
في البداية، افتكرت إنه دفع مصاريف تخص البيت أو الشغل. لكن لما فتحت كشف الحساب، اكتشفت إن الموضوع مش مجرد عملية واحدة. كان فيه مبالغ بتتسحب على فترات متقاربة، وكل مرة بمبلغ مختلف. قعدت قدام الشاشة وقت طويل، وهي بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل.
هي ومايكل كان عندهم حساب مشترك، وكانوا بيحوشوا فيه فلوس علشان مستقبلهم، وأي مصاريف كبيرة كانوا بيتناقشوا فيها قبل ما ياخدوا قرار. لكن السحوبات دي ماكانش ليها تفسير.
آنا كانت بتثق في مايكل، وعمرها ما تخيلت إنه ممكن يخبي عنها حاجة تخص فلوسهم. كانت فاكرة إن كل واحد فيهم عارف التاني بيعمل إيه، وإن حياتهم مبنية على الصراحة. لكن لما راجعت الحساب بالتفصيل، اكتشفت إن مبالغ كبيرة اتسحبت على مدار شهور.
لما واجهت مايكل، رد عليها بطريقة زادت شكوكها. إنتِ بتفتشي ورايا ليه؟ هو أنا بقيت متهم عندك؟ آنا استغربت من رد فعله. أنا مش بتهمك، يا مايكل. أنا بس عايزة أفهم الفلوس دي راحت فين. دي فلوسنا إحنا الاتنين. رد بعصبية وأنا مش مطالب أشرح لك كل حاجة بعملها! آنا بصت له بصدمة. طول سنين جوازهم، ما كانتش متعودة تسمع منه الكلام ده.
حاولت تهدي الموقف، وقالت إحنا عمرنا ما خبينا حاجة عن بعض. إيه اللي اتغير؟ لو فيه مشكلة، نقدر نحلها مع بعض. لكنه رفض يتكلم، وخرج من الأوضة. الليلة دي، آنا ما نامتش كويس. فضلت تفكر في الفلوس اللي اختفت، وفي طريقة مايكل اللي اتغيرت فجأة.
وبعدين قالت لمايكل إنها عايزة تتكلم معاه بعيد عن البيت. وافق، وخرجوا بالعربية. كانوا ساكتين في البداية، وكل واحد فيهم غرقان في أفكاره. لكن بعد ما بعدوا عن المدينة، آنا قررت تواجهه للمرة الأخيرة. قالت له بصوت ثابت أنا عرفت إنك بتسحب الفلوس من حسابنا من شهور، ومن غير ما تقول لي.
أنا مش هقدر أكمل حياتي بالشكل ده. مايكل شد إيده على عجلة القيادة. إنتِ مكبرة الموضوع أوي. لأ، أنا مش مكبرة حاجة. إنت خبيت عني فلوسنا، ولما سألتك، اتعاملت معايا كأني عدوك. آنا، كفاية بقى! لكنها كملت أنا هطلب الطلاق.
الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة. لف وشه ناحيتها، وبصلها بنظرة ما شافتهاش في عينيه قبل كده. إنتِ بتقولي إيه؟ بقول إني مش هكمل مع شخص مش قادرة أثق فيه. ساد الصمت للحظات. وبعدين مايكل قال بصوت بارد إنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه.
وبعدها، بقت كل التفاصيل ضبابية بالنسبة للناس اللي حواليهم. الشرطة سجلت الحادثة في البداية باعتبارها حادث تصادم منفردًا، في انتظار استكمال التحقيقات. ومايكل ظهر باعتباره الزوج المصدوم اللي اتعرضت مراته لحادثة خطيرة. لكن الحقيقة، اللي بدأت تتكشف بعد كده، كانت مختلفة تمامًا.
الفصل الرابع: لما الأمل بدأ يموت
رجعنا للحاضر، بعد مرور حوالي 3 شهور على الحادثة. حالة آنا بدأت تتدهور بشكل ملحوظ. في الأول، كانت حالتها مستقرة نسبيًا، رغم إنها ما فاقتش من الغيبوبة. لكن في نهاية الشهر التالت، ظهرت مضاعفات جديدة، وبدأت بعض أعضاء جسمها تعاني من تراجع في وظائفها.
