
لحد ما تلمي الشقة كلها، مفيش لقمة هتدخل بُقك! لكن مكالمة واحدة كشفت الحقيقة، وبعد ربع ساعة بس، كل حاجة اتغيرت!
الجزء الأول: طبق الشوربة اللي كشف المستور
«لحد ما تنظفي الشقة كلها، انسي إنك تاكلي أي حاجة!»
قالها كريم وهو بيشيل طبق الشوربة من قدام سارة ويفرغه في حوض المطبخ، وأمه واقفة بتتفرج بابتسامة رضا، وكأن اللي بيحصل قدامها شيء عادي.
سارة كانت لسه راجعة من شيفت مدته 12 ساعة في مستشفى حكومي بالقاهرة. يوم كامل من التعب والجري بين حالات الطوارئ واستقبال المرضى، ومحاولات مستمرة إنها تقوم بواجبها على أكمل وجه.
كانت رجليها مش شايلينها، وضهرها بيوجعها، وكل اللي كانت بتتمناه إنها تاكل طبق شوربة سخن وتنام كام ساعة ترتاح فيهم.
لكن أول ما فتحت باب الشقة، وقفت مكانها من شدة الاستغراب.
الصالون كان مقلوب رأسًا على عقب، والكنبة متحركة من مكانها، والسجادة ملفوفة، والكتب متكومة على الأرض، وفي خط دهان رمادي مرسوم على الحيطة.
الترابيزة كانت مليانة أكواب شاي وبواقي بسكويت وعلب قديمة، وفي ركن المطبخ جردل فيه مياه متسخة.
وفي وسط الفوضى دي كلها، كانت حماتها، أم كريم، قاعدة على الكنبة بكل هدوء.
قالت وهي بتبص لسارة:
«أخيرًا جيتي! أنا وكريم كنا بنظبط طاقة الشقة. المكان كان كله طاقة سلبية، وعشان كده ابني مش عارف يبدع!»
كريم، اللي عنده سبعة وتلاتين سنة، بقاله أكتر من سنتين بيقول إنه بيمر بأزمة إبداعية.
زمان كان بيرسم لوحات ويبيع منها من وقت للتاني، لكن دلوقتي كان بينام لحد الضهر، ويقضي أغلب يومه في اللعب، ومستني سارة تدفع أقساط الشقة وفواتير الكهرباء والغاز ومصاريف الأكل، وحتى خروجاته مع أصحابه.
والأغرب إن الشقة نفسها كانت ملك سارة.
اشترتها قبل الجواز بسنين، ولسه هي اللي بتدفع أقساطها من مرتبها، ومع ذلك كانت حماتها بتدخل وتخرج براحتها، وتفتح الدواليب وتنقل الحاجات من مكانها، وتتصرف وكأن البيت ملك ابنها.
حطت سارة شنطتها وقالت بهدوء:
«أنا نضفت الشقة يوم الأحد.»
ردت أم كريم باعتراض:
«نضفتي إيه؟ ده التراب كان متراكم تحت الكنبة! الست المتجوزة لازم تهتم ببيتها وجوزها.»
سارة أخدت نفس طويل وحاولت تتحكم في أعصابها.
من شهر، وهي بتاخد شيفتات زيادة عشان تجمع فلوس عملية قلب لوالدتها، اللي تكلفتها كانت كبيرة جدًا.
بطلت تشتري هدوم جديدة، وحرمت نفسها من الخروجات وأي حاجة ممكن تخفف عنها ضغط الحياة.
أما كريم، فكان عارف كل ده، ومع ذلك عمره ما عرض عليها إنه ينزل يشتغل ويساعدها.
قالت وهي بتتجه ناحية المطبخ:
«هسخن الشوربة وآكل، وبعدها نتكلم.»
لكن حماتها ردت بسرعة:
«لأ، الأول تنظفي الشقة كلها. إحنا عملنا اللي علينا.»
سارة سخنت طبق الشوربة اللي كانت محضراه من يومين، وقعدت على السفرة وهي مش قادرة تستنى أكتر من كده.
لكن كريم شال الطبق من قدامها وفرغه في الحوض.
الشوربة راحت مع المياه، وأمه واقفة بتتفرج من غير ما تتدخل.
سارة سكتت ثواني، وبعدين قالت بصوت هادي، لدرجة إن كريم نفسه بدأ يتوتر:
«الشقة دي شقتي، والأكل ده أنا اللي جايباه، وكل جنيه اتصرف هنا طالع من تعبي.»
رد كريم بعصبية:
«وأنا جوزك!»
بصت له في عينه وقالت:
«إنت راجل بالغ، وأنا اللي بصرف عليك بقالي سنتين.»
قامت أمه وخبطت بإيدها على الترابيزة وقالت:
«إوعي تكلمي ابني بالطريقة دي! المفروض تشكري ربنا إنه مستحملك، بدل ما تقصري في بيتك بسبب شغلك.»
سارة مردتش.
دخلت أوضة النوم وقفلت الباب، وبعدها فتحت الدولاب وطلعت ملف كانت محتفظة بيه من سنين.
جواه عقد ملكية الشقة، وعقد التمويل، وكل إيصالات الأقساط اللي كانت بتدفعها من حسابها الشخصي.
بعدها مسكت موبايلها، وفضلت تبص للأوراق شوية، كأنها بتراجع كل اللي مرت بيه في السنتين اللي فاتوا.
في الخارج، كانت أم كريم بتتكلم مع ابنها بصوت منخفض.
وفجأة، بدأ كريم يخبط على باب الأوضة بقوة.
«افتحي يا سارة! لازم نتكلم دلوقتي!»
سارة بصت للموبايل، واتصلت برقم كانت محتفظة بيه من سنين، لكنها عمرها ما تخيلت إنها هتحتاج تستخدمه في يوم بالشكل ده.
وبمجرد ما المكالمة اترد عليها، قالت:
«ألو يا أستاذ شريف، أنا سارة.»
جاءها صوته الهادئ من الطرف التاني:
«خير يا دكتورة؟»
بصت للباب اللي كريم كان بيحاول يخليها تفتحه، وقالت:
«فاكر آخر مرة قلتلي فيها لو جه اليوم اللي حد حاول يحرمني من حقي في شقتي أو يمنعني حتى من الأكل فيها، أتصل بيك فورًا؟»
ساد الصمت لثواني، وبعدها رد المحامي:
«أنا قريب منك أصلًا. خمس دقايق وهكون عندك، ومعايا شخص لازم يكون حاضر.»
قفلت سارة المكالمة.
في الخارج، كان كريم بيقول بعصبية:
«افتحي يا سارة! ما تصعبيش الموضوع!»
أما أمه، فكانت بتقول بثقة:
«سيبها، هتطلع تعتذر بعد شوية. الستات آخرهم كده.»
سارة ابتسمت لأول مرة من شهور.
مكنتش ابتسامة انتصار على حد، لكنها كانت ابتسامة واحدة قررت إنها مش هتسمح لحد يستغلها تاني.
الجزء الثاني: الحقيقة اللي قلبت الموازين
بعد حوالي ربع ساعة، رن جرس الباب.
فتحت أم كريم وهي مبتسمة، على أساس إن واحدة من الجارات هي اللي جت.
لكن ابتسامتها اختفت لما شافت رجل في الخمسين من عمره، شايل حقيبة أوراق جلدية، وبجواره مأمور تنفيذ وفرد أمن إداري تابع للمجمع السكني.
قال الرجل بهدوء:
«مساء الخير، أنا المستشار شريف، محامي الدكتورة سارة.»
كريم خرج من الأوضة وقال باستغراب:
«إيه الموضوع ده؟»
فتح المحامي الملف اللي معاه وقال:
«الموضوع إنك مقيم في شقة لا تملك فيها أي حصة، ومش بتساهم في أقساطها أو مصاريفها.»
أخرج مجموعة من الأوراق وقدمها لمأمور التنفيذ.
ثم أكمل:
«دي نسخة من عقد الملكية، ودي إيصالات الأقساط، ودي تحويلات البنك اللي بتثبت إن المصاريف كلها خارجة من حساب الدكتورة سارة.»
أم كريم بلعت ريقها، لكنها حاولت تحافظ على هدوئها.
«ده ابنها وجوزها، ومن حقه يقعد معاها!»
رد المحامي:
«إقامته في الشقة مرتبطة بحقوق الطرفين والقانون، لكن القرار هنا مش متعلق بالملكية بس. إحنا محتاجين نعرف إذا كانت صاحبة الشقة موافقة على استمرار الوضع الحالي.»
وبعدين التفت ناحية سارة وسألها:
«هل حضرتك لسه موافقة إن زوجك يقيم هنا؟»
بصت سارة لكريم فترة طويلة.
افتكرت الليالي اللي كانت بترجع فيها مرهقة من الشغل وتلاقيه بيلعب، وافتكرت اليوم اللي باع فيه خاتمها بحجة إنه محتاج يشتري أدوات للرسم.
وافتكرت كمان لما قال لها إنه بيجهز لمعرض فني، وبعد فترة اكتشفت إنه مَرسمش لوحة واحدة من شهور طويلة.
وأخيرًا، افتكرت طبق الشوربة اللي كان آخر موقف خلّاها تعيد حساباتها كلها.
قالت بهدوء:
«لأ.»
كانت كلمة بسيطة، لكنها غيرت كل حاجة.
كريم بص لها بذهول وقال:
«إنتِ بتتكلمي بجد؟!»
رد المحامي:
«هنمشي في الإجراءات القانونية المناسبة، وأي خطوة لازم تتم وفقًا للقانون.»
أم كريم اعترضت وقالت:
«إحنا مش هنسيب البيت!»
فرد مأمور التنفيذ بهدوء إن أي خلاف على الإقامة أو الممتلكات لازم يتعالج بالإجراءات القانونية، وإن محدش له حق يتصرف في ملك غيره من غير سند قانوني.
ولأول مرة، سكتت أم كريم ومبقتش عارفة ترد.
وأثناء ما كريم كان بيجمع بعض أغراضه، وقع درج صغير من مكتبه، وانتشرت أوراق كتير على الأرض.
سارة انحنت تلقائيًا عشان تجمعها، لكنها وقفت مكانها لما لاحظت إنها إيصالات قروض وبطاقات ائتمان وشيكات باسم كريم.
جمعت بعض الأوراق، وبدأت تقرأ الأرقام المكتوبة فيها.
كانت المبالغ كبيرة جدًا، وإجمالي الالتزامات الظاهرة في المستندات تجاوز مليونًا ومائتي ألف جنيه.
بصت لكريم بصدمة وقالت:
«إيه كل الأوراق دي؟!»
حاول ياخدها منها، لكن المحامي سبقه وجمع المستندات المهمة.
قرأ بعضها بسرعة، وبعدها رفع عينيه لكريم وسأله:
«إنت مخبي كل ده عن زوجتك؟»
كريم نزل عينيه للأرض ومردش.
أما أمه، فقالت بصوت متوتر:
«قول لها الحقيقة يا كريم!»
بصلها باستغراب وقال:
«إنتِ بتقولي إيه؟»
ردت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
«قول لها قبل ما تعرف لوحدها.»
سارة حست إن فيه حاجة أكبر من مجرد ديون، فسألته بصوت متوتر:
«حقيقة إيه يا كريم؟»
ساد الصمت للحظات، وبعدها قال كريم بصوت منخفض:
«الشقة… كان المفروض تبقى مرهونة من غير ما تعرفي.»
سارة حسّت إن الأرض بتتحرك من تحت رجليها.
«إيه؟!»
المحامي بدأ يراجع المستندات بعناية، وبعد دقائق قال بجدية:
«واضح إن فيه مستندات بتشير لمحاولة استخدام توقيع الدكتورة سارة للحصول على قرض بضمان الشقة. لازم نتأكد من صحة الأوراق، ونتخذ الإجراءات القانونية اللازمة.»
ساد الصمت في المكان.
حتى أم كريم بدت عليها علامات القلق، وكأنها بدأت تستوعب حجم المشكلة اللي ابنها دخل فيها.
في اللحظة دي، رن موبايل كريم.
ظهر على الشاشة اسم شخص غريب بالنسبة لسارة: الحاج منصور.
رد كريم بصوت متوتر، لكن الطرف التاني كان بيتكلم بصوت واضح سمعه الموجودون.
«يا كريم، بكرة آخر معاد. يا الفلوس، يا نشوف حل للموضوع.»
قفل كريم المكالمة، وقعد على أقرب كرسي وهو مش عارف يقول إيه.
أما سارة، فبدأت تفهم إن طبق الشوربة اللي اترمى في الحوض مكنش غير بداية لمشكلة أكبر بكتير.
الرجل اللي عاش سنتين معتمد عليها في كل مصاريفه، مكنش مخبي عنها الكسل بس، لكنه كمان كان مخبي ديون كبيرة، ومحاولة للتصرف في شقتها من غير علمها.
الجزء الثالث: ظهور الحاج منصور
فضل كريم قاعد في مكانه، والموبايل لسه في إيده.
محدش اتكلم.
حتى أمه، اللي كانت من شوية بتدافع عنه بكل ثقة، بقت بتبص له وكأنها بتسمع عنه لأول مرة.
المحامي قطع الصمت وسأله:
«مين الحاج منصور؟»
كريم بلع ريقه وقال:
«راجل كنت بستلف منه.»




