قلب محتويات الحقيبة على الطاولة.
سقطت
فرشاة شعر.
جوارب مرقعة.
علبة دواء ضغط.
وصورة امرأة مسنّة على كرسي متحرك.
ولا شيء آخر.
همس روبرتو
لا شيء.
لكن غيرتروديس صرخت
مستحيل!
حاولت تفتيش الحقيبة بنفسها.
فصرخ روبرتو بقوة
كفى!
وأمسك معصمها.
ثم قال ببرود
اذهبي إلى المطبخ.
غادرت متذمرة.
وبقي روبرتو واقفًا، يشعر بثقل الخجل.
لكنه لم يستطع الاعتذار.
فقال ببرود دفاعي
لن أطردك.
لكن ستبقين تحت الاختبار.
لا لعب على الأرض.
لا صراخ.
أريد نظامًا واحترامًا.
نظرت إلينا إلى سانتي.
كانت تعرف أن شروطه تخنق الطريقة الوحيدة التي تنجح مع الأطفال.
لكنها قالت
مفهوم يا سيدي.
بدأت الأيام التالية ثقيلة.
اختفت الضحكات.
عاد الصمت.
جلس الطفلان كتمثالين بين الألعاب الغالية.
حتى في أحد الأيام
تسلل روبرتو خفية ونظر من الشرفة.
فرأى إلينا
تلعب معهما سرًا بالجوارب كدمى.
ويضحكان بصمت.
حينها فهم الحقيقة أخيرًا.
وفجأة رأى غيرتروديس تدخل غرفته.
تفتح الصندوق.
وتأخذ دبوس الماس.
وتخبئه في حقيبة إلينا.
فهم كل شيء.
بدأ يسجل بالكاميرا.
انتظر حتى تكمل فعلتها.
ثم نزل.
وعندما اتهمــ,تها
أخرج الهاتف.
وأراها الفـ,يديو.
انهارت غيرتروديس على ركبتيها.
قال روبرتو ببرود
غادري.
الآن.
غادرت.
وصمت البيت.
لكن هذه المرة كان صمتًا نظيفًا.
بعدها صعد روبرتو إلى غــ,رفة الأطفال.
كانت إلينا تغني لهما بهدوء.
فتح الباب.
وقالت بخوف
أرجوك لا تدخل الشرطة
قال
لا توجد شرطة.
لقد طردتها.
ثم أراها الفيد,يوهات الأخرى.
فيديوهات وهي تلعب مع الأطفال.
تبكي.
تضحك.
تعلّم سانتي الوقوف.
وبكى روبرتو لأول مرة منذ وفاة زوجته.
جلس على الأرض.
وعانق ابنه.
ثم قال لإلينا
لا أريدك موظفة.
أريدك جزءًا من هذه العائلة.
ابتسمت.
وقالت
لكن بشرط.
سأل
ما هو؟
قالت وهي تضحك
غدًا أنت من سيرتدي جوارب الدمى.
ضحك روبرتو.
وكان ذلك أول ضحك حقيقي يعود إلى ذلك البيت.
وبعد ستة أشهر
لم يعد البيت أفخم بيت في الحي.
لكنه أصبح البيت الأكثر ضجيجًا.
والأغنى بالضحك.







