
صرخت إلينا من على الأرض بابتسامة واسعة حتى بدت وكأنها تُشوّه ملامح وجهها من شدة الفرح
إلى الأعلى يا أشجاعي!
رمش روبرتو غير مصدق.
كان
طفلاه، وريثاه، التوأمان نيكو وسانتي، اللذان لم يتجاوزا العام الواحد، واقفين فوقها، فوقها حرفيًا.
كان المشهد برجًا بشريًا من عدم الاتزان والابتهاج.
وقف نيكو على صدر المربية، تضغط حذاؤه الرياضي الملون على الشعار المطرز في زيّها، بينما كان سانتي متوازنًا فوق بطنها
كان الطفلان يرتديان بدلتين خفيفتين من الجينز فوق قميصين أبيضين، ويبدوان كبهلوانيين صغيرين مخمورين بالأدرينالين.
هتفت إلينا
احذروا من ريح الشمال!
ثم راحت تهز جسدها كما لو أنه زلزال لطيف.
وكان سانتي، الأصغر والأكثر هشاشة، ذاك الذي قال الأطباء إن لديه مشكلات حركية، والذي بالكاد كان يزحف حين يكون روبرتو حاضرًا، واقفًا هناك منتصبًا، ساقاه ترتجفان من شدة الجهد، لكنه يضحك وفمه مفتوح، كاشفًا عن لثته البيضاء القليلة.
كان الطفل يثبت نفسه بأن يضع يديه الصغيرتين الممتلئتين على كتفي إلينا، مستخدمًا إياها كعارضة توازن، بينما رفع أخوه نيكو ذراعيه في الهواء كما لو أنه لتوه فتح قمة جبل إيفرست.
كان الضوء الطبيعي يتدفق عبر النوافذ، ويضيء ذرات الغبار المتراقصة في الهواء، التي أثارتها الحركة.
لقد كانت صورة للفوضى الكاملة.
-
يحدث الانمنذ أسبوع واحد
-
ماذا يعني ظهور شخص في المنام؟منذ أسبوعين
-
ليلي عبداللطيف ليلى عبد اللطيفمنذ أسبوعين
-
نسيان في العربيةمنذ أسبوعين
كانت إلينا تمسك بكاحلي الطفلين بيديها المغلّفتين بالقفازات الصفراء الزاهية، بينما ساقاها ممدودتان ومشدودتان، تؤديان دور القاعدة الصلبة لذلك البيت البشري الهش.
وبالنسبة لأي شخص غريب، لبدت الصورة لقطةً نقيّة للحب الخالص، وللاتصال الفطري الصادق.
أما بالنسبة لروبرتو، وقد صُفّيت رؤيته عبر ألم ترمّله وهوسه بالسيطرة، فقد بدا المشهد كله شذوذًا.
رأى الجراثيم على القفازات، ورأى الخطر في الارتفاع، ورأى عدم الاحترام في هيئة الاستلقاء، ورأى خادمة تحوّل أطفاله إلى فقرات سيرك.
غلى دمه.
اختفى رجل الأعمال، الاستراتيجي البارد.
ولم يبقَ سوى الأب المذعور وصاحب العمل المُهان.
تمتم
أولًا، عاجزًا عن رفع صوته
ولكن ما هذا بحق الجحيم
وفي تلك اللحظة، أطلقت إلينا بصوت فمها هدير طائرة، فانفجر الطفلان بموجة جديدة من الضحك، غير شاعرين بالهيئة الداكنة الجامدة التي كانت تراقبهما من عند الباب، والحقيبة منسية، والعينان محتقنتان بالغضب.
شعر روبرتو أن هذه السعادة إهانة لألمه.
كيف تجرؤ على جعلهما يضحكان هكذا، بينما هو، أبوهما، لا يستطيع أن ينتزع منهما حتى ابتسامة؟
انكسر السحر بصوت روبرتو.
لم يكن صراخًا، بل كان دويًا جافًا سلطويًا، محمّلًا بالسم
إلينا!
وكان الأثر فوريًا وكارثيًا.
ذلك الاتزان الجسدي الذي كان يحفظ الثلاثة في حالة توازن لم يكن قائمًا إلا على التركيز والهدوء.
وما إن سمعت إلينا هدير اسمها حتى أصابها تشنج خوفٍ لا إرادي.
تصلب جسدها فوق الأرض.
أما التوأمان، الحساسان كأجهزة الرادار تجاه التوتر المحيط، فقد توقفا عن الضحك فورًا.
تحولت وجهاهما من النشوة إلى الرعب في جزء من الثانية.
فقد سانتي، الذي كان مستندًا على بطن المربية، توازنه حين أدار رأسه فجأة نحو الباب.
خذلته ساقاه الصغيرتان.
مال الطفل بخطورة إلى اليمين، باتجاه الأرضية الخشبية.
