
خلفت وأنا عندي 41 سنة، وجوزي سابني عشان واحدة عندها 18 سنة.. وبعد 15 سنة، الحقيقة ظهرت في حفلة تكريم قلبت حياته كلها!
«الطفل اللي ييجي من واحدة كبرت زيك، غالبًا هيحتاج مجهود أكبر عشان ينجح».
دي كانت الكلمة اللي قالها محمود لكريمة بعد 3 أسابيع بس من ولادة ابنهم ياسين.
كانت كريمة لسه بتتعافى من الولادة، وكل خطوة بتاخدها كانت بتفكرها بالتعب اللي عدت بيه. وكانت شايلة ابنها الصغير بين إيديها، حاسة إن الدنيا كلها بقت أجمل بوجوده.
طول 17 سنة جواز، كانت فاكرة إن هي ومحمود فريق واحد. صحيح إنه ماكانش بيعرف يعبر عن مشاعره بالكلام الحلو، لكنها كانت شايفاه راجل عملي، وبيحاول يبني بيت ومستقبل كويس.
سنين طويلة قضوها في رحلة البحث عن طفل. دكاترة وتحاليل ومحاولات كتير، ولحظات حزن كانت كريمة بتعيشها لوحدها، بعيد عن عيون الناس.
ولما الدكتور قال لها أخيرًا: «مبروك، إنتِ حامل»، ماقدرتش تمنع دموعها. كانت فرحتها كبيرة، لكن جواها خوف من إن الفرحة دي ماتكملش.
وبعد انتظار طويل، جه ياسين ونوّر حياتها.
أما محمود، فشاف ابنه مرة واحدة في المستشفى، وبص له باستغراب وقال:
«هو صغير أوي كده ليه؟»
كريمة افتكرت إن دي رهبة الأبوة، وإنه مع الوقت هيتعود عليه ويحبه. كانت بتحاول تقنع نفسها إن كل حاجة هتبقى أحسن، رغم إنها بدأت تحس إن جوزها بعيد عنها.
بدأ الموضوع بحجج الشغل المتأخر، وبعدها اجتماعات وعزومات، ثم رحلات عمل متكررة.
وفي الوقت اللي كانت كريمة بتجري بين رعاية ابنها ومصاريف البيت، كان محمود بيبعد عنها يوم بعد يوم.
وفي فجر يوم، وهي قاعدة في البيت، لاحظت رسالة ظهرت على موبايله، وكان مضمونها مليان كلام عاطفي.
ولما واجهته، ماحاولش ينكر.
قال لها بمنتهى البرود:
«اسمها ندى، عندها 18 سنة».
حست كريمة إن كل حاجة حواليها بتتغير. بصت له وقالت:
«يعني هتسيبني أنا وابنك اللي لسه مولود، وتبدأ حياة جديدة مع واحدة لسه في أول عمرها؟»
رد عليها:
«ماتكبريش الموضوع يا كريمة. إنتِ كبرتي، وأنا لسه عايز أعيش حياتي».
وبعدين بص ناحية سرير ياسين، وقال الجملة اللي فضلت محفورة في ذاكرتها سنين طويلة:
«وبعدين، ابن واحدة في سنك هيطلع إيه؟ أنا مش متوقع له مستقبل كبير».
كريمة ماعرفتش ترد. كانت شايلة طفلها اللي مالوش أي ذنب، وبتحاول تستوعب إن الشخص اللي شاركته عمرها قرر يسيبها في أصعب وقت.
بعد يومين، محمود مشي، وسابها تواجه الحياة لوحدها، بمصاريفها ومسؤولياتها وكل التحديات اللي كانت مستنياها.
وبعد فترة، عرفت إن ندى نشرت صورة ليها معاه، وكتبت كلامًا عن بداية حياة جديدة مع شخص يعرف قيمة الحياة.
كريمة وقتها ماكانتش تعرف إن الأيام هتثبت لها إن العمر مش مقياس للنجاح، وإن الإنسان ممكن يبدأ من جديد مهما كانت الظروف.
بداية جديدة من وسط التعب
مرت الأيام، وكريمة قررت إنها ماتستسلمش.
اشتغلت ورديتين، مرة في المستشفى ومرة في البيوت، عشان توفر لياسين تعليم كويس وحياة مستقرة.
كانت بتشوفه بيكبر قدام عينيها، طفل هادي وذكي، وكل ما كانت تحس بالتعب، كانت تفتكر إنها مش لوحدها، وإن عندها ابن يستحق إنها تكمل عشانه.
أما محمود، فكانت بتسمع أخباره من بعيد.
فتح شركة مقاولات صغيرة مع ندى، وبدأوا يعيشوا حياة مليانة سفر وخروجات ومظاهر اجتماعية. وكان بيتكلم عن نجاحه وكأنه بدأ حياته من جديد، من غير ما يفتكر إن فيه ابن كان محتاج وجوده واهتمامه.
مرت 15 سنة، وكبر ياسين وبقى في أولى ثانوي، لكنه كان متميزًا في البرمجة والذكاء الاصطناعي.
كان بيقضي ساعات طويلة قدام الكمبيوتر، يجرب أفكارًا جديدة، ويطور مشروعاته بنفسه.
وكريمة كانت دايمًا تشجعه وتقول له:
«يا حبيبي، طول ما إنت بتتعلم وبتحاول، ماتخافش من أي صعوبة».
وفي يوم، وصلتها دعوة لحضور حفل تكريم كبير للمبتكرين الشباب على مستوى الجمهورية، وكان ياسين من بين العشرة الأوائل.
كريمة فرحت من قلبها. لبست أشيك فستان عندها، رغم بساطته، وراحت الحفل وهي حاسة إن كل تعب السنين بدأ يجيب نتيجة.
لكنها ماكنتش متوقعة إنها هتشوف محمود هناك.
كان واقف في القاعة، وظهر عليه التقدم في العمر رغم محاولاته إنه يحافظ على مظهره. وبجانبه ندى، اللي كانت مهتمة بمظهرها وبتحاول تلفت الأنظار.
عرفت كريمة إن شركة محمود مشاركة في رعاية جزء من الحفل، ضمن محاولاته لتحسين صورتها قدام المستثمرين.
بدأت المراسم، وطلع مقدم الحفل على المسرح وقال:
«والآن، مع الجائزة الأولى لأفضل مشروع تكنولوجي واعد، الطالب ياسين محمود الصاوي».
القاعة كلها بدأت تصفق.
أما محمود، فوقف مكانه في دهشة. ماكانش متخيل إن ابنه اللي اتكلم عنه بالطريقة دي زمان بقى واحد من أبرز المكرمين في الحفل.
بصت ندى له وقالت بصوت منخفض:
«مش ده ابنك اللي كنت بتقول إنه مش هيحقق حاجة؟»
ياسين طلع على المسرح بثقة، وبص في القاعة لحد ما شاف أمه. ابتسم لها، وكأن كل اللي حواليه اختفى للحظة.
مسك الميكروفون، وقال:
«النجاح ده مدين بيه لشخص واحد بس. الست اللي الناس افتكرت إن سنها هيمنعها من إنها تحقق حلمها، واللي شالت المسؤولية لوحدها، وآمنت بيا حتى لما أقرب الناس ليا ماكانش عنده ثقة في مستقبلي.
الجائزة دي ليكي يا أمي».
كريمة ماقدرتش تمنع دموعها. افتكرت كل ليلة سهرت فيها، وكل مرة اضطرت تأجل فيها راحتها عشان توفر له احتياجاته.
كمل ياسين كلامه:
«وعايز أقول شكرًا لكل شخص سابنا في نص الطريق. التجارب الصعبة علمتني أعتمد على نفسي، وأفهم إن النجاح مش بيتحدد بكلام الناس، لكنه بيتحدد بإصرارنا على إننا نكمل».
في اللحظة دي، محمود حاول يقرب من المنصة، لكن ياسين كان خلص كلامه، والجمهور كله كان بيصفق له ولأمه.
أما محمود، فبدأ يحس إن الصورة اللي رسمها لنفسه قدام الناس بتتغير. بقى صعب عليه يتجاهل الحقيقة اللي ظهرت قدامه.
خرجت كريمة من القاعة وهي ماسكة إيد ابنها، وحاسة بفخر عمرها كله.
ماكانتش محتاجة ترد على محمود بكلمة واحدة. نجاح ياسين كان كفاية عشان يثبت إن كلامه القديم ماكانش له أي أساس.
لما الحقيقة وصلت لباب البيت
بعد الحفل بكام يوم، سمعت كريمة جرس الباب.
فتحت، ولقت محمود واقف قدامها. كان مظهره مرتب، لكن ملامحه كانت مختلفة، وكأنه شايل كلام كتير مش عارف يبدأه منين.
قال بتردد:
«كريمة، أنا سمعت عن نجاح ياسين. أنا فخور بيه».
كريمة بصت له بهدوء وسألته:
«فخور بيه بصفتك إيه؟ بصفتك الأب اللي كان موجود في حياته، ولا الأب اللي سابه وهو لسه طفل صغير؟»
محمود سكت، وحاول يبرر موقفه، لكنها كملت:
«ياسين نجح لأنه لقى حد يؤمن بيه، ولأنه اتعلم يتحمل المسؤولية. أنا مش هقدر أنسى السنين اللي عشناها لوحدنا، ولا الكلام اللي قلته عن ابني قبل ما تعرفه».




