منوعات

مليونير راح يستلم فستان بنته… وسمع دندنة طفلة من وراء باب مقفول!

كانت الشمس تبدأ بالاختفاء خلف ناطحات السحاب فتلون السماء بلون برتقالي يكاد يكون معدنيا ذلك اللون الذي يبدو كأنه صنع خصيصا لأولئك الذين يملكون رفاهية التوقف والتأمل بلا عجلة. أما في قصر عائلة مونتينيغرو فلم يكن الغروب باعثا على السكينة. فالصمت هناك لم يكن راحة بل مسافة. كان بيتا شاسعا يردد كل صدى فيه الحقيقة ذاتها أن البشر قد يعيشون تحت سقف واحد ومع ذلك يشعرون بوحدة قاسية.

كانت دايانا مونتينيغرو تتأمل نفسها في مرآة غرفة الملابس بدقة من ينظر إلى واجهة عرض. عدلت قرطي الألماس رشت عطرا فاخرا وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة متدربة لا تصل إلى عينيها. كان جدولها مزدحما عشاءات وصديقات ومناسبات يلمع فيها الجميع من الخارج ولا يسأل أحد عما في الداخل.

على بعد خطوات كانت إيفيلين ذات الست سنوات بشعر مصفف بعناية وحذاء لامع تنظر إليها بمزيج من الإعجاب وتعلم مبكر خطير. فالأطفال لا يقلدون ما يقال لهم بل ما يرونه. وقد تعلمت إيفيلين في سن مبكرة جدا أن قيمة الإنسان تقاس بالعلامة التجارية والبريق والقدرة على إصدار الأوامر.

قالت الطفلة وقد عقدت ذراعيها بالإيماءة المتعالية نفسها التي تقلدها من أمها

أمي هل ستبقين لتري فستاني الجديد

لم تدر دايانا رأسها أصلا.

عزيزتي لدي عشاء

 

مهم. سيأخذك والدك لشراء فستان الأميرة الذي تريدينه.

لكني أريده اليوم. لهذه الليلة.

وستحصلين عليه أجابت دايانا ببرود ولا نوبات غضب. الفتيات الجميلات لا يبكين على أمور تافهة.

ثم خرجت كمن يغلق بابا من الداخل تاركة خلفها أثر العطر الغالي وطفلة صغيرة تخلط بين الوحدة وحقها في طلب المزيد.

دخل رودريغو مونتينيغرو بعد دقائق. كان رجلا صنع نفسه بنفسه صلبا في عالم الأعمال ولينا من غير قصد في ما هو جوهري. كان قد بنى إمبراطورية مالية لكن بيته بدا كمتحف متقنا لامعا فارغا. كان يحب ابنته حبا حقيقيا لكنه يعبر عنه بالطريقة الأسهل بالتنازل. هدايا ونزوات وأشياء. كأن الماديات قادرة على سد الفراغ الذي يخلفه الإهمال العاطفي.

وقفت إيفيلين أمامه بثبات.

أبي أريده الآن. أميرة البرنامج كان فستانها مزخرفا بنجوم وأكمامه من حرير. أريد ذلك الفستان.

نظر رودريغو إلى ساعته. متجره المعتاد كان مغلقا بسبب الجرد. مصادفة في أي بيت آخر كانت ستعني غدا. أما في بيته فكانت تعني حربا.

حسنا قال متنهدا سنذهب إلى بوتيك جديد. كاميلا وتيريزا. مررت به من قبل يقولون إنهما تصنعان المعجزات في الخياطة.

إن كان الفستان موجودا فسيكون لي الليلة أعلنت إيفيلين كملكة توقع مرسوما.

أمسك رودريغو بيدها وغادرا.

على بعد

كيلومترات في حي لا يكون فيه الغروب لوحة جميلة بل إنذارا بالإرهاق كانت جوليا تمشي وكتفاها مثقلتان بساعات طويلة. كانت قد نظفت ثالث مكتب لها في ذلك اليوم. يداها خشنتان من المواد الكيميائية والعمل وقلبها مشدود بذنب يتكرر دائما عجزها عن منح ابنتها كيارا حياة سهلة.

