قصص و روايات

رجل الأعمال عمرو المنصوري

لم يكن رحيل عمر المزعوم سوى خطة دقيقة لاختبار مشاعره التي بدأت تتزاحم فيها الشكوك. بعد نصف ساعة فقط من انطلاق سيارته، عاد عمر متسللاً عبر مدخل الخدمة، متجهاً مباشرة إلى غرفة المراقبة المركزية بالفيلا. كان يجلس في عتمة الغرفة، يراقب شاشات العرض التي تغطي كل زاوية في منزله، منتظراً أن يرى الوجه الحقيقي لمن اختارها لتكون شريكة حياته وأماً لطفلتيه.

 

في البداية، سار كل شيء بهدوء مريب، حتى ظهرت “داليا” في غرفة المعيشة. في تلك اللحظة، تبدلت ملامحها تماماً؛ تلاشى ذلك القناع من الهدوء واللطف الذي كانت تظهره، وحل محله وجه يتسم بالبرود والقسوة. وجهت داليا حديثها للطفلتين “ليلى” و”ملك” بحدة غير مبررة، حيث طالبتهما بمغادرة المكان بأسلوب جاف لا يليق بمكانتها التي ادعتها. ارتجفت الصغيرتان، وتشبثت ليلى بيد أختها، في مشهد كسر قلب عمر وهو يراقب من خلف الشاشات.

حاولت “أمينة”، المربية الأمينة للطفلتين، التدخل بأسلوب مهذب لحمايتهما، قائلة: “يا مدام داليا، الصغيرات لا يقصدن الإزعاج، ربما نحتاج فقط إلى قليل من الصبر”. لكن داليا استدارت إليها بنظرات مليئة بالتعالي، وردت بحدة قاسية: “أنا لم أطلب رأيك، وما يحدث في هذا المنزل هو أمر يخصني وحدي”.

في تلك اللحظة، أدرك عمر أن ثقته في داليا كانت أكبر خطأ ارتكبه في حياته. لم يكن الأمر مجرد خلاف عابر، بل كان كشفاً لحقيقة شخصية مختلفة تماماً عما كان يظن. لم يكتفِ عمر بالمراقبة؛ فقد اتصل برئيس الأمن الذي كان على أهبة الاستعداد. وفجأة، أخبره الأخير بوجود سيارة غريبة تنتظر في الخارج. أعطى عمر أوامره بعدم السماح لأي أحد بالدخول، مع استمرار تسجيل كل ما يحدث.

كانت داليا لا تزال تمارس أدوارها، حيث ظنت أن الطريق قد خلا لها. أرسلت رسالة عبر هاتفها لشريكها الخفي، تخبره بأن المنزل أصبح فارغاً وأن بإمكانه الدخول. وما إن اقترب الرجل من الباب الجانبي وحاول فتحه بنسخة مفتاح كانت بحوزته، حتى أدرك عمر أن الأمر أكبر من مجرد نية للسرقة. أصدر عمر أوامره بإغلاق جميع المخارج والتحرك فوراً، وفي ثوانٍ معدودة، كان أفراد الأمن يطوقون الفيلا، بينما دخل عمر بقامته المهيبة إلى غرفة المعيشة.

شهقت الطفلتان وارتمتا في أحضان والدهما، بينما تجمدت داليا في مكانها، وقد تلاشى لون وجهها تماماً. تمتمت بصوت مرتجف: “عمر؟ أنت.. ظننتك مسافراً”. رد عمر بهدوء يحمل في طياته الكثير من الحزم: “لم أسافر يا داليا، ولقد رأيت كل شيء”.

حاولت داليا الإنكار، لكن عمر أشار إلى الشاشات التي بدأت تعرض تسجيلات حية لتصرفاتها القاسية، ومحاولاتها لإخفاء مجوهراتها، والمكالمات التي أجرتها مع شريكها. ساد صمت مطبق في أرجاء الفيلا، ثم بدأت داليا في الارتجاف وهي تحاول البحث عن تبرير، ليقاطعها عمر: “التفسيرات الآن هي من اختصاص الشرطة”.

مع دخول أفراد الأمن بالرجل المتسلل، بدأت فصول أخرى تتكشف. وما إن وقع بصر المتسلل على داليا حتى صرخ غاضباً: “لقد وعدتِني أن الرجل سيكون مسافراً!”. في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فعندما كشف الرجل عن هويته، اكتشف عمر أن اسمه كان مدرجاً في ملف قديم جداً يخص قضية وفاة زوجته الأولى، اسم كان الجميع يعتقد أنه اختفى للأبد.

أدرك عمر في تلك اللحظة أن ما يواجهه ليس مجرد خيانة زوجية أو محاولة سطو، بل هو خيط رفيع يقوده إلى كشف لغز قديم ظل مدفوناً لسنوات طويلة. كان الأمر أكبر بكثير مما تصوره، إذ بدأت أجزاء اللغز تترابط، لتكشف له أن داليا ربما كانت جزءاً من ماضٍ أراد هو دائماً نسيانه. لقد انقلبت حياته رأساً على عقب، وبدأ فصل جديد من البحث عن الحقيقة، حيث كان عليه أن يحمي طفلتيه ويكشف السر الذي قد يغير كل مفاهيمه عن عائلته وماضيه. ومن هنا، بدأت رحلة البحث عن العدالة، ليس فقط لمعاقبة الخائنين، بل لاستعادة السلام الذي فقده منزله منذ سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى