
لما اخترت صغيره على قد جيبي في عماره قديمه وقالي بلاش دي محدش بيقعد فيها دقيقتين…بس لما دخلتها وعرفت السر اللي بيطفش الناس جريت عليه وطلبت منه اشتريها حالا !!!!!! أنا اسمي “عماد”، شاب في اول عمري بس من يومي، ابويا وامي اتوفوا في لسه وعمامي اكلوا ورث ابويا ورموا حاجتي في الشارع قالولي جدك مسابلهوش حاجه..
-
كنا مشغلين ماتش لكاس العالممنذ يوم واحد
-
رجعت البيت لقيت مراتي الحاملمنذ 5 أيام
-
اول يوم بعد فرحيمنذ 5 أيام
-
رجل الأعمال عمرو المنصوريمنذ 5 أيام
قررت اعتمد على نفسي لميت الـ 200 ألف جنيه اللي حيلتي شقا عمري كله، وحلفت 100 يمين إني لازم أثبت رجلي في القاهرة دي ومارجعش مكسور العين قدام اعمامي .
وأول حاجة فكرت فيها إني أشتري شقه تلمني إن شالله تكون حتة جحر، قديمة، مكركبة، مش مهم.. المهم يكون عندي سقف ملكي ومحدش فيه.
مشيت مع السمسار كعب داير وشوفنا أكتر من تلاتين شقة، اللي ألاقي سعرها ضارب في العالي، واللي ألاقيها خرابة ماتتسكنش.
صبري كان خلاص هيخلص ومبقتش قادر.
لحد ما لقيتُه بيقلب في الدفاتر اللي معاه، وطلع ورقة وقال لي بتردد وهو خايف:
“يا استاذ عماد، في شقة كدة في الأرضي.. قديمة ومكركبة وصغيرة، بس وضعها… اممم، غريب شوية.”
“غريب إزاي يعني؟” سألته وأنا مهدود وتعبان وبشرب بوق الميه بالعافيه .
“معروضة للبيع بقالها سنتين ومحدش بيبص لها.”
“صاحبها كان طالب فيها الأول 750 ألف جنيه، ودلوقتي… دلوقتي راميها بـ 200 ألف بس!”
شرقت والمية وقفت في زوري!
من 750 ألف لـ 200 ألف؟
ليه؟ الشقة دي مسكونة ولا ايه؟
“عنوانها فين بالظبط؟” الفضول بدأ ياكلني.
“في وسط البلد، في حتة حواري قديمة كدة، لوكيشن ملوكي الصراحة وموقعها ملوش حل.. بس الشقة نفسها…”
السمسار “أحمد” وشّه اتكرمش وقال:
“يا أستاذ بلاش منها، تعال نشوف حاجة تانية أحسن.”
“لأ، عايز أشوفها ليه مش عايزني تفرجهالي .
قلتها بلهجة حاسمة مفيهاش فصال.
أحمد هز رأسه بقلة حيلة وضيق:
“يا فندم مش مسألة مش عايز أفرجك، بس كل اللي دخل الشقة دي قبل كدة مكملش خمس دقائق وجري برة وهو مرعوب.”
“كلهم جريوا؟”
“آه والله، ناس تقول المكان تقيل وفيه طاقة سلبية وعفاريت، وناس تقول أول ما بنعتب الباب بنحس بدوخة وغمامان نفس ونبقى عايزين نرجع. الشقة دي بقت شبه أسطورة بين السماسرة في المنطقة والظاهر انها فعلا مسكونه.”
ضحكت من قلبي وقولتله:
“يا عم أنا واحد مبقاش وراه حاجة يخسرها ولا لاقي شغل، ولا عندي اهل ولا بيت هخاف من العفاريت؟ يلا بينا.”
البيت كان قديم جداً، السلم مكركب كراكيب بيوت زمان، والمدخل ضيق.
باب الشقة كان خشب من بتاع
زمان، مدهون لاكيه نبيتي غامق، ومتغرق إعلانات سباكين وكهربائية مقطعة، والقفل مصدي على الآخر.
أحمد إيده كانت بترتعش وهو بيطلع المفتاح، وحاول كذا مرة لحد ما الباب فتح بصوت تزييق يوجع السنان.
أول ما الباب فتح، هبت في وشنا ريحة غريبة تخنق.
ريحة غريبه جدا ونفاذة وتقيلة تكتم النفس.
الشقة كانت ضلمة كحل، ومفيش نور شغال.
أحمد وقف عند العتبة برة ومارضيش يدخل خطوة واحدة:
“اتفضل يا استاذ عماد شوفها أنت، أنا هستناك هنا على السلم.”
ماتشغلتش بيه ودخلت علطول.
الشقة كانت أوضة وصالة وحمام ومطبخ صغار جداً.
الحيطان كانت سودا كأن كان فيه حريقة، بس لما مشيت إيدي عليها ملقيتهاش هباب فحم، لقيت مادة لزجة كدة وبتلزق في الإيد .
الأرض كلها تراب شبر.
مفيش كراكيب جوة غير سرير خشب قديم مكسور ودولاب برجل واحدة ملوحة.
هي دي بقى الشقة اللي الناس مابتكملش فيها خمس دقائق؟
قولتها وانا نفسي مخنوق من الريحه الغريبه بس بحاول اقنع نفسي ان كل شئ عادي
عادية يعني، قديمة ومتربة وريحتها تضايق، بس مفيهاش حاجة تخوف.
مشيت لحد الشباك عشان أفتح الستارة وأدخل شوية هوا ونور.
الستارة كانت قطيفة تقيلة ولونها بني غامق، أول ما لمستها نزل منها جبل تراب.
شديتها بكل عزمي.
الستارة بالماسورة بتاعتها وقعوا على الأرض.
شمس العصاري دخلت فجأة نورت وفي اللحظة دي بالذات… أنا اتثبتت في مكاني.
بصيت بذهول للحيطة اللي الشمس فيها.
المادة السودا اللزجة دي، أول ما الشمس جت عليها، بدأت تلمع والريحة التقيلة اللي في الجو، مع سخونية الشمس، بدأت تطلع وتفوح أكتر وتملى المكان وبقت تخنق اكتر واكتر.
قربت من الحيطة، وبالراحة كدة وبضفري كشطت حتة صغيرة من الدهان الأسود ده.
ملمسها تحت إيدي كان مطاطي ومرن… ملمس أنا عارفها كويس أوي أوي!
رفعت إيدي عند مناخيري، غمضت عيني، وشميت الريحة بعمق.
هي! هي بالظبط
فتحت عيني فجأة.
وقلبي كان بيدق زي الطبل.
مش من الخوف… لأ!
أنا كنت هطير من الفرحة، فرحة تخلي العاقل يتجنن!
لفيت وجريت بأقصى سرعة للباب، لدرجة إن أحمد السمسار اتخض ورجع لورا وهو مخضوض.
“في إيه يا بيه ؟ تعبت صح؟ يلا بينا نمشي بسرعة من هنا!”
مسكته من دراعه بجمود وعيني بتلمع:
“كلملي صاحب الشقة دلوقتي حالا.”
“إيه؟”
“كلمه حالا بقولك!” انا اشتريت !!!!!
مسكت أحمد السمسار من دراعه لدرجة إن صوابعي علّمت في جلده، والراجل كان باصصلي وهو مبرق ومش فاهم حاجة، يادوب بيبلع ريقه بالعافية ويقولي: “يا بيه صلي على النبي،
اشتريت إيه؟ أنت وشك أصفر وعرقان كأنك شُفت جن مصور جوة! تعال ننزل بس نشرب حاجة ونهدى.”
زعقت فيه بصوت هز العمارة القديمة: “بقولك كلم صاحبها حالاً! الـ 200 ألف جنيه جاهزين كاش وفي الشنطة دي، والمقدم أهو.. أنا مش هتحرك من هنا إلا والوصول في إيدي!”
أحمد طلع تليفونه وإيده ، رقم وصبر ثواني لحد ما الخط فتح، وجالي صوت راجل كبير في السن، صوته باين عليه الهم والتعب: “أيوة يا أحمد، فيه جديد في الشقة الملعونة دي؟”
السمسار بصلي وبلع ريقه وقال: “معايا زبون يا حاج توفيق.. وعايز يشتري حالا كاش.”
التليفون سكت لثواني، كأن الراجل مش مصدق، وبعدين رد بصوت واطي: “هو لسه مخرجش يجري؟ قعد فيها أد إيه؟”
أحمد رد: “بقاله ربع ساعة جوة يا حاج، وطالع مش على بعضه وبيقول شاري.”
الحاج توفيق قال بلهفة: “أنا ربع ساعة وأكون عندكوا.. متخليهوش يمشي!”
قعدت على السلم القديم المترب وأنا بضحك في سري، ضحكة واحد كان ولقى قشاية، لأ.. ده أنا لقيت جزيرة دهب!
أحمد السمسار كان واقف بعيد عني، ساند على الحيطة وبيبصلي بريبة، كأنه مقتنع إني املبست أو العفاريت لحست مخي في الخمس دقائق اللي دخلتهم جوة. هو معذور، ميعرفش أنا شفت إيه، وميعرفش السر اللي خلى الناس تحس بـ “غمامان النفس” والدوخة وأول ما يدخلوا يجروا.
السر كله كان في المادة السودا اللزجة اللي ماليّة الحيطان، والريحة النفاذة اللي تكتُم النفس..
الناس العادية، وأصحاب الشقة، وحتّى السماسرة، لما كانوا بيدخلوا ويشموا الريحة دي مع الضلمة والكآبة اللي في المكان، كانوا بيفتكروا إنها طاقة سلبية أو سحر أسود ومكان مسكون.. بس أنا؟ أنا أبويا الله يرحمه كان أكبر تاجر عطارة وزيوت طبيعية وجيولوجي هاوي في قريتنا قبل ما والورث يتسرق، وأنا عشت طفولتي كلها وسط البراميل والوصفات، وبشم الروائح دي وبفرّق بينها وعيني مقفولة!
المادة اللي على الحيطة دي مكنتش دهان، ولا كانت هباب حريقة.. دي كانت مادة الموميّاء أو اللي بيسموها في عالم العطارة برة البتومين الطبيعي النقي المخلوط براتنجات عطرية قديمة، ومعاها كميات ضخمة من العنبر الخام الأصلي والمسك الأسود العتيق!
الشقة دي في الغالب كانت مخزن سري لتاجر عطارة قديم جداً من أيام الملكية، أو حد كان بيعتّق فيها الزيوت الثمينة دي، ولسبب ما، البراميل دي أو ساحت على الحيطة مع الرطوبة والزمن وعملت طبقة سميكة. العنبر والمسك الخام لما بيقعدوا في مكان مقفول سنين طويلة من غير تهوية، بيطلعوا غازات تقيلة
جداً ونفاذة بتعمل دوخة وغمامان نفس وضيق تنفس للي مش متعود عليها، وطبعاً مع ثقافة الخوف من العفاريت، أي حد كان بيدخل ويحس بالدوخة دي كان بيجري ويقول المكان مسكون!
لكن لما فتحت الشباك، والشمس في الحيطة وسخنت المادة دي، بدأت تسيح وتطلع ريحتها الحقيقية.. ريحة دهب سايل! الحيطة دي لو اتكشطت واتصفت، تطلع ييجي 200 أو 300 كيلو من العنبر الخام والراتنجات الأثرية.. دي تساوي ملايين! ملايين يا عمام يا !
بعد ربع ساعة بالظبط، وصل الحاج توفيق، راجل عجوز وظهره منحني، باين عليه إنه مش طايق سيرة الشقة دي وعايز يخلص من همها. أول ما شافني قال أنت الشاري يا ابني؟
وقفت وقولتله بكل ثقة أيوة يا حاج.. شاري بوضبها وقرفها وترابها وعفاريتها.
الراجل طيب قلبه وجعه عليا وقال يا ابني أنا مأكلش حرام، الشقة دي من يوم ما ورثتها عن عمي وأنا مش عارف أهوب ناحيتها، وكل ما أجرها لحد يطفش تاني يوم ويقولي جوة.. أنا نزلت سعرها للأرض عشان أخلص من ذنبها.
قولتله وأنا بطلع رزم الفلوس من الشنطة وأنا قَبِلت يا حاج، وأنا أولى ب ذنبها.. يالا بينا على المحامي نكتب العقود حالا.
الراجل عينه لمعت بالراحة وفك كيس كان في إيده، وطلع العقود القديمة، وفي ظرف ساعة زمن، كنا قاعدين في مكتب محامي تحت العمارة، ومضينا العقود، ودفعت ال 200 ألف جنيه كاملين مكملين يادوب سيبت معايا ألفين جنيه للمصاريف، واستلمت المفتاح المصدي.. وبقيت رسميًا صاحب الشقة!
أول ما رجعت الشقة، كانت الساعة دخلت على المغرب.. السمسار مشي وهو بيبصلي كأني مجنون رايح لحتفه، وأنا دخلت وقفلت الباب عليا بالمفتاح والترباس.
الشقة كانت ضلمة، والريحة لسه تقيلة.. بس المرة دي، أنا مشامم ريحة خوف، أنا شامم ريحة فلوس!
قعدت على السرير المكسور في وسط الضلمة، ونزلت دموعي غصب عني.. دموع الفرحة والقهر اللي كتمته جوايا من يوم ما عمامي رموني في الشارع. قعدت أضحك وأبكي في نفس الوقت وأقول يا رب.. أنت كبير ومبتسيبش غلبان.
تاني يوم الصبح، نزلت اشتريت أدوات نظافة، وسكاكين معجون عريضة، وجراكن بلاستيك كبيرة، وكمامة كتمت بيها مناخيري عشان أعرف أشتغل من غير ما أدوخ.
بدأت المعركة..
فتحت الشبابيك كلها عشان الهوا يدخل، وبدأت بسكينة المعجون أكشط الحيطة حتة حتة. الموضوع كان شاق جداً ومجهد، المادة كانت مطاطية وبتطلع بصعوبة، بس مع كل كشطة، كنت بشوف حتت العنبر الرمادي والأسود وهي بتلمع في الشمس.
اشتغلت تلات أيام متواصلة، من الفجر لحد نص الليل، مابنامش غير ساعتين، باكل عيش
وجبنة وأشرب مية وأرجع أكمل كشط.. لحد ما خليت الحيطان على الطوب الأحمر! وبقى عندي في
متابعة القراءة