حين وصلت إلى بيتها الصغير وجدت أرماندو زوجها جالسا إلى الطاولة بنظرة شاردة ولفافة نقود مجعدة يحاول إخفاءها تحت كفه. لم تكن هناك رائحة طعام بل رائحة أعذار.

جوليا لا تبدئي تمتم مررت بسوء حظ. غدا أستعيد كل شيء. أحتاج فقط إلى قليل لهذه الليلة.

نظرت إليه جوليا وشعرت بغضب قديم متعب ذلك الغضب الذي لا يصرخ فجأة

بل يصرخ من فرط الإنهاك.

كان هذا المال لحذاء كيارا قالت بصوت مرتجف تمشي بنعال ممزقة بينما تبدده أنت في الشراب والمقامرة.

من الزاوية كانت كيارا تستمع. تسع سنوات وحساسية لا ينبغي لأي طفل أن يمتلكها. كان كل شجار حول المال يصل إلى أذنها كأنه حكم واحد أنت المشكلة. وفي صمتها بدأت فكرة تتكون في رأسها كسحابة داكنة لو لم تولد لربما كان والداها أقل ألما.

اقتربت من أمها بحذر كأن خطواتها قد تكسر شيئا هشا.

لا تقلقي يا أمي لا أحتاج إلى حذاء جديد. يمكنني استخدام القديم قليلا بعد همست وهي تعانقها.

كان ذلك العناق

هو الدعامة الحقيقية للبيت.

كانت شقيقتا أرماندو كاميلا وتيريزا قد تحولتا إلى نعمة ظاهرية. كانتا تقولان إنهما تعتنيان بكيارا بعد المدرسة. تقولان إنهما تساعدان. كانتا تملكان بوتيكا أنيقا في الحي الراقي فساتين باهظة وسجادا ناعما وواجهات لامعة. جوليا التي كانت تعيش على عجل شكرتهما من غير تفكير طويل لأن أي يد ممدودة حين تبلغ الأم حدها تبدو خلاصا.

لكن خلف الحرير والابتسامات لم تنظرا إلى كيارا كابنة أخ بل كمنفعة. يد صغيرة صامتة يسهل إخفاؤها.

بعد المدرسة كانت كيارا تذهب إلى البوتيك. لا لتلعب بل لتعمل.

خالتي تيريزا لا أشعر أنني بخير اليوم. أظنني مصابة بزكام. هل يمكنني أن أؤدي واجبي بدل الخياطة طلبت ذات يوم بصوت خافت.

ضغطت تيريزا على كتفها بالقدر الذي يؤلم وبالقدر الذي لا يترك أثرا.

اسمعيني جيدا قالت عليك أن تكوني ممتنة. لولا نحن لكنت وحدك في ذلك البيت القديم. هنا لديك سقف. أنت بأمان. لكن لا تسيئي استخدام طيبتنا. لقد كبرت ويجب أن تساعدي.

وأرسلتها إلى الغرفة الخلفية.

كانت تلك الغرفة عالما آخر مخفيا خلف الرفاهية. غرفة بلا نوافذ بلا تهوية طلاءها متقشر والرطوبة عالقة بالجدران ورائحة عفنة تلتصق بالحلق. كان الحر يتصاعد فيها سريعا كأن الهواء يغلق. كانت كيارا تكرهها لكنها لا تشتكي. كانت تفضل ذلك الألم

على أن تكون مشكلة لأمها.

في تلك الأمسية وصل طلب رودريغو الخاص. كانت إيفيلين تريد فستانا مطابقا تماما بتفاصيل صعبة. كانت الخياطات قد غادرن. تبادلت كاميلا وتيريزا نظرة عرفت كل واحدة فيهما ما يجب فعله.

لديك حتى الليل أمرت كاميلا وهي ترمي القماش على الطاولة الصغيرة إن لم يكن مثاليا فلا عشاء.

أومأت كيارا بصمت وبدأت تخيط بمهارة لا ينبغي أن تكون لطفلة. ولئلا تبكي ولئلا تفكر في الحر راحت تدندن بخفوت أغنية برنامج مملكة النجوم. كانت تلك الأنشودة مهربها وبابها السري إلى عالم لا تكون فيه الفتيات سوى فتيات.

بعد ساعات وصل رودريغو وإيفيلين إلى البوتيك. كانت الاستقبال يلمع بضوء ذهبي وتفوح منه رائحة القهوة والعطر. استقبلتهما كاميلا وتيريزا بلباقة مبالغ فيها تلك اللباقة التي يولدها الخوف من خسارة زبون مهم.

سيد مونتينيغرو يا له من شرف قالت تيريزا الفستان شبه جاهز. بقيت بعض اللمسات الأخيرة.

أجلسوهما على أريكة مخملية. بدأت إيفيلين تفقد صبرها تنظر إلى الدمى كأنها تماثيل مملة.

أبي هذا المكان ممل. قالوا دقائق وقد طال الوقت.

حاول رودريغو الحفاظ على هدوئه رغم أنه أراد المغادرة أيضا. عندها حدث الأمر.

شق الهواء صوت خافت بالكاد يسمع في البداية دندنة طفولية عذبة حزينة. تجمدت إيفيلين

كأن أحدا أطفأ العالم.

أبي هذه أغنيتي همست بعاطفة نادرا ما رآها فيها أغنية البرنامج.

أصغى رودريغو. كان الصوت يأتي من الداخل من حيث لا يذهب الزبائن. تخيل طفلا يلعب أو قريبة لصاحبتي المتجر أمرا بريئا. وللمرة الأولى منذ زمن طويل فكر أن إيفيلين قد تحتاج إلى ذلك طفلة في سنها وصوت قريب.

لنر قال لكن بحذر.

سارا نحو الخلف. ومع كل خطوة تغير البوتيك. اختفى الضوء الدافئ وحلت محله أنابيب فلورية تومض. حل الأسمنت المتشقق بدل السجاد. وخنق العطر رائحة احتجاز وغبار قديم ورطوبة فاسدة.

لماذا الرائحة كريهة هكذا أبي سألت إيفيلين وهي تسد أنفها.

لم يجب رودريغو. تشدد فكه.

ازدادت الدندنة قوة تقودهما عبر ممر ضيق. في نهايته باب خشبي موارب لكنه مغلق من الخارج بمزلاج. مزلاج وضع ليمنع الخروج.

شعر رودريغو بشيء في صدره. حدس. إنذار. فتح الباب.

اندفع الحر كضربة. هواء ثقيل راكد صعب التنفس. وهناك تحت مصباح أصفر كانت طفلة منحنية فوق ماكينة خياطة. لم تكن تلعب. كانت تعمل. تتحرك يداها بسرعة آلية. يتصبب العرق على وجهها ويسقط على الدانتيل الأبيض للفستان الذي كانت تتمه.

كانت الجدران ملوثة ببقع سوداء من العفن كأنها وباء.

وقفت إيفيلين خلف أبيها بلا كلام.

تقدم رودريغو خطوة فاصطدم قدمه بصندوق. سقطت زجاجة

بلاستيكية وكان الصوت كافيا لكسر السحر. فزعت الطفلة وغرزت الإبرة في إصبعها فتلون الفستان بنقطة حمراء.

استدارت بذعر تخبئ القماش خلف ظهرها كأنها تنتظر عقابا.

أنا آسفة! أوشكت على الانتهاء يا خالتي تيريزا! أقسم! صاحت بصوت مكسور من الخوف.

شعر رودريغو بأن الدم يغلي في عروقه.

لست خالتك قال بصوت منخفض كي لا يفزعها أنا زبون. لا تخافي لن يؤذيك أحد.

رمشت الطفلة بحيرة ونظرت إلى رودريغو ثم إلى إيفيلين. ظل جسدها متشنجا كحيوان محاصر.

لماذا أنت هنا مغلقة عليك سأل رودريغو وهو يتفحص الغرفة هذا الهواء سم.

علي إنهاء الفساتين همست وهي تمسح العرق بظهر يدها خالاتي يقلن إنه يجب أن أكون نافعة. إن لم أعمل أكون عبئا أمي لا تملك مالا. هن يفعلن معي معروفا بتركي هنا كي لا يصيبني مكروه.

انغرست العبارة كسكين يفعلن معي معروفا.

نظر رودريغو إلى الأقمشة الغالية وتصميم الفستان ودانتيل النجوم. وفهم فجأة ما الذي يحمل ذلك البذخ. لم يكن مالا فقط. كان عرق طفلة مخفيا في غرفة بلا نوافذ.

هل يجبرنك سأل بصوت اشتد.

خفضت كيارا بصرها.

أنا فقط أساعد. لكن يجب أن أكون هنا لأن أحدا لا ينبغي أن يراني. لو رأتني الشرطة ستقع خالاتي في مشكلة ولن يعدن قادرات على رعايتي.

رأى رودريغو طبقا فيه خبز يابس وكأس ماء عكر

في الزاوية. رأى يدي الطفلة ممتلئتين بندوب صغيرة ووخزات قديمة وحديثة وأطراف قاسية وأصابع تشبه أصابع الكبار.

شعرت إيفيلين التي اعتادت الأمر والعلو بعقدة في حلقها.

أبي انظر إلى يديها همست.

هناك انفجر رودريغو في داخله. لكنه في الظاهر أجبر نفسه على الثبات.

هذا ينتهي الآن أعلن.

تعلقت كيارا بكمه مذعورة.

لا أرجوك! إن قلت شيئا سيغضبن. سيقلن إني جاحدة. ستفقد أمي مساعدتهن أستطيع التحمل. لا يهم.

كانت تلك أقسى لحظة أن تؤمن طفلة أنها تستحق الألم كي لا تكون عبئا.

دوت خطوات سريعة في الممر. ظهرت كاميلا وتيريزا بوجهين شاحبين تحاولان الابتسام.

سيد مونتينيغرو يمكننا الشرح

استدار رودريغو. نظرته وحدها جعلتهما تتراجعان.

أنتما وحشتان قال دون أن يرفع صوته وكان ذلك أشد كيف تجرؤان على تسمية هذا رعاية

حاولت تيريزا استعادة قناعها.

الطفلة أرادت التعلم إنها من العائلة

كذب! أشار رودريغو إلى يدي كيارا المجروحتين لا يطلب طفل أن يحبس مع العفن ليخيط فساتين بآلاف الدولارات.

أخرج هاتفه وكاد يتصل حين شدت كيارا كمه من جديد وهي تبكي

إن سجنتهن سيكرهنني سيقلن إن ذلك بسببي ولن يكون لي مكان أذهب إليه.

توقف رودريغو. لا لأنه تراجع بل لأنه فهم الحل ليس عقابا فقط بل إنقاذ كامل. اقتلاع جذر الخوف.

لن أغادر قال وهو يعيد الهاتف ببطء لن يلمس هذه الطفلة أحد. وستبقين صامتتين حتى تأتي أمها. أريدها أن ترى الحقيقة بعينيها.

ثقلت الساعات. بدا الترف في الاستقبال زائفا. جلست إيفيلين قرب كيارا. للمرة الأولى لم تسأل عن الفستان بل عنها.

ألا يؤلمك ظهرك من الجلوس هكذا قالت وهي تلمس ذراعها بتردد.

ابتسمت كيارا ابتسامة حزينة.

أحيانا لكني أتخيل أن العفن نباتات متسلقة في حديقة سحرية وأن الحر شمس شاطئ.

ابتلعت إيفيلين ريقها. لم تعرف ماذا تقول. فقط أمسكت يدها.

قرابة الثامنة رن هاتف المتجر. أسرعت كاميلا لكن رودريغو سبقها ورد.

مرحبا جوليا تتكلم قال صوت منهك تأخرت ولا توجد حافلة. من فضلك هل يمكن أن تبيت كيارا عندكن مرة أخرى شكرا لرعايتكن لها. لا أعرف ماذا أفعل دونكن.

شد رودريغو على السماعة.

سيدة جوليا لا تتحدثين مع كاميلا. تتحدثين مع رودريغو مونتينيغرو. أنا في المتجر مع ابنتك.

صمت. ثم هلع.

ماذا من أنت هل ابنتي بخير هل أصابها شيء

هي على قيد الحياة أجاب رودريغو بحزم لكن عليك المجيء فورا. خذي سيارة أجرة وأنا أدفع. إن لم تصلي فغدا ستكون الشرطة والصحافة هنا.

أغلق الخط.

بعد دقائق قطع صوت توقف سيارة الأجرة التوتر. دخلت جوليا بزي تنظيف مهترئ وحقيبة قماش وعينين مذعورتين.

أين ابنتي صرخت دون أن تلتفت إلى الثريات أو الواجهات.

قادها رودريغو إلى الممر. فتح باب الغرفة الخلفية. ضربها الحر والرائحة كصفعة. تجمدت وهي ترى المكان والطاولة والماكينة والبقع السوداء على الجدران.

ثم رأت كيارا منكمشة تحاول أن تصغر.

سقطت

جوليا على ركبتيها وعانقتها بيأس كأنه يمزقها.

سامحيني يا حياتي سامحيني لم أكن أعلم نشجت قالوا إنك تلعبين وتأكلين وأنك بأمان

بكت كيارا أيضا.

لم أرد أن أقلقك يا أمي ظننت أنه خطئي

لا رفعت جوليا وجهها ليس خطأك. لم يكن يوما.

نهضت جوليا وتحول ألمها إلى غضب.

ملعونتان! صاحت في وجه كاميلا وتيريزا إنها ابنة أخيكما! كيف استطعتما!

حاولت كاميلا الرد بازدراء كأن لها سلطة بعد.

لولا نحن لكانت الطفلة وحدها. علمناها الانضباط. أنت لا تملكين شيئا

وقف رودريغو أمام جوليا بهدوء مخيف.

لن تكون وحدها بعد اليوم قال ولن تلمساها مجددا.

ثم نظر إلى جوليا بجدية.

أعرض عليك عملا في بيتي. أجرا كريما. ستعيشان هناك. ستنعمين أنت وكيارا بالأمان. وابنتي تحتاج إلى صديقة إلى رفيقة إلى من يعلمها ما لا يشترى بالمال.

نظرت جوليا إليه كمن يعرض عليه حلم أكبر من التصديق.

لماذا لماذا تفعل ذلك

تنفس رودريغو بعمق.

لأن ابنتك اليوم علمتني معنى الحب الحقيقي. تتحمل كي لا تكون عبئا بينما كان يجب أن تلعب. ولأن بيتي كبير لكنه كان فارغا. يحتاج روحا. وابنتي تحتاج أن تتعلم رؤية البشر لا الأسعار.

اقتربت إيفيلين من كيارا وضغطت يدها.

تعالي معنا قالت بصدق سأعيرك ألعابي ولن تضطري للغناء وحدك بعد الآن.

نظرت كيارا إلى أمها. وفي عينيها وللمرة الأولى منذ سنوات دفعت الأمل الظل إلى الخلف.

أومأت جوليا وهي ترتجف.

أقبل شكرا.

لم يترك رودريغو الباقي للصدفة. أجرى اتصالات. محامين. بلاغات. وأخيرا توقف البوتيك

عن كونه معبد نفاق وصار مسرح حقيقة. فقدت كاميلا وتيريزا السيطرة التي بنتاها على الأكاذيب.

في تلك الليلة صعدت جوليا وكيارا إلى سيارة رودريغو. كانت المدينة تمر خلف الزجاج وكيارا تنظر إلى الأضواء كأنها نجوم من عالم آخر. إيفيلين إلى جانبها لم تتحدث عن فساتين. تحدثت عن أغنيات ورسوم وألعاب. كأنها في ساعات قليلة تذكرت كيف يكون الشعور بكونها طفلة.

