منوعات

الثعبان بتاع بابا كبير

الفصل الأول: صوت في عتمة الليل في تمام الساعة الثالثة فجراً، كانت غرفة العمليات المركزية لشرطة النجدة تعج بالهدوء . أمام شاشات التحكم، جلست “شيرين”، الموظفة التي أمضت عشر سنوات كاملة في هذه الوظيفة . شيرين لم تكن مجرد مستقبِلة بلاغات؛ لقد صقلت الأيام حسها الإنساني والأمني حتى أصبحت قادرة على تمييز صدق الاستغاثة من نبرة الأنفاس. سمعت عبر سماعة أذنها على مدار عقد من الزمن كل شيء: ، الطرقات، ومشاحنات الشوارع الخلفية. لكن الصوت الذي عبر الأسلاك في تلك الليلة جعل

 

كان صوتاً نحيلاً، خافتاً، ومتقطعاً لدرجة أن شيرين اضطرت لرفع مؤشر الصوت إلى حده الأقصى.

“النجدة.. مع حضرتك، إيه البلاغ؟” قالت شيرين بنبرتها الرصينة المعتادة. جاءها صوت طفلة صغيرة، يبدو أنها لم تتجاوز الثامنة من عمرها، أنفاسها متلاحقة كأنها تركض في مضمار من :

“الحقوني.. أنا جوة الغرفة، وهناك أشخاص غرباء يتحدثون بصوت عالٍ مع أبي.. أسمع أصوات أجهزة غريبة ، والباب مغلق عليّ من الخارج.. أنا خائفة جداً!”

لثانية واحدة، ظنت شيرين أن الأمر مجرد خلاف عائلي أو محدود، لكن الصمت المريب الذي كان يقطع جمل الطفلة، والذعر الحقيقي المحفور في نبرتها، جعل حواس شيرين الاستشعارية . حاولت شيرين صياغة كلماتها بحنان دافء لبث الطمأنينة في قلب الصغيرة:

“اهدي يا حبيبتي.. أنا معكِ الآن ولن أترككِ. هل يمكنكِ إخباري باسمكِ؟ وهل يراكِ أحد الآن؟” همست الطفلة بنبرة هزت سماعة الأذن:

“اسمي ليلى.. لا أحد يرانـ…”

فجأة، ارتد عبر السماعة صوت ثقيل؛ خطوات أحذية تقترب على أرضية خشبية، وصوت مقبض باب يُحاول فتحه بعنف، تبعه صوت رجل يصرخ من بعيد. انقطع الخط فجأة، وتحول الصوت إلى طنين مستمر. لم تنتظر شيرين ثانية واحدة؛ وبفضل الأنظمة المحدثة، حددت الإحداثيات الجغرافية لمصدر البلاغ فوراً: في الدور الأرضي، متطرفة في إحدى البنايات بمنطقة فيصل. مررت البلاغ بترميز “أولوية قصوى” لأقرب دورية متحركة في المحيط.

الفصل الثاني: الهدوء الذي يسبق

في أقل من عشر دقائق، كانت سيارة الشرطة تقف مصابيحها مطفأة عند زاوية الشارع المحدد. ترجل أمين الشرطة “حسام” ومعه القوة المرافقة. كان الشارع ساكناً تماماً، والعمارة تبدو طبيعية كأي بناية سكنية أخرى، لا دخان يتصاعد ولا ضجيج يُسمع. صعد حسام درجات السلم القليلة وطرق باب الشقة الأرضية قوية ومدروسة.

انفتح الباب ببطء، وظهر رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي ثياباً منزلية بسيطة، ملامحه هادئة ولطيفة للغاية، وعرّف نفسه ببرود وثبات بأن اسمه “مدحت”، ويعمل مقاولاً في مجال تشطيبات المباني.

“خير يا باشا؟ هل هناك مشكلة؟ هل اشتكى الجيران من أعمال صيانة؟” قال مدحت وعيناه تتحركان بذكاء يرصد قوة الدعم خلف حسام. رد حسام بنبرة جادة وحاسمة: “جاءنا بلاغ استغاثة رسمي من داخل هذه ، يفيد بوجود طفل في حالة .”

تصلبت عضلات وجه مدحت لإجزاء من الثانية قبل أن يعيد رسم ابتسامته المصطنعة: “بلاغ؟ مستحيل يا فندم! لا بد أن هناك خطأ في رقم البناية. أنا أعيش هنا بمفردي مع ابنتي الصغيرة، وهي مستغرقة في النوم داخل غرفتها منذ ساعات.”

وقبل أن يتم مدحت جملته، انبعث من عمق الصالة المظلمة صوت أنين خافت وصوت مجسم خشبي. لم ينتظر حسام إذناً؛ دفعه حسه الأمني وخبرته الطويلة إلى تجاوز الرجل والدخول إلى الصالة فوراً برفقة عناصر القوة. وهناك، خلف باب خشبي موارب، كانت الطفلة ليلى تقف مستندة إلى الحائط، دبدوباً قماشياً قديماً، عيناها متورمتان من البكاء وجسدها يرتجف كورقة شجر في مهب الريح. كانت تنظر إلى والدها بنظرات يملأها حقيقي، ونطقت بصوت مبحوح: “بابا…”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى