قصص و روايات

مفاجأة لامي

تعلثمت أمي، وتنحنحت بضعف وهي تحاول حمايتي من الحقيقة:
ـ “يا ضنايا معلش.. الدنيا غالية، ومصاريف العلاج والدكاترة كتير، والبركة في الموجود..”

هنا لم يستطع عم حامد السكوت. ترك الميزان جانباً، ونظر إليّ بعينين تملؤهما الصراحة والشفقة:
ـ “مع احترامي ليك يا أحمد.. أمك من زمان ما شافت من الفلوس دي مليم واحد! دي كانت ساعات بتفطر على شاي حاف، وتيجي تاخد شوية الخضار الباقيين أخر اليوم بالآجل!”

نظرت إليه أمي نظرة ترجٍ وسكوت، كأنها توسله ألا يفضح السر. كانت هي ذات النظرة التي تعرفت عليها منذ طفولتي؛ النظرة التي كانت تحمينا بها من فقر الأيام، حين تضع الطعام أمامي وأمام أختي وتقول بابتسامة: “كلوا أنتم يا أولاد، أنا شبعانة ومش عايزة أكل.”

قمت فوراً بسداد كافة الديون المكتوبة في الدفتر لعم حامد، وأخذتُ يد أمي الباردة، ومشيت معها بخطوات بطيئة نحو البيت القديم الذي نشأنا فيه جميعاً.

الفصل الثاني: اكتشاف البيوت الخاوية والأسرار المظلمة
عندما فتحتُ باب البيت، واجهتني الحقيقة المرة التي كانت تُخفى عني طوال عامين.

الحيطان المقشرة تشهد على الرطوبة والإهمال، الباب الخشبي مكسور من أسفله، والغبار يغطي كل زاوية. أين التلاجة الجديدة التي أخبرتني أختي منى أنها اشترتها بالكامل من أموالي؟ أين الغسالة الأوتوماتيكية التي أرسلت ثمنها خصيصاً في الشتاء الماضي؟ لم يكن هناك سوى تلاجة قديمة يعلوها الصدأ، وصوت محركها يئن كأنه يستغيث.

دخلتُ المطبخ الصغير، فتحتُ الثلاجة الخاوية، فلم أجد فيها سوى كيس صغير يضم ثلاث بيضات وقطعة جبن جافة شديدة الملوحة. لا خضار، لا لحوم، ولا أي مقوم من مقومات الحياة الكريمة.

شعرت بدوار شديد يداهم رأسي. التفتُ نحو أمي التي كانت تجلس على كرسيها الخشبي القديم وهي تطأطئ رأسها إلى الأرض.

ـ “يا أمي.. أنطقي وحياتي عندك، من امتى الفلوس دي مابتصلش بيكي؟! وأختي منى بتعمل إيه المبالغ اللي ببعتها كل شهر؟”

جلستُ عند قدميها، وأمسكت بيديها المرتعشتين، ودموع الغضب والذهول تتجمع في عيني. خيم الصمت على الغرفة لثوانٍ معدودات كانت أطول من السنين، قبل أن ترفع أمي كفيها وتغطي بهما وجهها المجهد، وتبدأ في البكاء بصوت خافت يمزق الفؤاد:

ـ “من أول يوم بدأت تبعت فيه يا ابني.. أختك منى كانت بتاخد كل قرش!”

نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. استرسلت أمي بصوت مكسور، تشوبها الحشرجة والخوف:

ـ “أول شهر بعت فيه الفلوس، جت لي منى وقالت لي: الفلوس دي كتير قوي يا أمي، وأحمد بيتعب فيها ومحدش عارف الظروف، أنا هحطها في حسابي الخاص، وأصرف لك كل أسبوع اللي تحتاجيه عشان الفلوس متضيعش منك أو تتسرق. وافقت يا بني، دي بنتي الكبيرة، وكنت فاكرة إنها خايفة عليا وبتحميني.”