الدكاترة عملوا فحوصات إضافية، وراجعوا نتائج التحاليل، وحاولوا يسيطروا على المضاعفات. لكن الوضع كان صعبًا للغاية. وفي صباح يوم، رئيس الفريق الطبي طلب من مايكل يدخل مكتبه. مايكل دخل وقعد قدامه، وهو بيحاول يبان متماسك.
الدكتور بدأ يتكلم بهدوء أستاذ مايكل، إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه عشان نحافظ على حياة زوجتك، لكن حالتها للأسف بتتدهور. مايكل بص له من غير ما يتكلم. الدكتور كمل ظهرت مضاعفات خطيرة، واستجابتها للعلاج مش بالشكل اللي كنا بنتمناه. لازم نتكلم بصراحة عن فرص التحسن وعن الخيارات الطبية المتاحة.
مايكل حط إيديه على وشه. يعني إيه؟ إنتوا بتقولوا إن مفيش أمل؟ الدكتور ما استعجلش في الرد. أنا بقول إن الوضع حرج جدًا، وإننا محتاجين نناقش الحالة بكل تفاصيلها مع الأسرة، وفقًا للتقييم الطبي والقواعد المعمول بيها. مايكل فضل ساكت. وبعدها بدأ يبكي.
دي مراتي أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرها. الدكتور سابه ياخد وقته، وبعدها أنهى الحديث. لما مايكل خرج من مكتبه، كان وشه شاحبًا. قعد على كرسي في الممر، وحط راسه بين إيديه. ممرضة شافته وقربت منه. أنا آسفة جدًا يا أستاذ مايكل.
لكنه ما ردش. في اللحظة دي، أي حد يشوفه كان هيصدق إنه راجل حياته تنهار قدامه. لكن اللي محدش كان يعرفه إن جواه كان فيه إحساس تاني تمامًا. إحساس بالترقب. لأن احتمال إن آنا ما تفوقش أبدًا كان بالنسبة له خبرًا بيغيّر كل حاجة.
ومع ذلك، كان لازم يستمر في تمثيل دوره لآخر لحظة. ومايكل لسه بييجي كل يوم، بنفس المواعيد تقريبًا، ونفس الملامح الحزينة اللي خلت كل اللي يشوفوه يحس بالشفقة عليه. كان بيصحى الصبح، يجهز نفسه للشغل، وبعدها يعدّي على المستشفى قبل ما يروح مكتبه.
يقعد جنب آنا شوية، يمسك إيدها، ويحكيلها عن يومه، وبعدها يمشي وهو بيوصي الممرضات يهتموا بيها. وبالليل، يرجع تاني. ساعات كان بيقعد لحد ما الزيارة تخلص، وساعات كان بيفضل لوقت متأخر، لحد ما واحدة من الممرضات تضطر تفكره إنه لازم يرتاح شوية.
كان بيجيب لها ورد، ويغير الورد القديم، ويختار لها نفس الأنواع اللي كانت بتحبها. وكان أحيانًا يجيب زجاجة البرفان المفضلة عندها، ويرش رشة خفيفة جنب مخدتها. كان فاكر إن آنا بتحب الريحة دي، وإنها كانت دايمًا بتقوله إنها بتحسها بالأمان والراحة.
وكل ما حد يسأله إذا كان عنده أمل إنها تفوق، كان يرد بنفس الإجابة طول ما هي عايشة، أنا مش هفقد الأمل. الكلام ده كان بيخلي الناس تتأثر بيه أكتر. وفي مرة، ممرضة شابة كانت بتتابع حالة آنا، وقفت مع مايكل في الممر وقالت له بجد، أنا شفت حالات كتير هنا، وشفت أزواج وأهالي بييجوا في الأول وبعد كده يختفوا.
لكن حضرتك ما غبتش يوم واحد تقريبًا. مراتك محظوظة إن عندها حد بيحبها بالشكل ده. مايكل ابتسم ابتسامة حزينة، وبص للأرض. آنا تستاهل كل ده وأكتر. دي عمرها ما قصرت معايا. الممرضة هزت راسها بإعجاب، ومشيت وهي مقتنعة إنها قدام راجل نادر في الزمن ده.
لكن لو كانت تعرف اللي هيحصل بعد كده، كانت هتفكر ألف مرة قبل ما تمدحه. لأن مايكل ماكانش بيرجع المستشفى كل يوم علشان يتطمن على مراته وبس. كان بيرجع علشان يتأكد إن الكابوس اللي بيطارده مش هيصحى في يوم من الأيام ويواجهه بالحقيقة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




