
تحركت القافلة ببطء في البداية كأنها تمنحها فرصة أخيرة للتراجع.
صوت إيسيدورا ظل يتردد من بعيد حادا غاضبا يقطع سكون الصباح. بعض الأبواب انفتحت بعض الوجوه أطلت من النوافذ لكن لم يجرؤ أحد على اللحاق بها.
إيلينا لم تلتفت.
لأول مرة في حياتها لم تلتفت.
كانت يدها ممسكة بسرج الحصان بقوة وقلبها يخفق بعــ,نف لكنها لم تشعر بالخوف كما توقعت. شعرت بخفة
غريبة كأن حملا ثقيلا أزيح عن صـ,درها.
بعد ساعة اختفت بارانكا كولورادا خلف التلال.
تنفست بعمق.
لسه تقدري ترجعي قال كروز بهدوء دون أن ينظر إليها.
هزت رأسها.
لا. لو رجعت هموت هناك. حتى لو فضلت عايشة.
صمت قليلا ثم قال
إذن اعتبري دي أول يوم في حياتك.
لم تكن الأيام التالية سهلة.
الطريق طويل والشمس قاسية والعمل في سونورا لم يكن حلما ورديا. عملت في مطبخ صغير أولا ثم في مغسلة ثم تعلمت الخياطة على يد امرأة عجوز كانت ترى في عينيها شيئا صلبا لا ينكــ,سر.
لم تعد الفتاة.
بدأ الناس ينادونها باسمها.
إيلينا.
وفي كل مرة تسمع الاسم كانت تشعر أنه يعاد إليها قطعة قطعة.
أما كروز فبقي فترة ثم أكمل طريقه مع القوافل. لم يعدها بشيء ولم يطلب منها شيئا. فقط قبل رحيله قال لها
أنا ما أنقذتكش. أنا بس قلت كلمة. الباقي أنت عملتيه.
فهمت يومها الحقيقة.
لم يكن الرجل هو المعجزة.
الكلمة كانت.
كفى.
مرت سنوات.
وفي أحد أيام الصيف توقفت عربة صغيرة عند أطراف بارانكا كولورادا.
نزلت منها
امرأة بثوب بسيط وقامة مستقيمة ونظرة ثابتة.
لم يعرفها كثيرون في البداية.
لكن إيسيدورا عرفتها.
كانت تجلس على مقعد خشبي أمام البيت وقد أنهكها العمر والمرض. رفعت رأسها ببطء وتجمدت ملامحها.
إيلينا
لم يكن في الصوت أمر ولا احتقار. فقط ارتباك.
اقتربت إيلينا بخطوات هادئة.
لم تأت للانتــ,قام.
لم تصرخ.
لم ترفع يدا.
وقفت أمام المرأة التي حطــ,مـ,ت طفولتها وقالت بهدوء
أنا مش حيوان.
ثم أخرجت من جيبها كيسا صغيرا من المال ووضعته على الطاولة.
ده ثمن البيت. اشتريته من صاحبه بعد ما تراكمت عليك الديون.
اتسعت عينا إيسيدورا.
ليه
أجابت إيلينا بنبرة لا تحمل كراهية
عشان ما يبقاش ليك علي شيء ولا يبقى لي عليك شيء.
استدارت ومشت.
هذه المرة لم يكن هناك صراخ خلفها.
فقط صمت.
صمت ثقيل يشبه النهاية.
في تلك الليلة جلست إيلينا خارج البيت الذي كان يوما سجنها.
النجوم نفسها كانت تلمع فوق التلال.
لكنها لم تعد الفتاة التي تدفع إلى المعلف.
كانت امرأة اختارت.
اختارت أن ترحل.
اختارت أن تعيش.
واختارت أن تسامح دون أن تنسى.
لأن أحيانا لا تحتاج المعجزة إلا إلى كلمة واحدة.
كفى.