صرخ روبرتو وهو يندفع خطوة إلى الأمام
انتبه!
لكن المسافة كانت أكبر من أن تسمح له بالوصول في الوقت المناسب.
غير أن إلينا لم تكن بحاجة إلى أن تصل.
لقد كانت هناك أصلًا.
لم تكن ردود فعلها ردود موظفة شاردة الذهن؛ بل كانت ردود فعل لبؤة.
وقبل أن ينهي روبرتو صيحته، كانت قد أطلقت سراح الكاحلين، وانطلقت يداها، بتلك القفازات الصفراء المضحكة، كزنبركين.
بيدها اليمنى التقطت سانتي في منتصف سقوطه، واحتضنت رأسه إلى صدرها قبل أن يرتطم بالأرض، وبذراعها اليسرى أحاطت خصر نيكو، وسحبته إلى حضنٍ حامٍ.
وفي حركة واحدة انسيابية، انقلبت على جنبها ثم جلست على الأرض، وهي تلهث.
أما التوأمان، وقد صارا
في أمان لكنهما التقطا العدوى من الخوف المفاجئ الذي غمر الغرفة، فقدا معًا
بالبكاء، بكاءً حادًا مذعورًا اخترق أذني روبرتو.
تقدم روبرتو بخطوات واسعة، ووجهه مشوّه بالغضب.
أفلتي أطفالي، أمرها وهو يصل إليهم وينتزع نيكو بعنف من بين ذراعي المربية.
اتركيهم حالًا.
كانت إلينا لا تزال على الأرض، ويداها ترتجفان وقد فرغتا، تحدق إلى السقف.
أبعدت خصلة شعر عن وجهها بظهر قفازها الأصفر، وعيناها الكبيرتان الداكنتان مملوءتان بمزيج من الخوف والارتباك.
تمتمت وهي تحاول التقاط أنفاسها
سيد روبرتو كان من المفترض أنك
فقاطعها بصوت ارتد صداه بين الجدران العالية
كان من المفترض أن أكون في رحلة، ونحمد الله أنني عدت.
هل يخبرني أحد ما نوع هذا الجنون؟
كان روبرتو يحمل نيكو، الذي كان يتلوى بين ذراعيه، ويمد يديه الصغيرتين نحو إلينا وهو يبكي مرددًا
نا نانا
وكان رفض ابنه له صفعة جسدية تلقاها في وجهه.
وضع الطفل على الأريكة بحركة مرتبكة، ثم استدار إلى إلينا التي بدأت تنهض بصعوبة.
زمجر
لا تنهضي.
وأشار إليها بإصبع متهم
ابقَي حيث ينبغي لك على الأرض. هل لديك أي فكرة عما كان يمكن أن يحدث؟
سنتيمتر واحد إضافي، وكان ابني سيشق رأسه على حافة الطاولة.
حاولت إلينا أن تشرح، وصوتها يوشك أن ينكسر، لكنه ظل محتفظًا بكرامة غريبة
سيدي كنت ممسكة به. لم أتركهما يسقطان. كنا نقوم بتمارين.
أطلق روبرتو ضحكة مريرة خالية من الدعابة.
تسمين ذلك تمرينًا؟
لقد رأيتك. كنت متمددة مثل حيوان على الأرض، بتلك القفازات القذرة الخاصة بتنظيف المراحيض، وتدعين ولديّ يدوسان عليك وكأنك قطعة أثاث قديمة.
أجابت بسرعة، محاولةً أن تخاطب منطقه
القفازات جديدة يا سيدي. أنا أستخدمها فقط في اللعب بسبب اللون. إنهما يحبان الأصفر، وهو يساعدهما على تركيز النظر.
قال بحدة
لا يهمني شيء من أعذار حضاناتكم الرخيصة.
مرر يده في شعره فبعثره لأول مرة منذ سنوات.
كانت صورة الطفلين وهما يضحكان
معها ويبكيان معه تأكله من الداخل.
أنا أدفع لك راتبًا لن تكسبينه في عشر سنوات في أي مكان آخر.
أدفع لك لتعتني بهما، وتربيهما، وتعلميهما الأدب والسلامة، لا لكي تقيمي عرض سيرك في غرفة جلوسي.
ثم ألقى نظرة حوله كما لو أنه يبحث عن شهود على هذه الفضيحة.
انظري إلى نفسكِ هذا مثير للشفقة. امرأة في عمرك تتدحرج على الأرض. ماذا سيقول الناس لو دخل أحد الآن؟ ماذا كانت زوجتي ستقول لو رأت المرأة المسؤولة عن أطفالها تعاملهم كأنهم ألعاب؟
كان ذكر زوجته الراحلة ضـ,ربة دنيئة.
خفضت إلينا بصرها وعضّت شفتها السفلى حتى لا تبكي أمامه.
كانت تعرف أنه لا ينبغي لها أن ترد.
هي بحاجة إلى العمل.
أمها المريضة تعتمد على هذا الراتب.
لكن صراخ سانتي، وهو يزحف نحوها على الأرض ويتشبث بساق زيها، منحها قوة لم تكن تعلم أنها تملكها.
قالت بصوت تغيّر تمامًا؛ لم يعد صوت اعتذار، بل صوت أم تتوسل
سيدي سانتي كان يضحك. ونيكو كان يضحك. لم يضحكا هكذا منذ شهور.
زمجر روبرتو، أعمى عن الحقيقة
الهيستيريا ليست سعادة يا إلينا.
والفوضى ليست فرحًا.
لقد خلطتِ بين الحرية والانفلات.
لقد عرضتِ سلامة أطفالي الجسدية للخطر من أجل لعبة سخيفة. أنتِ غير مسؤولة.
انحنى روبرتو ليفصل سانتي عن ساق إلينا.
لكن الطفل تشبث بقوة بالقماش الأزرق، وهو يبكي بيأس ويدفن وجهه في ركبة المربية.
اضطر روبرتو إلى استخدام القوة ليفك أصابع ابنه عن ثوب الخادمة.
تعال إلى هنا، زمجر وهو يرفعه.
لكن الصغير أخذ يركل ويضرب بصغير قبضتيه صدر أبيه، رافضًا لمس بدلته التي ثمنها ألف دولار، ومادًا يديه نحو المرأة ذات القفازات المطاطية.
وكانت تلك هي القشة الأخيرة.
شعر روبرتو بوخزة غيرة حادة حتى تشوش بصره.
هسّ وهو يحمل الطفل الباكي
اختفي من أمام عيني.
اذهبي إلى غرفتك، واجمعي أغراضك، وانتظري حتى أقرر ما الذي سأفعله بك.
وانزعي
تلك القفازات السخيفة. نحن قوم جادون في هذا البيت، ولسنا مهرجين.
نهضت إلينا ببطء، وخلعت بهدوء قفازيها الأصفرين، فكشفت عن يديها المحمرتين الخشنتين.
نظرت إلى الطفلين نظرة أخيرة.
كان نيكو يحدق فيها من فوق الأريكة بعينين واسعتين دامعتين.
وكان سانتي لا يزال يبكي في حضن أبيه.
همست بصوت خافت جدًا كاد لا يسمعه
أنا فقط أردت أن يفقدا خوفهما من السقــ,وط.
أدار لها ظهره وقال
الشيء الوحيد الذي فقدته اليوم هو الاحترام. اذهبي.
مشت إلينا نحو باب الخدمة، وكل خطوة بدت لها هزيمة.
وخلفها، كان بكاء التوأمين يعلو ويملأ البيت بصوت لم يعد فرحًا، بل استغاثة تمزق القلب.
وبقي روبرتو وحده في وسط غرفة جلوسه المثالية، مع طفلين لا يحبانه، وانتصار طعمه كالرماد.
في نهاية الممر، كانت ظلّ دونيا غيرتروديس يراقب المشهد، وقد ارتسمت على وجهها المسن ابتسامة ملتوية قاسية.
لقد نجحت الخطة بإتقان أو هكذا بدا.
لقد تحطم ذلك الصمت الذي كان دون روبرتو يقدّسه، وحلّت محله جلبة من صرخا,ت حادة غير منسقة تهيمن على القصر.
لم يكن نيكو وسانتي يبكيان كبقية الأطفال المدللين الذين يريدون حلوى.
كانا يبكيان بذلك الألم العميق الذي يولده الإحساس بالتخلي.
جلس روبرتو على طرف الأريكة الجلدية البيج، وجسده متصلب وذراعاه عاجزتان، محاولًا أن يضم سانتي، الذي كان يقوّس ظهره بقوة مدهشة بالنسبة لطفل في سنه، ويصرخ باتجاه الممر الذي اختفت فيه إلينا.
وعلى الطرف الآخر من الأريكة، كان نيكو يضرب الوسائد بقبضتيه، ووجهه محمر تغمره الدموع والمخاط، رافضًا كل محاولة من أبيه لتهدئته.
صرخ روبرتو
كفى!
لكن صوته، المعتاد على إصدار الأوامر في قاعات الاجتماعات المعزولة، تكسّر أمام هستيريا طفليه.
نيكو سانتي اصمتا. أبي هنا.
لكن الأب هنا كان غريبًا في بدلة داكنة، تفوح منه رائحة عطر باهظ، دخيلًا على عالمهما
المكوّن من اللعب والدفء.
شعر روبرتو بوخزة عجز في صدره.
كان يملك ملايين في البنك.
وكان يتحكم بشركات دولية.
لكنه لم يستطع أن يمنع طفلين في عمر السنة من البكاء.
شعر بصغره.
شعر بفشله.