تنهدت أمي بوجع يعصر القلب، وأكملت حديثها:

ـ “في الشهر الأول، جابت لي شوية خضار وجبن وقال لي الفلوس لسه ما اتفكش منها كتير. وفي الشهر التاني، بدأت تقول لي إن الأسعار غالية والمصاريف زادت، وإن جوزها ظروفه صعبة. ومع الوقت، بقت تبعت لي مبالغ بسيطة جداً لا تكفي عيش وحاف. ولما كنت أقول لها: يا منى، أنا محتاجة أدويتي ومحتاجة أكل مغذي، كانت تزعق وتقول لي: تعالي عيشي عندي في بيتي لو مش عاجبك، بس إياكِ تقولي لأحمد حاجة! أحمد مسافر ومضغوط وشغله صعب، ولو عرف إننا بنتخانق على الفلوس هيزعل وما يعودش يبعت مليم واحد ونضيع كلنا!”

توقف نبضي لبرهة وأنا أستمع لهذا المخطط الخبيث. أختي لم تكن تكتفي بسلب المال، بل كانت تمارس ضغطاً نفسياً وتهديداً مستمراً على امرأة مسنة لا حيلة لها!

ـ “يعني كانت بتهددك وتستغل خوفك عليا عشان تسكتي؟”

ـ “كنت خايفة عليك يا حبيبي.. كنت خايفة أكون عبء عليك وأنت في الغربة لوحدك، وخايفة أعمل مشكلة بينك وبين أختك وأقطع صلة الرحم بينكم. فسكت.. سكت سنتين كاملين، وأنا بعاني المرار وكل ما أحتاج لقمة أو دوا ألاقي نفسي مكسورة ومش معاي ثمنهم.”

قمتُ واقفاً، والدم يغلي في عروقي غلياناً. سنتان كاملتان وأنا أعمل ليل نهار في بلد الغربة، أحرم نفسي من أبسط الملاذات والرفاهيات، أعيش على القليل لكي أضمن لأمي أعلى درجات الراحة، بينما كانت أختي تأخذ ثمانية آلاف جنيه شهرياً لتعيش بها حياة مترفة، بينما تركَتْ أمنا التي ربتنا وسهرت الليالي تتضور جوعاً وتستجدى قوت يومها بالآجل من دكاكين الحارة!

لم تكن الخيانة قصيرة المدى، بل كانت عملية اغتيال بطيء لكبرياء أمي وصحتها. نظرتُ إلى جدران الغرفة المتهالكة وشعرت بحجم الإثم. أقسمتُ في نفسي ألا يمر هذا الأمر مرام السحاب، وأن أسترد كرامة هذه الأم المغدورة مهما كان الثمن.

الفصل الثالث: مواجهة بيت الزجاج
في صباح اليوم التالي، لم أستطع النوم ليلة واحدة تحت ذلك السقف المتهالك دون أن أتحرك. اتجهتُ مباشرة إلى الحي الراقي الذي تنتقل إليه أختي منى حديثاً.

وقفتُ أمام باب شقتها الفخم. كانت البناية حديثة، والمدخل مصمماً بالرخام الفاخر. شعرت بغضب عارم يشتعل في صدري؛ فهذا البذخ لم يكن إلا استقطاعاً من قُوت أمي وصحتها. قرعتُ الباب بقوة متزنة، وبعد لحظات فتحت لي منى وهي ترتدي ثياباً أنيقة، وعلامات الفرح والمفاجأة تبدو على وجهها:

ـ “أحمد! يا نهار أبيض! جيت امتى من السفر؟ مبروك العودة يا حبيبي، اتفضل ادخل، ده أنا كنت لسه بفكّر أكلمك عشان أسألك وصلت ولا لسه!”

دخلتُ بخطوات ثقيلة، ولم أنزع معطفي. كانت الشقة تعج بكل مظاهر الثراء الحديث: أثاث فاخر، شاشة عرض ضخمة تغطي الجدار، أجهزة كهربائية حديثة في كل ركن، وطفلها الصغير يلعب بدمى باهظة الثمن على سجادة حريرية.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى