
طلبت منها مرة ألا تسمح للسيدة صاحبة الحقيبة السوداء بالصعود بعد الثامنة مساءً.
وإحدى البنات من الطابق الرابع كانت تصور كل شيء بهاتفها.
عندما رأت كلارا الهواتف، تغير وجهها فورًا.
لم يعد غضبًا.
بل حسابات وخوفًا.
قالت بسرعة
روبرت نمشي.
الأوراق ما زالت هناك.
قلت نمشي.
لكنني كنت قد اتخذت قراري.
دخلت قبل أن يمنعني أحد، وجمعت كل الظروف والصندوق والصورة والوصية التي وجدتها تحت الوسادة.
نعم.
وصية كاملة.
وكان اسمي موجودًا فيها أيضًا.
أم فاضل تركت لي 302، ورسائلها، وكل الوثائق المتعلقة بمريم وابنتها نادين.
كانت الوصية مختومة وموقعة رسميًا.
رفعتها أمام روبرت.
وقلت
أمك لم تكن مشوشة.
قرأ الورقة وعيناه غضبًا.
هذه لا تساوي شيئًا.
قلت
هذا يقرره القاضي.
تراجعت كلارا خطوة إلى الخلف.
وفي تلك اللحظة فهمت أن ما يخيفها ليس البيت.
بل الرسائل.
كانت تخاف من صوت أمي وهي تتكلم من الورق بعد كل هذه السنوات.
نزلت الدرج بسرعة وأبو سعد خلفي.
في الخارج، كانت الكرادة مستمرة كأن شيئًا لم يحدث.
أصوات السيارات، ورائحة السمك المشوي من المطاعم القريبة، وبائع شاي يصرخ عند الزاوية تحت المطر الخفيف.
أما أنا فكنت أشعر أن حياتي كلها انقسمت إلى نصفين.
مشينا حتى السوق القريب.
لم أستطع التفكير بمكان آخر أذهب إليه.
هناك، بين محلات الخضار والعطور والأواني القديمة، شعرت أنني أقل وحدة.
أم علي، المرأة التي كنت أشتري منها الطماطم دائمًا، رأت وجهي فأدخلتني خلف بسطتها دون أن تسأل.
قالت بقلق
شبيچ بنتي؟ منو خوفچ هالشكل؟
أجبتها دون تفكير
أهلي.
وبدت الكلمة غريبة حتى على لساني.
لأنهم كانوا أهلي فقط.
أما هذه المرأة التي ناولتني كرسيًا وكأس شاي حار خلال دقيقة واحدة فكانت أقرب للعائلة منهم.
اتصلت بالشرطة.
ثم اتصلت بزميلتي من المكتبة، ملاك، التي كانت تدرس القانون مساءً.
وصلت بعد نصف ساعة، مبللة بالمطر وتحمل ملفًا تحت ذراعها ووجهًا جاهزًا للشجار.
قالت فورًا
لا توقّعين على شيء. ولا تعطين أي ورقة لأحد. والرسائل لا تتركينها حتى لو دخلتِ الحمام.
في تلك الليلة، أعطيت إفادتي.
وأبو سعد أعطى إفادته.
وجارة الطابق الثاني جاءت ومعها المقلاة التي خرجت بها من بيتها، وكأنها دليل رسمي.
والبنت من الطابق الرابع سلمت الفيديو الذي صورته، حيث ظهرت كلارا وهي تصرخ عليّ، وروبرت وهو يطالب بالأوراق.
لم يكن الأمر فيلمًا.
ولم تكن العدالة سريعة.
لكن للمرة الأولى كان هناك من يسمع النساء في هذه القصة.
أمي.
أم فاضل.
وأنا.
عدت إلى 302 بعد يومين، برفقة ملاك وشرطي ومدير العمارة.
بدت أصغر بدون الخوف الذي كان يسكنها.
فتحت الستائر.
دخل ضوء العصر فوق الأكواب المرتبة، والكرسي قرب النافذة، والعلب التي احتفظت بها أم فاضل بعناية.
لمست واحدة منها.
مرق الدجاج وقت السعال.
وبكيت.
ليس بكاءً عاليًا.
بل ذلك النوع الصامت الذي يخرج عندما يفهم الإنسان متأخرًا كم كان محبوبًا.
وجدنا أوراقًا أخرى خلف الصور المقلوبة.
إيصالات تحويل أموال إلى كلارا.
ورسائل من أمي لم تصلني يومًا.
ودفترًا صغيرًا كانت أم فاضل تكتب فيه ملاحظات عن زياراتي.
الثلاثاء نادين أحضرت شوربة. تبدو متعبة.
الخميس ابتسمت قليلًا اليوم. أتمنى أن يكون هناك من ينتظرها.
السبت اشتريت لها خبزًا، لكنني لم أخبرها حتى لا تخاف.
آخر رز بالحليب اقترب الوقت.
انحنيت فوق الطاولة ويدي ترتجف.
الجملة الأخيرة حطمتني.
أم فاضل كانت تعرف أنها سترحل.
ولهذا قالت
مو هسه.
لم تكن تمنعني من الدخول.
كانت تهيئ اللحظة فقط.




