
— في محطة قطار قديمة.
سامح هز رأسه.
— غلط.
ملك بصت له.
— إنت بتقول إيه؟
— الخزنة مش في محطة القطار.
ثم نظر لآدم.
— أخوها قال لها كده عشان يبعدها عن المكان الحقيقي.
آدم سأله:
— وإنت تعرف المكان الحقيقي؟
سامح ابتسم.
— أيوه.
— فين؟
سامح لم يرد.
آدم اقترب منه.
— آخر فرصة.
سامح قال:
— تحت بيت عيلة الدمنهوري القديم.
تغير وجه آدم فورًا.
المكان ده كان مقفول من أكتر من عشرين سنة.
ولا حد من رجاله كان يعرف إنه لسه موجود.
ملك سألت:
— إيه بيت عيلة الدمنهوري؟
آدم لم يجب.
سامح قال:
— المكان اللي اتدفنت فيه أسرار عيلتك كلها.
ثم فجأة سمعوا صوت سيارة تصطدم بالبوابة الخارجية.
الحراس جريوا ناحية الشبابيك.
أحدهم صاح:
— في عربيات داخلة!
آدم أصدر أوامره بسرعة:
— اقفلوا البوابات الداخلية. محدش يخرج من القصر.
ثم التفت لملك.
— إنتِ هتفضلي هنا.
ملك هزت رأسها.
— لأ.
— ده مش طلب.
— وأنا مش هفضل مستخبية.
آدم نظر لها بحدة.
— الناس دي مستعدة تقتل عشان توصلك.
ملك ردت:
— وأنا مستعدة أعرف ليه.
آدم سكت.
ثم قال:
— رائد.
رائد رفع عينيه.
آدم أشار للحراس.
— خدوه للمخزن السفلي.
رائد بدأ يقاوم.
— آدم، اسمعني…
— خدوه.
وبينما الحراس اقتادوه بعيدًا، سامح قال:
— إنت فاكر إن رائد هو الخائن؟
آدم توقف.
— أيوه.
سامح ابتسم.
— يبقى إنت لسه ما فهمتش.
آدم التفت له.
— فهمت إيه؟
سامح قال:
— الخيانة مش جاية من رجال الحراسة.
ثم نظر إلى ملك.
— جاية من حد عايش معاك في القصر من سنين.
ملك شحبت.
آدم سأل:
— مين؟
لكن سامح ما جاوبش.
وفجأة…
ظهر صوت امرأة من أعلى السلم:
— أنا ممكن
أقولك مين.
الجميع رفع عينيه.
كانت امرأة في منتصف الخمسينات، واقفة بهدوء، وفي إيدها ظرف بني قديم.
ملك أول ما شافتها…
شهقت.
— مستحيل…
آدم بص لملك.
— تعرفيها؟
ملك كانت مش قادرة تتكلم.
المرأة نزلت درجة واحدة.
ثم قالت:
— أنا أم ملك.
ملك بدأت تبكي.
— بس إنتِ…
المرأة قاطعتها:
— كان لازم أختفي.
ثم نظرت إلى آدم مباشرة.
— لأن لو كنت فضلت موجودة…
سكتت لحظة.
وقالت:
— كانوا هيقتلوا آدم قبل ما يقتلوا ابني.
آدم اتجمد.
— إنتِ تعرفي اسمي منين؟
المرأة ابتسمت بحزن.
ثم رفعت الظرف.
— لأن الرسالة اللي أخوها سلّمهالي…
— كانت مكتوبة بإيد أبوك.آدم ثبت مكانه.
الخطوات كانت لسه مستمرة.
خطوة…
وبعدها خطوة تانية…
صوتها جاي من الممر الداخلي للقصر.
رائد أشار للحراس إنهم يستعدوا، لكنه ما قدرش يحدد مين اللي بيتحرك.
ملك قربت من آدم وهمست:
— لازم نستخبى.
آدم بص لها باستغراب.
— إنتِ خايفة من مين بالظبط؟
— من الشخص اللي جوه.
— إنتِ تعرفيه؟
ملك هزت رأسها.
— أيوه.
وقبل ما آدم يسألها، ظهر رجل عند نهاية الممر.
كان لابس بدلة سوداء، وبيمشي بمنتهى الهدوء، كأنه صاحب المكان.
رائد رفع سلاحه فورًا.
— قف مكانك!
الرجل وقف.
ابتسم.
— أنا مش جاي أؤذي حد.
آدم بص له ببرود.
— يبقى إنت جاي ليه؟
الرجل نظر ناحية ملك.
— جاي آخدها.
ملك رجعت خطوة للخلف.
لكن آدم وقف قدامها مباشرة.
— مش هتاخد حد من هنا.
الرجل ضحك بهدوء.
— إنت مش فاهم الموضوع يا آدم.
مجرد سماع اسمه بالطريقة دي خلّى رائد يتوتر.
لأن الرجل الغريب ما قالش “يا باشا”.
ما قالش “السيد آدم”.
قال اسمه كأنه يعرفه من زمان.
آدم ضيق عينيه.
— إنت تعرفني؟
الرجل رد:
— أكتر مما تتخيل.
ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه.
مفتاح.
ملك شهقت.
— ده هو!
آدم التفت لها.
— متأكدة؟
هزت رأسها.
— أيوه… ده مفتاح أخويا.
الرجل ابتسم.
— أخوها ما كانش محتاج يموت.
ملك اندفعت ناحيته، لكن آدم أمسك ذراعها وأوقفها.
— ما تتحركيش.
قالت بانفعال:
— هو عارف مين قتل أخويا!
الرجل رد ببرود:
— وأنا مش بس عارف…
ثم رفع عينيه لآدم.
— أنا كنت آخر واحد شافه قبل ما يموت.
ساد الصمت.
آدم قرب خطوة.
— وإنت مين؟
الرجل ابتسم.
— اسمي سامح.
رائد تمتم:
— مستحيل…
آدم بص له.
— تعرفه؟
رائد بلع ريقه.
— مش هو اللي فاكره يا باشا؟
سامح ضحك.
— واضح إن صاحبك فاكرني.
آدم لم يبعد عينيه عنه.
— اتكلم يا رائد.
رائد قال بصوت منخفض:
— سامح كان مسؤول عن واحدة من أكبر عمليات الحراسة عندنا من سنين.
ملك بصت لآدم بصدمة.
— يعني هو من رجالتك؟
آدم لم يرد.
سامح قال:
— كنت من رجاله.
ثم أضاف:
— لحد ما اكتشفت إن أخو ملك كان بيدور على حاجة آدم نفسه ما يعرفش إنها موجودة.
آدم لأول مرة فقد هدوءه.
— إيه الحاجة دي؟
سامح نظر إلى ملك.
— خليها هي تقولك.
ملك شحبت.
— أنا معرفش.
— لأ… إنتِ عارفة.
ثم اقترب سامح خطوة.
— لأن أخوكي قبل ما يموت، خبّى الحاجة عند الشخص الوحيد اللي كان واثق إنه مش هيبيعها.
ملك بدأت تهز رأسها.
— لأ…
سامح قال:
— أمك.
تجمدت ملك.
آدم لاحظ التغيير في وجهها.
— أمك عايشة؟
ملك لم ترد.
سامح ابتسم.
— كانت عايشة.
ثم قال الجملة التي جعلت ملك تسقط على الكرسي القريب:
— لكن الناس اللي برا القصر مش بيدوروا عليكي عشان المفتاح.
— أمال عشان إيه؟
سامح نظر لآدم.
— عشان معاكي آخر دليل يثبت مين خان آدم الدمنهوري من جوه القصر.
آدم التفت ببطء ناحية رجاله.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار القصر كلها.
صرخ أحد الحراس من الخارج:
— يا باشا! حد قطع الكهرباء!
ثم جاء صوت ارتطام قوي.
وبعده…
صوت طلقة واحدة.
ملك مسكت ذراع آدم من الخوف.
آدم قال فورًا:
— رائد، خد ملك للغرفة الآمنة.
لكن رائد ما ردش.
آدم التفت.
رائد كان واقفًا في مكانه…
والسلاح في إيده موجه ناحية آدم.
— آسف يا باشا.
الصمت تجمد في المكان.
ملك شهقت.
وسامح ابتسم.
أما آدم…
فبص لرائد للحظات، ثم قال بهدوء شديد:
— كنت مستني اللحظة دي من زمان.
رائد اتوتر.
— إيه؟
آدم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— كنت مستني أعرف مين أول واحد هيبيعني.
ثم سحب هاتفه من جيبه.
— والظاهر إنك اخترت الوقت الغلط.
وفجأة…
اشتغلت أنوار القصر.
وظهر خلف رائد أربعة من رجال آدم، وكل واحد منهم مصوب سلاحه عليه.
رائد تجمد.
لكن سامح لم يتفاجأ.
بل قال:
— لسه عندك وقت يا آدم.
آدم رد:
— وقت لإيه؟
سامح أشار ناحية ملك.
— لأنها لسه ما قالتلكش إن أخوها قبل ما يموت…
سكت لحظة.
ثم ابتسم.
— سلّمها رسالة باسمك.آدم ما اتحركش.
حتى نفسه وقف للحظة.
— أبويا؟
المرأة هزت رأسها.
— أيوه.
ملك بصت لأمها بصدمة.
— إنتِ كنتِ تعرفي أبويا آدم؟
المرأة ردت بصوت هادي:
— مش بس كنت أعرفه… أنا كنت شاهدة على آخر ليلة في حياته.
آدم قرب منها خطوة.
— أبويا مات من خمستاشر سنة.
— عارفة.
— وإزاي تكوني شاهدة على آخر ليلة؟
المرأة رفعت الظرف.
— لأن اللي حصل في الليلة دي ما كانش حادث.
الصمت نزل على المكان.
آدم مد إيده.
— هاتي الظرف.
لكنها ما اتحركتش.
— قبل ما آخد منك حاجة، لازم تعرف الحقيقة كاملة.
آدم قال ببرود:
— الحقيقة مش بتتقال بالشروط.
المرأة بصت في عينه.
— لكن دي المرة الوحيدة اللي هتسمعها فيها.
ملك قربت منها.
— ماما، إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟
المرأة بصت لها بحزن.
— بحاول أحميكي.
— من مين؟
— من نفس الناس اللي قتلوا أخوكي.
ملك بدأت تبكي.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة إنهم هيقتلوه؟
المرأة سكتت.
ملك صرخت:
— كنتِ عارفة؟!
آدم تدخل بهدوء:
— ملك، اهدي.
لكنها بصت له.
— لأ! أنا عايزة أعرف!
أمها قالت:
— أخوكي اكتشف حاجة ما كانش المفروض يعرفها.
— إيه؟
— اكتشف إن والد آدم كان بيحاول يخرج من عالم الجريمة قبل موته.
آدم عقد حاجبيه.
— أبويا كان ناوي يسيب كل ده؟
— أيوه.
— وإيه اللي منعه؟




