
الفصل الثالث: ما وراء الجدار السري
نزل حسام على ركبتيه ليكون في مستوى طول الطفلة، وتحدث إليها بنبرة حانية تماماً: “لا تخافي يا ليلى.. عمو هنا لحمايتكِ، ولن يستطيع أحد إيذاءكِ بعد الآن. أخبريني، ماذا يحدث هنا؟” نظرت ليلى إلى والدها الذي كان يقف خلف رجال الشرطة وعيناه تبرقان بتهديد صامت، فطأطأت رأسها وهمست في أذن حسام: “أبي يخبئ أشخاصاً وأجهزة خلف الخزانة الكبيرة.. ويقول لي دائماً إن هناك وحوشاً ستظهر ليلاً إن تحدثت مع الغرباء.”
استدار حسام نحو مدحت، وأمر العساكر بالتحفظ عليه فوراً وتكبيله احتياطياً. تحركت القوة لتفتيش الغرفة التي أشارت إليها الطفلة. بدا كل شيء عادياً في البداية، حتى اقترب أحد المحققين من خزانة الملابس الخشبية الضخمة المثبتة في الحائط؛ عند دفعها، أصدرت صوتاً معدنياً، وتبين أنها مثبتة على مفصلات متحركة تخفي وراءها باباً حديدياً سرياً يؤدي إلى سرداب سفلي مستقطع من أساسات البناية.
هبطت القوة بحذر إلى السرداب، وهنا تكشفت الكارثة الجنائية التي لم يتوقعها أحد. لم يكن المكان مجرد مخزن، بل كان “غرفة تحكم رقمية” متطورة للغاية؛ تحتوي على عشرات الشاشات، الخوادم (Servers)، وهاردات التخزين العملاقة، وأجهزة تشويش على الاتصالات.
بوصول وكلاء النيابة وفحص المحتويات أولياً، تبين أن هذا المقاول الهادئ الذي يبتسم للجميع ويساعد أهل الحي، يدير في الخفاء شبكة برمجية دولية بالغة الخطورة، متخصصة في البيانات الحكومية، الرقمي للشركات الكبرى، وتداول معلومات استخباراتية محظورة، وكان يستغل السرداب لإدارة عملياته بعيداً عن أعين الرقابة، مستغلاً طفلته لتبقى حارسة صامتة في الطابق العلوي حتى لا ينكشف أمره.
الفصل الرابع: عودة النور
أحدثت هذه القضية هزة ارتدادية في الرأي العام، وتصدرت عناوين الصحف التي أشادت بـ “نباهة مكالمة الطوارئ” التي قادت لتفكيك واحدة من أعقد شبكات الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، وأسفرت عن على ثلاثة معاونين آخرين كانوا يترددون على المخبأ بهويات مزيفة.
أما الطفلة ليلى، فقد تم نقلها فوراً إلى دار رعاية اجتماعية متطورة تابعة للدولة، وخضعت لبرنامج تأهيل نفسي مكثف لمساعدتها على تجاوز سنوات العزلة والخوف التي فرضها عليها والدها.
بعد مرور ستة أشهر على ، قام أمين الشرطة حسام بزيارة الدار للاطمئنان على أحوالها. دخل إلى الحديقة الصغيرة، فلمح ليلى وهي تركض وتمرح مع بقية الأطفال، وقد عادت الحيوية إلى وجهها الصغير. عندما رأته، توقفت واقتربت منه بخجل، ثم ناولته ورقة كانت ترسم عليها؛ لم تعد الرسومات تحتوي على خطوط سوداء وجدران مغلقة كما كانت تفعل في الأيام الأولى، بل كانت رسوماً لبيت واسع تحيط به شمس مشرقة وأزهار ملونة، وكتبت أسفلها بخط صغير: “شكراً لشرطة النجدة”.
ابتسم حسام من أعماق قلبه، وشعر أن تلك الدقائق العصيبة في منتصف الليل قد آتت ثمارها، وأن لغة الأمان والعدالة قد انتصرت في النهاية، لتبدأ ليلى حياتها الجديدة في كنف الحرية والسلام.




