
وكان ذلك اعترافه الكامل.
شعرت أن فستان زفافي أصبح ثقيلًا جدًا
كأنه مبلل بالماء.
ثم سألته بصوت مرتجف
لهذا طلبت نسخة من هويتي؟
رفع رأسه نحوي وقال بسرعة
كان ذلك من أجل السفر.
لكن أبي قال ببرود
لا يوجد سفر أصلًا.
استدرنا جميعًا نحوه.
أخرج والدي هاتفه، فتح شيئًا ما، ثم رفع الشاشة أمام الجميع وقال
وكالة السفر أكدت أمس أن رحلة شهر العسل إلى إيطاليا أُلغيت قبل ستة أسابيع وتم تحويل المبلغ إلى حساب باسم ياسر.
وانفجرت القاعة بالهمسات.
شعرت وكأن الهواء انسحب من رئتي بالكامل.
إيطاليا
الفنادق التي اخترتها بنفسي.
الفساتين التي اشتريتها خصيصًا.
الشوارع القديمة التي تخيلت نفسي أمشي فيها ممسكة بيده.
كل شيء كان كذبة.
همست بصوت مكسور
ألغيت شهر العسل؟
اقترب مني ياسر خطوة وقال بسرعة
كنت سأعيد حجزه لاحقًا.
سألته ببطء
وبأي مال؟
ولم يجب.
شدّت أمينة أسنانها وقالت بانفعال
الأمور بدأت تخرج عن السيطرة.
لكن أمي أعادت الأوراق إلى الظرف وقالت بهدوء قاتل
لا يا أمينة للمرة الأولى فقط بدأت الأمور تعود إلى السيطرة.
ثم
حدث الشيء الذي غيّر كل شيء بالكامل.
نهض رجل يرتدي بدلة رمادية من إحدى الطاولات الخلفية.
لم أكن أعرفه جيدًا
أو ربما رأيته في بداية الحفل وهو يصافح ياسر ويهمس له بشيء.
تقدّم الرجل نحونا ممسكًا كأسه وقال بصوت منخفض، لكن القاعة كانت صامتة لدرجة أن الجميع سمعه
ياسر نحتاج أن نتحدث الآن.
اختفى اللون تمامًا من وجه ياسر.
وقال بسرعة
ليس الآن يا أستاذ عارف.
لكن الرجل قال بصرامة
بل الآن.
أغمضت أمينة عينيها للحظة
وكأنها تعرف رائحة المصيبة منذ وقت طويل.
ثم التفت الرجل نحوي ثم إلى أبي وقال
أعتذر عن التدخل في شأن عائلي لكن إذا لم تكن الشقة باسم ليلى، فلدينا مشكلة كبيرة.
التفتت أمي إليه ببطء وقالت
حقًا؟
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وقال
ياسر قدّم تلك الشقة كضمان معنوي لاستثمار.
ضحك أبي ضحكة جافة وقال
ضمان معنوي؟ يا له من اسم أنيق للكذب.
رفع ياسر يديه بسرعة وقال
لم أوقّع شيئًا!
لكن الرجل أجابه
صحيح لكنك وعدت أنه بعد الزواج ستتمكن من الوصول للشقة. ووالدتك أكدت أن الأمر منتهٍ بالفعل.
ارتجفت يد أمينة بعنف وهي ترفع كأسها حتى انسكب النبيذ على فستانها الذهبي.
وبدا اللون الأحمر الداكن فوق القماش
كأنه دم.
أما أنا
فلم أعد أشعر بالخجل.
الخجل اختفى.
وحلّ مكانه شيء أبرد بكثير.
نظرت إلى ياسر وسألته ببطء
كم تدين لهم؟
نظر إليّ وكأنه يريد إسكاتي بعينيه وقال
ليلى ليس هنا.
لكنني كررت السؤال
كم؟
ولم يجب.
بل أجاب الرجل بدلًا عنه
اثنا عشر مليونًا ونصف المليون دولار.
وشعرت أن القاعة اختفت بالكامل.
أغمضت أمي عينيها للحظة.
وشتم أبي بصوت منخفض.
أما أنا
فحدقت في الرجل الذي أصبح زوجي منذ ساعتين فقط.
الرجل الذي بكى عندما رآني بفستاني الأبيض.
الرجل الذي وعدني أن يكون سندًا وأمانًا.
الرجل الذي راهن على منزلي قبل أن أنزع طرحة الزفاف حتى.
ثم سألته بصوت بالكاد خرج
هل لهذا السبب تزوجتني؟
فتح ياسر فمه
وللمرة الأولى منذ عرفته
عجز عن إيجاد كذبة بسرعة كافية.
تقدّمت أمينة نحوي بسرعة وكأنها تحاول إنقاذ ما تبقى من المشهد، ثم قالت بصوت مرتجف
ابني يحبك يا ليلى.
نظرت إليها مباشرة وقلت ببرود
اصمتي.
تجمّدت في مكانها.
لم يسبق أن تحدثت معها بهذه الطريقة من قبل.
بل حتى أنا
لم أكن أعلم أنني أستطيع فعل ذلك.
ثم أكملت وأنا أحدق داخل عينيها
لا تنطقي كلمة حب أمامي مرة أخرى.
حاول ياسر لمس يدي مجددًا
لكنني تراجعت فورًا.
قلت بحدة
لا تلمسني.
ليلى
لا.
وفي تلك اللحظة
أطفأ منسق الموسيقى الأضواء الملوّنة أخيرًا بعد أن ظل متجمّدًا في مكانه طوال الوقت.
وبقيت القاعة مضاءة فقط بثريات السقف وضوء هواتف الضيوف.
ولم يعد أحد يتظاهر بأن هذا حفل زفاف.
اقتربت أمي مني بهدوء وقالت
حبيبتي سنغادر الآن.
ضحكت أمينة ضحكة يائسة وقالت
ستغادرون؟ هكذا ببساطة؟ بعد كل الأموال التي دفعتها عائلتنا في هذا الزفاف؟
نظر إليها أبي ببرود وقال
أنا من دفع تكاليف الزفاف بالكامل.
فتحت فمها
لكن لم يخرج أي صوت.
ثم أضاف
وحتى عقد القاعة باسمي لذلك يمكنكم البقاء للعشاء إن كنتم جائعين. أما نحن فلم يعد لدينا ما نحتفل به.
شعرت فجأة بأن شيئًا باردًا يُنتزع من يدي.
كانت أمي تأخذ سكين الحلوى مني بحذر.
ولم أكن حتى مدركة أنني ما زلت أمسكها.
ركضت نادين نحوي وهي تحمل باقة وردي وقالت
ليلى لنخرج من هنا.
نظرت إلى ياسر للمرة الأخيرة.
توقعت أن أشعر بأنني أموت.
لكن ما شعرت به كان أسوأ بالنسبة له.
شعرت أن الحب ينسحب مني ببطء.
ليس بصراخ.
ولا بانهيار.
بل مثل ماء قذر ينساب داخل مصرف مفتوح.
قلت له بصوت ثابت
سأرسل أحدًا غدًا ليأخذ أغراضي.
اقترب مني بعينين حمراوين وقال
لا يمكنكِ أن تتركيني في ليلة زفافنا.
نظرت إليه ببرود وأجبته
أنت فعلت ذلك
أولًا.
ثم استدرت وغادرت.
كانت أمي تسير إلى جانبي من جهة
ونادين من الجهة الأخرى.
أما الضيوف
فابتعدوا عن طريقي وكأنني أحمل نارًا.
بعض القريبات كن يبكين.
وأحد أبناء عمومة ياسر كان يصوّر سرًا بهاتفه.
وعند إحدى الأعمدة
رأيت ريم أخت ياسر الصغرى.
كانت جالسة وتغطي وجهها بيديها.
وحين مررت بجانبها، رفعت رأسها وقالت بصوت مرتجف
أنا آسفة يا ليلى.
توقفت للحظة.
وفي الخلف سمعت ياسر يصرخ
ليلى!
لكنني لم ألتفت.
فجأة أمسكت ريم معصمي وهمست بسرعة
أمي تملك مفتاحًا.
شعرت وكأن الأرض تحركت تحت قدمي.
همست
ماذا؟
بدأت ريم تبكي بصمت وقالت
لا أعرف إن كان مفتاح الشقة نفسها لكنها صنعته من صورة للمفتاح. ياسر أعطاها مفاتيحك ذات ليلة عندما كنتِ نائمة وأنا رأيت ذلك بعيني.
سمعت أمي الكلام بالكامل.
ولم يتغير وجهها
لكن عينيها تحوّلتا إلى حجر.
سألتها ببطء
متى حدث هذا؟
قالت ريم
قبل أسبوعين تقريبًا.
أخرج أبي هاتفه فورًا وقال
سأطلب تغيير جميع الأقفال الآن.
لكن ريم هزّت رأسها بسرعة وقالت
هذا لا يكفي.
نظرنا جميعًا إليها.
أما هي
فالتفتت نحو أمها الواقفة وسط القاعة، بفستانها الذهبي الملطخ بالنبيذ، وما تزال تحاول التمسك بما تبقى من كرامتها.
ثم همست ريم
أمي لم تكن تنوي الانتقال لاحقًا كانت ستدخل الليلة.
شعرت ببرودة تسري في ظهري بالكامل.
أكملت ريم بصوت مرتجف
كانت تنتظر سفركما إلى إيطاليا. قالت إنه بمجرد دخولها الشقة لن يستطيع أحد إخراجها دون فضيحة كبيرة.
بدأ ياسر يقترب منا بسرعة وقال بعصبية
ريم أغلقي فمك.
لكن أبي وقف أمامي فورًا.
أما ريم
فقالت آخر جملة وهي ترتجف
ولم تكن ستذهب وحدها.
في تلك اللحظة
وضع الرجل صاحب البدلة الرمادية كأسه فوق الطاولة ببطء.
وضغطت أمي على يدي بقوة وهي تسأل
من أيضًا؟
فتحت ريم فمها لتجيب
لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة
انفجرت أبواب القاعة فجأة من الخارج.
دخل رجلا أمن مسرعين وهما يتحدثان عبر أجهزة اللاسلكي.
وخلفهما ظهر مدير البناية الخاصة بشقتي.
الأستاذ حسام.
كان شاحب الوجه، يتصبب عرقًا، وربطة عنقه غير مرتبة.
تجمّد أبي فور رؤيته وقال
ماذا حدث؟
التقط الرجل أنفاسه بصعوبة، ثم نظر أولًا إلى ياسر
ثم إلى أمينة
ثم إليّ.
وقال
أعتذر عن المجيء إلى هنا، لكنك لم تكن ترد على الهاتف.
ثم ابتلع ريقه وأضاف
قبل خمس عشرة دقيقة حاولت امرأة شابة ورجلان دخول شقة الآنسة ليلى باستخدام مفتاح مكرر.
تجمّدت يداي بالكامل.
همست
من؟
تنفس الرجل بعمق وقال
امرأة شابة ورجلان. قالوا إن السيدة أمينة أرسلتهم.
صرخت أمينة من آخر القاعة
هذا كذب!
لكن أحدًا لم ينظر إليها.
لأن الأستاذ حسام رفع هاتفه أمام الجميع.
وكانت شاشة الهاتف تعرض صورة من كاميرا المصعد الخاص بالبناية.
امرأة ترتدي قبعة ونظارة سوداء وتحمل حقيبة ضخمة.
وخلفها رجلان يحملان صناديق فارغة.
لم أعرف الرجلين
لكنني عرفت الحقيبة فورًا.
كانت حقيبة أمينة الذهبية نفسها.
الحقيبة التي أحضرتها معها إلى حفل ليلة الحنّة.
همست أمي بصدمة
يا إلهي
وفجأة
اهتز هاتف ياسر.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
نظر إلى الشاشة
وانهار وجهه بالكامل.
لم يكن ذلك خوفًا.
بل ذعرًا حقيقيًا.
وفي اللحظة نفسها، تلقى الرجل صاحب البدلة الرمادية اتصالًا هو الآخر.
ابتعد خطوات قليلة، رد على الهاتف
ثم تجمّد في مكانه.
أما أمينة
فبدأت تتجه نحو المخرج بسرعة وهي تقول
أشعر بالتعب أريد المغادرة.
لكن رجال الأمن أوقفوها فورًا.
وهنا
التقطت أمي الميكروفون مجددًا.
ولم يكن أحد قد انتبه أنها ما تزال تحتفظ به.
ثم قالت بصوت واضح ومرعب
أمينة.
توقفت حماتي مكانها فورًا.
وأكملت أمي
قبل أن تغادري هناك شيء يجب أن تعرفيه.
التفت الجميع نحوها.
أما أمي
فالتفتت نحوي.
لكنها لم تنظر إليّ كأم خائفة.
بل كامرأة نجت من قديمة منذ سنوات طويلة.
ثم قالت
الشقة ليست باسمي فقط لحمايتها بل موضوعة داخل صندوق عائلي قانوني. ومنذ ثلاثة أشهر، أي محاولة دخول غير مصرح بها تُفعّل بلاغًا أمنيًا تلقائيًا.
اتسعت عينا ياسر فجأة وقال
ماذا؟!
ابتسمت أمي ابتسامة صغيرة وقالت
أخبرتك سابقًا ابنتي لن تخسر منزلها لأنها وثقت أكثر مما يجب.
وفي تلك اللحظة
دوّت أصوات سيارات الشرطة خارج الفندق.
لم تكن كثيرة.
سيارتان فقط.
لكن ذلك كان كافيًا كي تسقط الكأس من يد أمينة.
وتتحطم فوق أرضية القاعة.
أما أنا
فوقفت بفستان زفافي، والباقة ترتجف بين يدي
وأدركت أن زواجي لم يستمر حتى ليلة واحدة كاملة.
لكنني أدركت شيئًا أخطر من ذلك أيضًا
أمي لم تفعل كل هذا بدافع الشك فقط.
بل كانت تنتظرهم
حتى يرتكبوا الخطأ بأنفسهم.
دخل رجال الشرطة إلى القاعة بخطوات ثابتة، بينما تحولت الهمسات إلى صمت ثقيل يشبه الاختناق.
وأول ما خطر ببالي وقتها
أنني ما زلت أرتدي فستان الزفاف.
وقف أحد الضباط في مقدمة القاعة، وكان رجلًا عريض الكتفين بوجه مرهق، ثم قال بصوت رسمي
السيدة أمينة والسيد ياسر نحتاج منكما الحضور معنا للإدلاء بأقوالكما بشأن محاولة الدخول غير القانونية إلى شقة الآنسة ليلى.
صرخت أمينة بانفعال
إدلاء بأقوال؟! أنا لم أفعل شيئًا! أنا في حفل زفاف ابني!
لكن الأستاذ حسام قال بهدوء
الحقيبة التي ظهرت في الكاميرات تخصكِ، والمرأة التي كانت تحملها قالت إنكِ أرسلتِها.
التفتت أمينة نحو ياسر بسرعة.
ولأول مرة
لم تنظر إليه كأم.
بل كشريكة تخشى أن يتركها وحدها تغرق.
ثم قالت من بين أسنانها
ياسر قل شيئًا.
ابتلع ريقه بصعوبة وقال
هناك سوء فهم.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح وقلت
وهل زوجتك الأولى أيضًا سوء فهم؟
تجمّد وجهه بالكامل.
وللمرة الأولى منذ بداية الكارثة
لم يحاول التبرير.
لم يحاول الاقتراب مني.
لم يبتسم.
بل اكتفى بالنظر إلى أمي.
نظرة واحدة فقط
لكنها كانت مليئة بسؤال واضح
كيف عرفتِ؟
وقفت أمي بثبات وقالت بهدوء
نعم يا ليلى ياسر كان متزوجًا من قبل.
صرخت أمينة فورًا
هذا سخيف! ابني لم يتزوج أبدًا!
لكن الضابط رفع ملفًا بين يديه وقال
لدينا ما يثبت وجود زواج مدني سابق.
شعرت أن صوتي لم يعد يشبهني حين سألت
ماذا؟
لم أعد أفهم العالم حولي.
شعرت وكأن امرأة أخرى تقف داخل فستاني بدلًا مني.
امرأة تشبهني
لكنها لم تعد تعرف كيف تثق بأي شيء.
اقترب الضابط خطوة وقال
السيدة أمينة السيد ياسر سنحتاج مرافقتكما الآن.
لكن أمي قالت فجأة
يمكنها الدخول الآن.
لم أفهم ما تقصده.
أما ياسر
فقد فهم فورًا.
اختفى اللون من وجهه قبل حتى أن ألتفت نحو الباب.
ثم
دخلت امرأة إلى القاعة خلف رجال الشرطة.
لم تكن ترتدي ملابس مناسبة لحفل زفاف.
بنطال أسود.
قميص أبيض بسيط.
وشعر مرفوع بإهمال.
وكانت تحمل ملفًا سميكًا بين ذراعيها.
بدت في بداية الثلاثينات.
جميلة
لكن بطريقة مرهقة.
كأن الحياة سحبت منها شيئًا مهمًا منذ زمن طويل.
تراجع ياسر خطوة للخلف وهمس
لورا
أطلقت أمينة صوتًا مختنقًا وقالت
لا
لكن المرأة لم تنظر إليها.
بل نظرت نحوي أنا مباشرة.
وكانت تلك النظرة أشد ألمًا من كل الأكاذيب السابقة
لأنها لم تحمل كراهية.
بل شفقة.
قالت بهدوء
أنتِ ليلى؟
أومأت بصمت.
فقالت
أنا لورا مندوزا زوجة ياسر السابقة.
وسقط الاسم فوق رأسي كالحجر.
وضعت يدي على صدري لأنني شعرت أن شيئًا داخلي يحاول الهرب.
سألتها بصعوبة
متى؟
نظرت لورا نحو ياسر ثم قالت
قبل أربع سنوات. تزوجنا مدنيًا في تشارلستون. كان والدي قد ترك لي منزلًا صغيرًا في الحي التاريخي هناك. لم يكن فاخرًا مثل شقتك لكنه كان كل ما أملكه.
سكتت للحظة
ثم أكملت
بعد شهرين من الزواج، أقنعني ياسر بأن أضع المنزل كضمان لاستثمار مؤقت. قال إنه من أجل مستقبلنا ومن أجل العائلة.
هز ياسر رأسه بسرعة وقال
الأمر لم يكن هكذا.
لكن لورا لم تلتفت إليه حتى.
وقالت بهدوء قاتل
والدته أخذتني بنفسها إلى مكتب التوثيق.
غطّت أمينة فمها بيدها وكأنها تحاول منع الماضي من الخروج أمام الجميع.
أما لورا
فأكملت
قالت لي إن المرأة التي لا تثق بزوجها لا تستحق الزواج أصلًا. وإن الزوجة الجيدة لا تحسب الأمتار والعقارات بل تثبت حبها بالمشاركة.
أغمضت عيني للحظة.
كانت الكلمات نفسها.
النبرة نفسها.
الفخ نفسه
لكن بفستان مختلف.
شعرت بيد أمي حول خصري تثبتني قبل أن .
ثم سألت لورا بصوت خافت
وماذا حدث بعد ذلك؟
فتحت الملف الذي تحمله وقالت
وقّعت الأوراق. وبعدها اختفى المال. اكتشفت لاحقًا أن الاستثمار لم يكن موجودًا أصلًا. ثم خسر المنزل بالكامل. وعندما حاولت التبليغ اكتشفت أن ياسر استخدم مستنداتي للحصول على قروض أخرى باسمي.
رفع ياسر صوته لأول مرة
لأنها كانت خارجة عن السيطرة!
ابتسمت لورا ابتسامة صغيرة متعبة وقالت
لا يا ياسر كنت فقط وحدي.
وساد صمت هائل داخل القاعة.
ثم تنفست لورا بعمق وقالت
لم آتِ اليوم لأدمّر حياة أحد. أنا هنا لأن والدتكِ تواصلت معي قبل ثلاثة أشهر يا ليلى.
التفتُّ فورًا نحو أمي.
أما لورا فأكملت
أغلقت الهاتف بوجهها مرتين. وفي المرة الثالثة قالت جملة جعلتني أبقى على الخط.
سألتها
ماذا قالت؟
ابتلعت ريقها وقالت
قالت لي ابنتي تملك عقارًا وهو مهتم بالمفاتيح أكثر مما ينبغي.
شعرت بالدموع تحرق عيني لأول مرة.
ليس بسبب ياسر
بل بسبب أمي.
بسبب كل مرة اتهمتها بالمبالغة.
كل مرة دافعت فيها عنه.
كل مرة قلت لها
ليس كل الرجال طمّاعين.
همست وأنا أنظر إليها
ماما
مررت يدها على ظهري وقالت
سنتحدث لاحقًا يا حبيبتي.
لكنني كنت قد فهمت بالفعل.
أمي لم تكن باردة تجاه خطوبتي
بل كانت مرعوبة.
وبينما كنت أختار الورود وقاعة الزفاف
كانت هي تطارد أشباح الماضي لتحميني منها.
نظرت لورا نحو ريم، أخت ياسر الصغرى، وقالت بهدوء
وريم أيضًا تواصلت معي.
أغمضت ريم عينيها فورًا.
أما ياسر
فاستدار نحوها بعينين مليئتين بالغضب لدرجة جعلتني أتشبث بيدها دون وعي.
صرخ فيها
أنتِ؟
ارتجفت ريم وقالت بصوت مكسور
تعبت يا ياسر
بصق كلماته بغضب
خائنة.
لكن أبي تقدّم خطوة وقال ببرود
انتبه لطريقة حديثك معها.
وانفجرت ريم بالبكاء أخيرًا، لكنها لم تترك يدي.
قالت وهي ترتجف
كنت أسمع كل شيء كل شيء. كنت أسمعك أنت وأمي تتحدثان عن ليلى. سمعت أمي تقول إن الأمر سينجح هذه المرة لأن ليلى أكثر طيبة وأسهل سيطرة. سمعت حديثكما عن إيطاليا وعن الديون وعن ضرورة تغطية المبلغ قبل أن يطالبكم الناس بأموالهم رسميًا.
ثم رفعت رأسها نحوي وأكملت
وعندما عرفت أنكم سترسلون أشخاصًا إلى الشقة الليلة لم أعد أستطيع السكوت.
اندفعت أمينة نحوها فجأة وهي تصرخ
ناكرة للجميل!
لكن رجال الأمن أوقفوها قبل أن تصل إليها.
كانت تتحرك بجنون
كأنها حيوان جريح يحاول النجاة.
صرخت بعصبية هستيرية
فعلت كل شيء لأجل هذه العائلة! لأن والدكم تركنا بلا شيء! لأنني لن أسمح أن يرى الناس ابني فقيرًا وفاشلًا!
نظرت إليها لورا بهدوء مرعب وقالت
وابنكِ يعيش بتدمير النساء.
تجمّدت أمينة مكانها.
أما ياسر
ففجأة تغيّر وجهه بالكامل.
ورأيته يقرر شيئًا داخله.
رأيته يرتدي القناع مجددًا.
القناع الذي أحببته أنا يومًا.
الرجل الحنون.
الرجل الهادئ.
الرجل الذي يبكي بطريقة مقنعة.
اقترب مني ببطء، وراح يفتح كفيه أمامي كأنه ضحية، ثم قال
ليلى اسمعيني رجاءً. نعم أخطأت. نعم كان يجب أن أخبرك بشأن لورا لكن ذلك كان قبل أن أعرفك. أنا أحبك فعلًا. كنت تحت ضغط رهيب بسبب الديون وكنت سأصلح كل شيء. الأمور خرجت عن السيطرة فقط بسبب أمي.
التفتت أمينة إليه بصدمة وقالت
بسببي أنا؟!
لكنه لم ينظر إليها حتى.
بل تابع وهو يحدق بعيني
أقسم أنني لم أكن أريدهم أن يدخلوا الشقة الليلة. كنت فقط أحتاج بعض الوقت.
ونظرت إليه
ولثانية واحدة فقط
رأيت الرجل الذي أحببته.
الرجل الذي كان يحضر لي القهوة عندما أعمل حتى وقت متأخر.
الرجل الذي كان يسميني مصممتي المفضلة.
الرجل الذي كتب في عهود الزواج
أنتِ منزلي الحقيقي.
ثم تذكرت
فجأة
أن اللص أيضًا يطرق الباب بلطف عندما يريدك أن تفتحيه بنفسك.
سألته بهدوء
تحبني؟
قال فورًا
أكثر من أي شيء.
سألته
وكم تبلغ ديونك؟
ارتجفت شفتاه وقال
ليلى
قلت ببرود
لا تستطيع قول رقم لكنك تستطيع قول كلمة حب بسهولة.
ولم يجب.
لكن الرجل صاحب البدلة الرمادية قال من الخلف
ليست فقط اثني عشر مليونًا ونصف.
استدرنا جميعًا نحوه.
أما ياسر
فشد قبضته وقال
اصمت يا عارف.
لكن الرجل هز رأسه وقال
ليس بعد الآن. لن أغرق معك بسبب أكاذيبك.
اقترب أبي منه وقال
تكلّم.
أخذ عارف نفسًا عميقًا وكأنه اختار أخيرًا أي جهة من الجسر منها، ثم قال
ياسر طلب المال من ثلاثة مستثمرين مختلفين مستخدمًا الوعد نفسه. قال إنه بعد الزواج سيتمكن من الوصول إلى الشقة، وإن ليلى ستوقّع على أي شيء يريده. أخبر أحدهم أن حماته موافقة مسبقًا وأخبر آخر أن العقار جزء من إرث عائلي بل وعرض على مستثمر ثالث الدخول معه في شراء مشروع عقاري جديد قبل الإنشاء.
شعرت ببرودة تسري في عظامي بالكامل.
همست
كنت ستتركني بلا منزل وغارقة بالديون أيضًا؟
نظر إليّ بعينين دامعتين وقال
كنت سأصلح الأمر.
قلت فورًا
لا كنت ستخفيه فقط.
صرخ فجأة
لأنكِ لن تفهمي أبدًا حجم الضغط الذي أعيشه!
وهنا ظهر الرجل الحقيقي أخيرًا.
بلا موسيقى.
بلا بدلة أنيقة.
بلا وعود.
سألته ببطء
وما كانت خطتك بالضبط؟ نعود من شهر العسل الوهمي لنجد والدتك تعيش داخل شقتي؟ ثم ألتزم الصمت لأنني أصبحت زوجتك؟ وأخجل من طردها؟ ثم أوقّع لاحقًا بسبب التعب؟ أو الحب؟ أو الشعور بالذنب؟
كان يبكي
لكن عينيه بقيتا خاليتين من أي حنان حقيقي.
قال
كنا فريقًا واحدًا.
ضحكت بمرارة وأجبته
لا أنا كنت فريستك فقط.
خرجت الكلمة من داخلي تلقائيًا.
وحين قلتها
شعرت أن شيئًا انتهى للأبد.
ليس الزواج فقط.
بل حاجتي لأن أفهمه أو أبرر له.
وفي تلك اللحظة
تقدّم رجال الشرطة نحوه أخيرًا.
وقال الضابط بصرامة
ياسر أمينة سترافقاننا الآن.
صرخت أمينة وهي تحاول الإفلات
ليس لديكم أي حق! محاميّ سيدمّركم جميعًا!
اقتربت أمي منها بهدوء وقالت بصوت لم يسمعه سوى القريبين
اتصلي به إذًا واطلبي منه أن يحضر ملف لورا أيضًا.
اختفى اللون من وجه أمينة بالكامل.
وأضاف أبي
وملف محاولة اقتحام الشقة والقروض والرحلة الوهمية والتهديدات المسجلة.
رفعت نادين هاتفها وقالت
وكل شيء مصوّر بدقة عالية بالمناسبة.
التفت ياسر نحوي للمرة الأخيرة وقال بصوت مكسور
ليلى أرجوكِ. لا تدعيهم يأخذونني هكذا. فكّري بما كان بيننا.
نظرت إليه طويلًا
ثم قلت بهدوء
هذا بالضبط ما أفعله الآن.
اقترب خطوة وقال
أنا جعلتك سعيدة.
أجبته دون تردد
لا أنت فقط درستني جيدًا.
وضربته الجملة أقوى من أي صراخ.
خفض عينيه أخيرًا
وأمسك رجال الشرطة بذراعيه.
أما أمينة
فبدأت تبكي فعلًا حين شعرت بيد الضابط فوق ذراعها.
لم يكن بكاء ندم
شهقت أمينة وهي تبكي وقالت بصوت متقطع
ليلى كنت سأعاملك كابنة لي.
نظرت إليها طويلًا.
كان الكحل قد سال أسفل عينيها، وفستانها الذهبي متجعد وملطخ بالنبيذ، وما تزال تحاول بيع صورة الأم الحنون التي لم تمتلكها يومًا.
ثم قلت بهدوء
لديّ أم بالفعل.
وقفت أمي بجانبي بصمت.
ولم تكن بحاجة إلى قول أي شيء.
بينما كان رجال الشرطة يقتادون ياسر وأمينة نحو الخارج
بدأ بعض الضيوف يخفضون رؤوسهم خجلًا.
آخرون استمروا بالتصوير.
وبعضهم اكتفى بالنظر إلى الأرض، وكأنهم تذكروا فجأة أنهم كانوا يصفقون لهذا الرجل قبل ساعتين فقط.
أما ريم
فسقطت جالسة على أحد المقاعد وهي تبكي بانهيار.
اقتربت منها لورا بهدوء وجلست بجانبها ثم قالت
فعلتِ الصواب.
هزّت ريم رأسها وهي تبكي وقالت
لكنني فعلته متأخرًا جدًا.
أجابتها لورا
المهم أنكِ فعلته.
كنت أريد أن أقول شيئًا
لكنني لم أستطع.
شعرت بالفراغ فقط.
ليس الانهيار.
بل الفراغ.
كأن المنزل بعد السرقة مباشرة
حين تبقى رائحة الغرباء داخله، بينما الجدران نفسها لا تفهم ما الذي اختفى منها.
انشغل أبي بالحديث مع الشرطة والأستاذ حسام.
أما أمي
فكانت تتحدث مع المحامي بهدوء مذهل.
بينما بدأت نادين تجمع أغراضي دون أن أطلب منها شيئًا.
وفي زاوية القاعة
بقي قالب الزفاف كما هو.
ضخمًا.
أبيض اللون.
ومثاليًا بطريقة سخيفة.
اقتربت منه ببطء.
كان تمثال العروسين الصغير يبتسم فوق الطبقة العليا.
العروس بطرحتها.
والعريس ببدلته السوداء.
كلاهما مصنوع من السكر.
مددت يدي
ثم دفعت تمثال العريس داخل الكعكة حتى اختفى بالكامل.
أطلقت نادين ضحكة وسط دموعها وقالت
آسفة لا يجب أن أضحك الآن.
لكنني ابتسمت لأول مرة وقلت
بل يجب.
ولأول مرة منذ بداية الليلة
تنفست.
ليس بشكل كامل
لكنني تنفست.
اقتربت لورا مني وهي تضم الملف إلى صدرها وقالت
ليلى لستِ مضطرة للحديث معي الآن.
لكنني قلت فورًا
أريد ذلك.
جلسنا معًا إلى طاولة فارغة بعيدًا عن بقية الضيوف.
كنت ما أزال أرتدي فستان الزفاف.
أما هي
فكانت تنظر إليّ بحزن حذر.
سألتها بصوت منخفض
كيف نجوتِ منه؟
استغرقت وقتًا طويلًا قبل أن تجيب.
ثم قالت
بصعوبة في البداية.
نظرت إلى الفراغ أمامها وأكملت
خسرت منزلي. وخسرت أصدقاء كثيرين لأن ياسر سبقني دائمًا في رواية قصته. خسرت ثقتي بنفسي وحتى وزني. ولأشهر طويلة كلما قال لي أحد أحبك، كنت أتحقق فورًا إن كانت مفاتيحي ما تزال معي.
شعرت بغصة حادة في حلقي.
همست
أنا آسفة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لا داعي لذلك أنتِ لم تفعلي هذا بي.
قلت بمرارة
لكنني كنت سأصبح زوجته.
نظرت إليّ مباشرة، ثم لمست يدي وقالت
وأنا أصبحت زوجته فعلًا ولم يكن ذلك خطئي أيضًا.
وهنا
انكسرت أخيرًا.
لم أبكِ عندما عرفت بشأن الشقة.
ولم أبكِ عندما اكتشفت كذبة إيطاليا.
ولم أبكِ حتى عندما سمعت رقم الديون.
لكنني بكيت هناك
أمام امرأة كانت تشبهني قبل سنوات.
جلست أمي إلى جانبنا بهدوء.
لم تتدخل.
كانت فقط موجودة.
كما كانت دائمًا
حتى حين لم أكن ألاحظ ذلك.
التفتُّ إليها وسألتها بصوت مرتجف
لماذا لم تخبريني منذ البداية؟
نظرت إليّ بإرهاق حقيقي وقالت
لأنني كنت أحتاج دليلًا. لو أخبرتك أنني فتشت خلف خطيبك ووجدت زوجة سابقة تتهمه بالاحتيال لكنتِ ركضتِ إليه فورًا.
وسكتت لحظة
ثم أكملت بهدوء
وكان سيبكي. ويقول إنني أريد التحكم بحياتك. وربما كنتِ ستصدقينه.
وأوجعني الأمر
لأنه كان صحيحًا.
خفضت رأسي وهمست
كنت سأصدقه فعلًا.
قالت أمي دون أي شماتة
أعرف.
وكان ذلك أشد ألمًا.
ثم أمسكت يدي وقالت
لهذا نقلنا الشقة إلى الصندوق العائلي. ولهذا نبّهنا مدير البناية. ولهذا تركناهم يشعرون بالأمان لأن اللصوص يكشفون أنفسهم عندما يعتقدون أن الباب فُتح لهم بالفعل.
نظرت نحو باب القاعة حيث خرج ياسر قبل دقائق وقلت
استخدمتِني كطُعم.
أغمضت أمي عينيها للحظة.
أما أبي، الذي كان قد اقترب منا دون أن أشعر، فتوقف مكانه حين سمع كلامي.
ثم قالت أمي بهدوء
لا أنا وضعت شبكة أمان تحتك قبل أن تسقطي.
أردت أن أغضب.
أردت أن أقول إنها كان يجب أن تثق بي.
لكن الحقيقة بقيت بيننا واضحة وقاسية
أنا نفسي لم أكن أثق بإحساسي.
كنت أرى العلامات
ثم أسمّيها تفاصيل صغيرة.
أسمع الجمل الغريبة
ثم أقول إنها توتر ما قبل الزواج.
أشعر بالخوف
ثم أسمّيه حبًا.
ضغطت أمي على يدي وقالت
يا ليلى لم أكن أستطيع إبعادك عنه بالقوة. كان يجب أن تريه بنفسك.
همست بألم
لكنني رأيته متأخرًا.
هزّت لورا رأسها وقالت
لا رأيته قبل أن توقّعي حياتك كلها باسمه.
وفي الخارج
بدأ صوت سيارات الشرطة يبتعد تدريجيًا.
أما القاعة
فغرقَت في صمت غريب يشبه الصمت الذي يلي العواصف مباشرة.
اقترب أبي مني ببطء
ثم خلع طرحة الزفاف عن رأسي بحنان.
ولم يقل
ألم أقل لكِ؟
ولم يقل
لماذا لم تسمعيني؟
بل قبّل جبيني فقط وقال
لنعد إلى البيت يا ليلى.
وكلمة البيت
طعنتني بطريقة غريبة.
فكرت بشقتي.
بالجدران التي اخترتها بنفسي.
بالضوء الذي يدخل من النوافذ صباحًا.
بالكتب قرب النافذة.
ثم تذكرت المرأة ذات القبعة والصناديق الفارغة
وأمينة وهي تتخيل أدراجي ملكًا لها.
فقلت بهدوء
لا أريد العودة إلى الشقة الليلة.
أجابت أمي فورًا
لن نعود. الأقفال تُغيّر الآن، والحراسة موجودة هناك. ستأتين معنا إلى المنزل.
وفجأة
رفعت ريم رأسها وقالت بصوت خافت
وأنا؟
التفتنا جميعًا نحوها.
بدت صغيرة جدًا في تلك اللحظة.
قالت وهي تبكي
لا أستطيع العودة مع أمي بعد الليلة ليس بعد كل شيء.
تنهد أبي ببطء.
ليس بضيق
بل بإنسانية.
ثم قال
يبدو أن والدتك وأخاك سيكونان مشغولين لبعض الوقت.
خفضت ريم عينيها وقالت
ليس لدي مكان أذهب إليه.
وفورًا قالت لورا
يمكنكِ المبيت عندي الليلة.
رفعت ريم رأسها بصدمة