استقبل قصر مونتينيغرو المرمر والسلالم المزدوجة. شدت جوليا يد كيارا شاعرة بأنها في غير مكانها. ثم ظهرت دايانا متقنة المظهر باردة ونظرة حادة.

رودريغو ما معنى هذا قلت إنك ستجلب فستانا لا أن تفتح ملجأ.

لم يتراجع رودريغو.

يعني أن هذا البيت سيحصل على روح قال ستعمل جوليا معنا باحترام. وستكون كيارا رفيقة لإيفيلين. وإن لم تستطيعي معاملتهما بما يستحقان فمن عليها أن تراجع نفسها هو أنت.

كانت الأيام الأولى متوترة. لكن التغيير بدأ حيث يؤلم أكثر عند المائدة.

في إحدى الليالي طلب رودريغو أن تتعشى كيارا معهم. طاولة الماهوغني التي كانت دائما مثالية شهدت صمتا جديدا. تذمرت إيفيلين من الخضار كما اعتادت. وكانت كيارا قبالتها تنظر إلى الطبق الساخن كأنه معجزة.

قبل الأكل أغمضت كيارا عينيها وهمست بدعاء شكر.

لماذا تفعلين ذلك سألت إيفيلين باستغراب إنه مجرد طعام.

ابتسمت كيارا.

لأنه ألذ طعام رأيته منذ زمن. ولأن من يملك القليل يتعلم أن يشكر كثيرا.

خفضت إيفيلين نظرها خجلة دون أن تفهم تماما السبب وأكلت بصمت.

رأت دايانا ذلك

وتصدع شيء في أعماقها.

بعد أيام مرت بالمطبخ ووجدت جوليا تنظر إلى صورة قديمة لكيارا رضيعة وتبكي بصمت.

لماذا تبكين سألت دايانا بنبرة ألين مما اعتادت.

مسحت جوليا دموعها.

أبكي على الوقت الذي ضاع سيدتي. على أنني لم أر على أنني صدقت أنها بأمان المال يعوض. أما خوف طفل فلا يعود كما كان.

شعرت دايانا بضربة. إذ رأت نفسها فجأة. كانت هي أيضا تفقد ابنتها لا بسبب الفقر بل بسبب الاختيار. وكان هذا الإدراك أشد ألما من أي اتهام.

في تلك الليلة تحدثتا طويلا. أمان من عالمين مختلفين جمعهما الخوف ذاته أن تستيقظا متأخرتين.

تقدمت العدالة. أغلق البوتيك. نطقت الأدلة. ومع الوقت واجه أرماندو أيضا العواقب التزامات ومسؤولية وواقعا طالما هرب منه.

فعلت السنوات ما تفعله حين يجرؤ المرء على التغيير

فتحت طرقا جديدة. جوليا بأجر عادل ولأول مرة مع استقرار ادخرت وتعلمت ونمت. وفي يوم ما افتتحت مشروعها الخاص للحفلات والولائم وعينت نساء مثلها متعبات قادرات غير مرئيات للعالم. نساء كن يحتجن فرصة فقط.

صارت دايانا أكثر حضورا. استخدمت نفوذها لدعم قضايا حقيقية. وأخيرا شعر رودريغو بأن بيته حي. لا بسبب الثريات بل بسبب الضحكات.

كبرت كيارا وإيفيلين كأختين بالاختيار. وكلما سمعن أغنية مملكة النجوم لم يعدن يتذكرنها حزنا بل شرارة أشعلت الإنقاذ.

لأن ما أنقذ الجميع في النهاية لم يكن فستانا مثاليا بل صوتا صغيرا يدندن في الظلام ورجلا قرر للمرة الأولى أن ينظر إلى ما وراء صالة الاستقبال.

وأنت لو سمعت تلك الدندنة خلف باب مغلق هل كنت ستمضي أم تفتح الباب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى