قصص و روايات

قصة رحلة عائلية

في قلب الصحراء المترامية الأطراف، حيث الصمت يلف المكان ولا يقطعه سوى هبوب الرياح الخفيفة، كانت إحدى العائلات تستمتع برحلة برية هادئة. وبينما كانت الأسرة منغمسة في تناول طعام الغداء وسط أجواء من الألفة والسرور، حدث ما لم يكن في الحسبان. تسلل من بين الكثبان الرملية طفل صغير، لم يتجاوز عمره العام والنصف، يخطو بضعف على يديه وركبتيه، متجهاً نحوهم بحبوه البطيء.

 

لم يشعر أحد من أفراد العائلة بوجوده إلا عندما وجدوه يجلس بينهم بكل براءة، يمد يده الصغيرة ليشاركهم طعامهم بشهية لافتة. ساد الذهول أرجاء المكان، وتوقف الجميع عن الأكل في حيرة ودهشة. من أين أتى هذا الطفل؟ وأين ذووه؟ المكان مقفر تماماً، ولا أثر لأي بشر أو مركبات في الأفق. انتاب أفراد العائلة شعور بالوجل، ودارت في أذهانهم تساؤلات غامضة حول حقيقة هذا الصغير، حتى أن البعض منهم، تحت وطأة الغرابة، توجس خيفة من ظهوره المفاجئ.

لكن في تلك اللحظة، ظهر قلب الجدة الكبير. فقد تلاشت كل مخاوفها أمام مشهد الجوع والعطش الشديدين اللذين بداا واضحين على ملامح الطفل. بلمسة حانية، أخذت الجدة تحتضن الصغير، تقدم له الطعام والماء بلقيمات متتالية، مغدقة عليه من فيض عاطفتها التي لا تعرف الحدود. رفضت الجدة بشدة اقتراحات أفراد العائلة بترك الطفل أو الابتعاد عنه، وأصرت على رعايته حتى يحضر أهله للبحث عنه عند اقتراب وقت الغروب.

عندما حانت لحظة الرحيل، غلب النعاس على الطفل بعد أن نال كفايته من الطعام، فغط في نوم عميق. أصرت الجدة على اصطحابه معهم، لكن بقية العائلة، بدافع الحرص والقلق من التبعات القانونية والاجتماعية، قرروا التوجه إلى أقرب مركز للشرطة لإبلاغهم بالأمر، معتبرين أن السلطات هي الجهة الأكثر قدرة على كشف لغز هذا الصغير.

بمجرد وصول العائلة إلى مركز الشرطة وسرد الحكاية، انطلق رجال الأمن برفقة أحد أفراد العائلة نحو موقع العثور على الطفل. وبدلاً من الاكتفاء بمكانه، بدأ الفريق الأمني في تتبع آثار حبوه بعناية فائقة لمسافة طويلة داخل الصحراء. وبعد ساعات من البحث الدقيق، توقفت القلوب أمام مشهد مأساوي؛ سيارة منقلبة رأساً على عقب وسط الرمال، وبداخلها الأب والأم وقد فارقا الحياة منذ أيام نتيجة حادث مروري أليم.

لقد تكشفت الحقيقة أمام الجميع؛ الطفل كان الناجي الوحيد من الحادث، وبقدرة إلهية تفوق الخيال، استطاع الصغير الزحف خارج الحطام والنجاة من الموت المحقق، لتهديه غريزته وسط هذا الفراغ الموحش إلى طريق العائلة التي كانت ملاذه الأخير للنجاة.

إنها قصة لا تعكس فقط إنسانية هذه العائلة، بل تجسد عناية الله بعباده الضعفاء، حيث يكتب للطفل حياة جديدة من قلب الموت، ويجعل من صدفة الرحلة البرية سبباً في كشف مصير عائلة بأكملها. لقد كان هذا الطفل شاهداً حياً على أن الله لا ينسى عباده، وأن رحمته تسبق كل تقدير.

تُعد هذه القصة درساً في الإيمان بقدرة الله وجمال العطف الإنساني الذي لا ينتظر سبباً أو مصلحة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى