قصص و روايات

جلابية باهته

هز الرجل رأسه بتفهم ثم قال: “صحيح. ولذلك لا أحد يقول إنك مخطئ. لكن في أم درمان، قبل أن يذهب الناس للقاضي، يذهبون أولًا لأهل الحكمة.”
رفع عبد الرحمن عينيه إليه، فسأله الحاج عثمان مباشرة: “هل تريد حقك أم تريد كسر أخيك؟”

صمت طويلًا قبل أن يجيب: “أريد أن يعرفوا أنني لست ضعيفًا.”
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة صغيرة وقال: “إذن تعال إلى المجلس ودع الرجال يسمعونك.”

وفي الليلة التالية، امتلأ بيت الحاج عثمان بالرجال. سجاد أحمر قديم يغطي الأرض، أباريق الشاي والقهوة السودانية تدور بين الجالسين، ورائحة البخور تختلط بصوت المراوح القديمة.
جلس كبار العائلة وأهل الحي في دائرة واسعة. وكان عبد الرحمن في جهة، ومصعب في الجهة المقابلة.
ومنذ البداية، بدا واضحًا أن مصعب لم يعد يملك تلك الثقة القديمة. حتى هنادي جلست خلف الباب الداخلي بصمت وعيناها متورمتان من البكاء، أما الأم فجلست في الداخل مع نساء العائلة تسمع كل شيء وتبكي بصمت.

بدأ الحاج عثمان الكلام بهدوء: “نحن اليوم لا نجتمع لنفضح أحدًا، بل لنمنع بيت الطيب من الانهيار.”
ثم التفت إلى عبد الرحمن: “تكلم يا ولدي.”

ساد الصمت، ثم قال عبد الرحمن بهدوء جعل الجميع ينصتون: “أنا لم أعد لأخذ مالًا ولا بيتًا ولا أرضًا.”
رفع عينيه نحو أخيه: “عدت فقط لأرى إن كنت ما زلت فردًا من هذه العائلة.”
ثم أخرج من جيبه رزمة أوراق قديمة… رسائل.
وقال وهو يضعها أمام الرجال: “هذه نسخ من الرسائل التي أرسلتها لأمي طوال السنوات الماضية، وهذه تحويلات المال، وهذا عقد الأرض باسمها.”
ثم رفع نظره نحو مصعب: “كنت أعمل أحيانًا ست عشرة ساعة يوميًا وأنام في غرفة مع ثمانية رجال فقط حتى لا تحتاج أمي شيئًا.”

بدأ بعض الرجال يهزون رؤوسهم بأسف.
فأكمل عبد الرحمن بصوتٍ اختنق بالألم: “لكن ما قتلني ليس المال، بل أن أخي سرقني وأنا حي، وسرق أمي مني، وسرقني منكم جميعًا، ثم جعلني أعيش سنوات أظن أن الجميع نسيني.”

وفي الداخل، ارتفع صوت بكاء الأم. خفض الحاضرون رؤوسهم احترامًا، أما مصعب فبقي صامتًا.
حتى قال له أحد كبار العائلة: “رد يا مصعب.”

بلع ريقه بصعوبة ثم قال أخيرًا: “نعم… أخطأت.”
ساد الصمت بالكامل، حتى صوت المراوح بدا واضحًا.
قال بصوتٍ متعب: “في البداية كنت فقط أريد تنظيم الأمور، ثم خفت أن يعود عبد الرحمن ويأخذ كل شيء وأنا الذي بقي هنا طوال السنين.”
رفع عينيه أخيرًا نحو أخيه: “كنت أغار منك.”

تفاجأ الجميع، أما عبد الرحمن فظل ثابتًا.
أكمل مصعب بصوت مكسور: “الناس كانوا يقولون دائمًا عبد الرحمن فعل، عبد الرحمن أرسل، عبد الرحمن بنى البيت… وكأنني لا أفعل شيئًا.”
ثم ضرب بيده على ركبته بعصبية: “وأنا كنت أركض كل يوم لأحل مشاكل البيت! كنت أريد مرة واحدة أن أشعر أنني صاحب القرار، لا مجرد أخ يعيش من مال أخيه.”

قال رجل مسن من آخر المجلس: “لكنك تجاوزت الحدود يا ولدي.”
هز مصعب رأسه ببطء: “أعرف.” ثم نظر إلى أخيه لأول مرة مباشرة: “لكنني والله ما أردت أن أقطعك عن أمك بالكامل، الأمور خرجت من يدي.”

ضحك عبد الرحمن بوجع: “خرجت من يدك بعد سبعة عشر عامًا؟”
لم يجد مصعب ردًا.

وتدخل الحاج عثمان سريعًا قبل أن يشتعل المجلس، وقال بهدوء: “الخطأ وقع، والسؤال الآن: هل ندفن البيت فوق الخطأ، أم نصلحه؟”
ثم التفت إلى عبد الرحمن: “أنت صاحب الحق، والقرار قرارك.”

نظر الجميع إليه. وكان واضحًا أن كلمة واحدة منه قد تُدخل أخاه المحكمة فعلًا.
صمت طويلًا… طويلًا جدًا.
ثم قال أخيرًا: “أريد شيئًا واحدًا فقط؛ أريد أن تعود أمي تتكلم معي دون خوف، وأن يعرف الجميع أن عبد الرحمن ليس غبيًا ولا ضعيفًا.”
ثم التفت إلى أخيه مباشرة: “ولن أقبل بعد اليوم أن تُدار حياتي أو حقي باسمي وأنت تخفي عني الحقيقة.”

هز مصعب رأسه ببطء وقال بصوتٍ مبحوح: “من حقك.”
فسأله الحاج عثمان: “وماذا عن القضية؟”

ساد الصمت مجددًا، ثم قال عبد الرحمن: “إذا أعاد كل شيء باسم أمي رسميًا أمام الجميع سأتنازل عنها.”
ارتفعت همهمات الارتياح داخل المجلس.

لكن عبد الرحمن أكمل بحزم: “وهناك شرط آخر.”
نظر إليه مصعب بتوتر، فقال: “لن أعيش بعد اليوم كضيف في بيت أبي.”

خفض مصعب رأسه، ثم قال بهدوء مكسور: “البيت بيتك يا عبد الرحمن.”
ولأول مرة منذ وصوله، شعر عبد الرحمن أن الجملة خرجت صادقة فعلًا.

انتهى المجلس بعد منتصف الليل، لكن المصالحة الحقيقية لم تحدث فورًا؛ فالكسور العميقة لا تُشفى في ساعة.
وفي الأيام التالية، أعاد مصعب كل إجراءات الأرض رسميًا باسم والدته أمام المحامي والشهود، كما كتب تعهدًا بعدم التصرف في أي شيء يخص العائلة دون موافقتها الكاملة.

أما عبد الرحمن فسحب البلاغ بالفعل. وحين سأله المحامي إن كان متأكدًا، أجاب بهدوء: “المحاكم تعيد الحقوق، لكن ليس العائلة.”

بعد أسبوع، عاد عبد الرحمن إلى البيت نفسه الذي خرج منه مكسورًا. لكن هذه المرة كانت والدته تنتظره عند الباب. وحين رأته، احتضنته بقوة وبكت طويلًا.
أما هنادي فوقفت بصمت ثم قالت بخجل: “سامحنا يا عبد الرحمن.”
نظر إليها للحظة ثم قال بهدوء: “أنا لم أكن أريد أكثر من مكان بينكم.”

وفي تلك الليلة، أصرّت والدته أن ينام في غرفة والده القديمة؛ الغرفة التي بقيت مغلقة سنوات.
وحين دخلها، وجد فوق الرف مسبحة والده القديمة وصورة باهتة للعائلة قبل سفره. جلس طويلًا ينظر إليها، كان الجميع فيها يبتسمون ببساطة قبل أن تدخل الأموال، والغربة، والغيرة بينهم.

وفي الخارج، كان يسمع صوت مصعب يتحدث مع العمال عن إزالة الجدار الحديدي الكبير الذي بُني أمام البيت قبل سنوات.
ابتسم عبد الرحمن لأول مرة منذ عودته؛ لأنه فهم أخيرًا أن المشكلة لم تكن في الجدران، بل في القلوب التي ارتفعت بينها الجدران بصمت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى