قصص و روايات

مفاجأة لامي

كان الهواء محتدمًا برائحة الأتربة الدافئة التي تعبق بها شوارع قريتنا القديمة. بعد سنتين كاملتين من العمل المتواصل في الغربة، كنتُ أعامل كل ثانية تمر وكأنها خطوة نحو حلم انتظرتُه طويلاً. سنتان لم أطأ فيهما أرض الوطن، كنت أعمل خلالهما ليل نهار، أتحمل مشاق السفر وشحذ الهمة بعيداً عن الأهل، وكان كل ما يهون عليّ هذا العناء هو فكرة واحدة: أنني أضمن لأمي حياة كريمة، مستقرة، لا تحتاج فيها لأي مخلوق.

 

كنت أحمل في يدي علبة من الحلوى الفاخرة، وأضع في جيب صدري هدية صغيرة اخترتها لها بعناية. نزلتُ من السيارة والابتسامة تملأ وجهي، مشتاقاً لرؤية وجهها الصافي وللتمسح ببركة دعائها. كنت أمني النفس برؤية التلاجة الجديدة والأثاث الذي دفعتُ ثمنه شهراً بشهر، أردت أن أراها تجلس كالملكة في بيتها المرمم، كما كانت أختي منى تؤكد لي دوماً في مكالماتها الهاتفية الأسبوعية.

لكن خطاي توقفت فجأة بالقرب من دكان الحارة القديم.

سمعتُ صوتاً أعرفه أكثر من معرفتي لنبضات قلبي، صوتاً كان يخاطب البائع بنبرة انكسار وشجى لم أعهده فيها قط.

ـ “يا عم حامد.. والنبي تراضيني بكيلو رز؟ هقبض جمعية الجمعة الجاية وأسدهولك!”

تسمرتُ في مكاني. التفتُ بخطوات ثقيلة كأنما أجر سلاسل من حديد. كانت أمي تقف هناك، على أعتاب الدكان الفسيح، ترتدي جلابية قديمة بهتت ألوانها من كثرة الغسيل، وتلتف بشال خفيف لا يقيها البرد. كانت تحمل في يدها المرتعشة كيساً بلاستيكياً متهالكاً، بينما كان عم حامد، البائع العجوز، يقلب صفحات دفتر الديون المفتوح أمامه.

اقتربتُ بخطوات متسارعة، وقلبي ينبض بوجل شديد. نظرتُ إلى الدفتر المسطور أمامي، ورأيت اسمها مكتوباً بخط واضح: نعمة عبد التواب. وتحته قائمة طويلة من الديون المتبقية: كيلو فول، زيت، صابون، بصل، وبعض الخبز اليابس.

حسيتُ بإحساس من العار يخنقني.. ليس منها، بل من نفسي! كيف يحدث هذا وأنا أرسل لها ثمانية آلاف جنيه كل أول شهر دون تأخير؟ كنت أرسلها عبر الحساب البنكي لأختي الكبرى منى، بحكم قضاؤها وقربها المباشر من بيت أمي، وكانت تنقل لي باستمرار صوراً وردية عن رغد العيش الذي تحياه أمنا.

ـ “يا أمي..”

قاطعتُ صمت المكان بكلمتي. التفتت إليّ أمي فجأة. في اللحظة الأولى، أضاء وجهها بابتسامة فرح غامرة، وانفرجت أساريرها لرؤيتي بعد كل هذا الغياب، لكنها سرعان ما تذكرت المكان والموقف، فنظرت إلى دفتر الديون المفتوح، وباهت وجهها وفقد كل ألوانه خجلاً وارتباكاً.

ـ “أحمد؟! ابني؟! جيت امتى يا حبيبي ومن غير ما تقول؟!”

احتضنتها بشدة، وهنا بلغت الصدمة منتهاها. كانت أمي خفيفة الوزن بشكل مرعب؛ لم أعد أشعر بتلك المرأة القوية التي كانت تحمينا صغاراً، بل كان جسمها ضئيلاً كعود نحيل تحيط به جلابية واسعة.

ـ “يا أمي.. إيه اللي مقعدك تكتب بالدين؟ وأنا ببعت لك مبلغ محترم كل شهر علشان تعيشي مرتاحة وما تحتاجيش لحد؟!”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى