
أخدها؟ أخدها فين؟ دي 16 كيلو!
قولتلها وأنا بحاول أهديها
أخدها ونزل بيها تحت لأمي.. وقال إنه مشتاق للحمة النضيفة دي هو وإخواتي، وحلف عليا يمين ليتبرأ مني لو منزلتش.. بس متخافيش، والله من أول الصبح هانزل للمعلم عطوه وأشتري لك بدالها أحسن حتة لحمة في المحل.. والشنطة اللي نزلوها، هما طبخوا منها وبعتولنا نابنا أهو في الحلة دي.
الصدمة والرعب
أنا كنت فاكر إن رانيا هتزعل على اللحمة أو تتخانق معايا عشان مدافعتش عن حاجتها، بس الرد فعل اللي شفته منها ركّب الرعب في ركبي! رانيا وشها اتخطف تماماً، وبقى أبيض زي الورقة، وعينيها برقت لدرجة خوفتني، وسابتني وطلعت تجري على المطبخ فتحت الحلة وبصت للحمة المستوية والشوربة، وصرخت بأعلى صوتها وهي بتلطم على وشها
يالهوي!!! طبخوها وأكلوها؟! قوللي إنك بتهزر يا أحمد!! أكلوا منها بجد؟!
أنا جريت عليها وأنا مش فاهم حاجة ولقيت قلبي بيدق بسرعة:
— “في إيه يا بنتي؟ صلي على النبي في سرك! أيوة طبخوها وتامر أخويا لسه قايلي إنهم أكلوا وشبعوا وبعتولنا الحلة دي.. في إيه مالك؟ اللحمة مالها؟!”
رانيا مسكتني من قميصي وهي بتبكي بهستيريا وجىىسمها كله بيتنفض:
— “امشي اجري.. اجري قولهم يرجعوا اللي في بطنهم! اجري قولهم مياكلوش تاني.. يالهوي على المصىىيبة.. اللحمة دي سم.. اللحمة دي ميىىتة بمىرض!!”
أنا اتسمرت في مكاني، وعقلي وقف عن التفكير:
— “مرض إيه وسم إيه؟ دي مامتك اللي بعتاها معاكي!”
زعقت رانيا وهي بتعيط وبتشد في شعرها من الصدمة:
— “اسمعني يا أحمد! أنت ناسي إني شغالة
فني معمل تحاليل بيطرية وفي وزارة الزراعة؟ أنا لما كنت عند أمي في فترة الولادة الشهر اللي فات، حصلت مصيبة في المزرعة بتاعة أمي وبتاعت الجيران.. المواشي والبهائم بدأت تمىىوت ورا بعض فجأة وبدون أي مقدمات ولا أعراض واضحة! حيوانات كاملة وصحتها بومب تقع تموت في ثواني! الدكاترة والمفتشين احتاروا، وأمي كانت هتيجي لها جلطة من خراب البيىىوت.. فانا قولت لازم أتصرف.”
مسحت دموعها وهي بتتنفس بصعوبة وكملت:
— “أنا وزملائي في المعمل أخدنا عينات، والـ 16 كيلو دول بالذات، أنا اللي قطىعتهم من كذا ذبيحة من الحيوانات اللي ماتت فجأة دي.. أخدتهم عشان أدخلهم المعمل المركزي بتاع الوزارة الأسبوع الجاي لما أرجع من الإجازة عشان نعمل تحليل أنسجة دقيق جداً ونعرف إيه الفيىروس أو المرض الغامض اللي مىىوتهم، ولحد دلوقتي بنشك في سلالة نادرة وقاتلة من (الجمرة الخبيثة) أو تسىمم دموي حاد بينتقل للبشر فوراً!”
أنا ركبي خبطت في بعض، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا:
— “يا نهار أسود.. يا نهار أسود! وطالما هي مصيبة كده مجمداها في الفريزر ليه وعامله حسابك تاخديها المعمل؟!”
قالتلي وهي بتصرخ:
— “لأني مكنتش قادرة أشيلهم في معمل التحاليل وأنا لسه والدة وتعبانة، قولت أخليهم في الفريزر عندي هنا كام يوم لحد ما أنزل الشغل.. وخفت جداً لإنك تفتكرها لحمة عادية وتطبخ منها أو تدّي حد منها، فكتبت الورقة دي وحطيتها جوه الكيس وقولت (محدش يلمسها غير بعد أسبوع) لغاية ما أكون أنا نزلت الشغل وأخدتها بنفسي للمشرحة والمعمل وأفهمك القصة.. مكنتش أتخيل أبدًا إن أبوك هيدخل يتسحب وياخدها من وراك!! أبوك وإخواتك في خىطر يا أحمد.. اللحمة دي مسىىمومة
النزول إلى الجحيم
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. مسمعتش باقي كلام رانيا، فتحت باب الشىىقة وطلعت أجري على السلم زي المجنون، بنزل درجات السلم تلاتة تلاتة وأنا بصرخ بـ أعلى صوتي: “يا بابا!! يا تامر!! يا أمي!!”
وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع بـ إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة
وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع بـ إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة.. مش أصوات ناس صاحية ومرتاحة.. دي كانت أصوات أنين، وصريخ مكتوم، وصوت تفرير وترجيع رهيب!
الباب مكنش مقفول بالترباس، زقيته بكل قوتي واتفتح معايا. أول ما دخلت الصالة، شوفت منظر عمري ما هنساه في حياتي.. منظر يوقف الدم في العروق!
أبويا الحاج عبد العزيز كان واقع في الأرض جمب الكنبة، ماسك بطنه بـ إيديه الاتنين، وبيتلوى زي الدبيىىحة، ووشه بقى أزرق تماماً وعروق رقبته ناطرة ونازل منه عرق بغزارة وهو بيصرخ بصوت مبحوح: “آآآه.. بطىىني.. بطىني بتتقىىطع يا أحمد.. الحقني يا
ابني بطىني بنىار!!”
وعلى الناحية التانية، أخويا تامر اللي كان من شوية بيبتسم ويديني الحلة، كان ساند راسه على
الحيطة وبيقاتل عشان يتنفس، والترجيع مغرق المكان حواليه، وجسمه كله بيتنفض زي اللي لابىىساه كهربا. وأمي جوه في المطبخ نايمة على الأرض وبتئن بصوت واطي وضعيف جداً كأنها بتمىىوت.
اللحمة الملعونة كانت أسرع مما نتخيل، السىىموم والفيروىىسات اللي في أنسجة الحيوانات الميتة تفاعلت مع النىار وطلعت سموم قاىىتلة هجىىمت على أجهزتهم الهضىىمية وعملت لهم تسىىمىىم دىىموي حاد وفىىىشل مفاجئ!
سباق مع المىىوت
في ثواني، كانت رانيا حصلتني وهي شايلة بنتنا، ووشها مليان رعب بس ثباتها كـ “بنت معمل ودكتورة” خلاها تتصرف بسرعة. صرخت فيا:
— “أحمد!! مفيش وقت للبكاء! كلم الإسعاف فوراً وقولهم (حالة تسىىمم جماعي واشتباه جمرة خبيثة) عشان يجيبوا معاهم المحاليل ومضادات السىىموم الصح! وبسرعة هيروشولهم مية بملح وخليهم يرجعوا كل اللي في بطنهم مفيش دقيقة تضيع!”
بقيت أتحرك زي الروبوت من كتر الصدىمة.. كلمت الإسعاف وأنا بصيح وأبكي في التليفون، وبقيت أساعد رانيا إننا نخليهم يطردوا كل الأكل اللي أكلوه، بس الحالة كانت بتتدهور بسرعة البرق. أبويا بدأ يفقد الوعي وعينيه تقلب لفوق، وتامر أخويا بدأ يجيله تشنىىجات.
قعدنا في طرقة المستشفى أنا ورانيا يومين كاملين على أعصابنا، بين الحياة والمىوت، الدكاترة قالوا لنا لو كانت مرت ساعة كمان من غير نقلهم المستشفى، كان زمانهم كلهم في عداد الأموات بسبب سرعة انتشار البكتيريا في الدم.
الحمد لله، ربنا كتب لهم عمر جديد بعد عذاب وتعب قعدوا فيه في المستشفى أكتر من أسبوعين تحت الملاحظة والعزل، لحد ما اتأكدوا إن جسمهم اتخلص من السىموم تماماً.
ومن يومها، اتعلمنا كلنا درس عمري ما هنساه: إن الكلمة والنصيحة من صاحب الشأن لازم تحترم، وإن “الورقة الصغيرة” اللي بنستهتر بيها، ممكن تكون هي الخط الفاصل بين الحياة.




