
لهذا ربما رأيتني هادئة في العزاء. لم أكن بلا مشاعر كما ظننت.
قال
هذا ما استغربته.
أجابت
كنت في حالة صدمة.
ثم مسحت وجهها.
كنت أفكر في آخر حديث دار بيننا.
سألها
ماذا قال لك؟
قالت
تشاجرنا في الليلة السابقة.
بسبب الصلاة؟
أومأت.
كان الأذان قد رُفع، فقلت له إلى متى ستبقى هكذا؟ أنت شاب، ولا تعرف متى ينتهي العمر.
سكتت.
ثم قالت
غضب مني وقال كفى حديثًا عن الموت، أنا ما زلت صغيرًا.
انخفض صوتها أكثر
وفي اليوم التالي مات.
أطرق الأخ برأسه.
ساد الصمت في الغرفة.
لم يكن أحد يعرف ماذا يقول.
بعد قليل قال
رحمه الله وغفر له.
ردت الزوجة
آمين.
ثم أضافت
أنا لا أحكي لك هذا حتى أسيء إليه بعد موته.
أعرف.
ولا أريد أن يعرف الناس تفاصيل حياتنا.
قال
لن أجعل ما قلته مادة للحديث بين الناس.
ثم نظر إليها وقال
الإنسان بعد موته أحوج إلى الدعاء من أن نجلس نعدد أخطاءه.
بكت الزوجة للمرة الأولى بحرقة واضحة.
قالت
كنت أتمنى فقط لو أنه استمع إليّ مرة واحدة.
أجابها
ونحن جميعًا لدينا أشياء نتمنى لو أننا فعلناها بصورة مختلفة.
خرج الأخ من الغرفة بعد ذلك وهو يشعر بثقل كبير في صدره.
لم يعد المشهد الذي رآه داخل القبر مجرد صورة عالقة في رأسه.
لكنه في الوقت نفسه رفض أن يجعل منه حكمًا دينيًا قاطعًا.
قال لنفسه
الله أعلم بحقيقة ما رأيت، والله وحده يعلم حال أخي وما كان في قلبه وما خُتم له به.
لكن الكلمات التي سمعها من زوجته كانت كافية لتجعله يعيد النظر في أشياء كثيرة.
في تلك الليلة، عاد إلى البيت بعد انتهاء جزء من العزاء.
لم يستطع النوم.
جلس وحده في غرفة هادئة.
فتح المصحف.
لكنه ظل دقائق طويلة لا يقرأ.
كان يفكر في أخيه.
في عمره القصير.
في كل مرة ربما قال فيها لنفسه
سأتغير لاحقًا.
وفي كل صلاة أجّلها.
وفي كل نصيحة رفضها.
وفي الزوجة التي ظلت تأمل أن يأتي يوم تراه فيه مختلفًا.
ثم تذكر نفسه.
فمن السهل جدًا أن يرى الإنسان أخطاء غيره بعد رحيله.
لكن الأصعب أن يسأل
وماذا عني أنا؟
هل يضمن أحد أن يستيقظ غدًا؟
هل يضمن أحد أن يحصل على فرصة إضافية ليعتذر؟
ليصلح ما أفسده؟
ليعود إلى ربه؟
ليترك كلمة سيئة اعتادها؟
ليسامح من ظلمه؟
في اليوم التالي، جلس بجانب والدته.
كانت تمسك صورة أخيه.
قالت
كان جميلًا جدًا.
نظر إلى الصورة.
كان شقيقه يبتسم فيها.
قال
نعم.
سألته أمه
ماذا حدث لك منذ المقبرة؟ أشعر أنك تغيرت.
تردد.
لم يشأ أن يخبرها بما رأى.
كانت مكسورة بما يكفي.
قال
لا شيء يا أمي. فقط أفكر فيه.
قالت
ادعُ له.
أجاب
هذا ما يجب أن نفعله.
وبالفعل، قرر ألا يحوّل قصة أخيه إلى حديث يتناقله الناس للتسلية أو الخوف.
كان
كلما سأله شخص عن سبب شروده يقول
ادعوا له بالرحمة والمغفرة، فهذا أنفع له.
أما زوجته، فقد بقيت أيامًا قليلة مع عائلته ثم عادت إلى بيت أهلها.
وقبل أن تغادر، تحدث إليها الأخ مرة أخيرة.
قال
هناك شيء أريد أن أقوله لك.
ماذا؟
قال
سامحيني لأنني ظننت أن هدوءك في الجنازة يعني أنك لا تحزنين عليه.
خفضت رأسها.
أنا حزينة.
ثم قالت
لكن حزني ليس فقط لأنه مات.
إذن؟
حزينة لأنني كنت أرى الطريق الذي يسير فيه، ولم أستطع أن أغيره.
أجابها
الهداية ليست بأيدينا.
ثم أضاف
الإنسان ينصح من يحب، لكنه لا يملك قلبه.
أومأت.
قالت
أدعو الله أن يغفر له.
وأنا أيضًا.
بعد رحيلها، بقيت الحكاية في قلب الأخ سنوات.
لم يكن يحب أن يروي التفاصيل.
وإذا
رواها يومًا، كان يبدأ دائمًا بالتأكيد أن ما رآه في لحظة الدفن تجربة شخصية لا يستطيع أن يجعلها دليلًا شرعيًا على مصير إنسان بعينه.
لكنه كان يقول إن الشيء الذي لا يحتاج إلى تفسير هو أن العمر قد ينتهي دون موعد.
وأن الإنسان قد يخرج من بيته وهو يظن أن أمامه سنوات طويلة، ثم لا يعود.
ومرت الأيام.
وفي كل مرة كان يسمع الأذان، كان يتذكر ذلك اليوم.
لكن بدل أن يتذكر العبارة القاسية وحدها، كان يدعو لأخيه
اللهم اغفر له وارحمه، واغفر لنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.
وأصبح أكثر حرصًا على ألا يقسو في نصيحته للآخرين.
فقد أدرك أن الموعظة ليست في تخويف الناس بقصص لا نستطيع التحقق من تفاصيلها، وإنما في الحقيقة التي يعرفها الجميع
أن الحياة قصيرة.
وأن التوبة لا تحتاج إلى موعد خاص.
وأن الكلمة التي يقولها الإنسان مستهزئًا أو غاضبًا قد يندم عليها طويلًا.
وأن من الخطأ أن يطمئن المرء إلى شبابه أو صحته وكأنهما ضمان لبقاء العمر.
أما ما رآه الأخ في القبر، فقد ظل سرًا بينه وبين نفسه.
لم يستطع أن يفسره تفسيرًا يقينيًا.
هل كان ما رآه نتيجة رهبة اللحظة؟
هل تغيرت الملامح بعد الوفاة بطريقة جعلته يتوهم ذلك؟
أم كان للأمر تفسير آخر لا يعلمه؟
لم يكن لديه جواب.
ولذلك لم يدّعِ امتلاك جواب.
كان يقول فقط
الله أعلم بما رأيت، والله أعلم بعباده.
لكن شيئًا واحدًا كان متأكدًا منه.
حين دخل القبر في ذلك اليوم، كان يظن أنه ينزل فقط لدفن أخيه.
وحين خرج منه، خرج وهو ينظر إلى حياته هو بطريقة مختلفة تمامًا.
فقد أدرك أن السؤال الأهم ليس
كيف كانت نهاية فلان؟
بل
كيف أعيش أنا ما بقي من عمري؟
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع الأذان توقف عن كل ما في يده للحظات.
وتذكر شقيقه.
ودعا له.
ثم دعا لنفسه ولأهله بالثبات والهداية وحسن الخاتمة.
فلا أحد منا يعرف متى تكون آخر ليلة له، أو آخر صباح، أو آخر مكالمة، أو آخر فرصة يستطيع فيها أن يصلح شيئًا بينه وبين ربه أو بينه وبين الناس.
ولهذا لم تكن العبرة في غرابة المشهد الذي رآه داخل القبر بقدر ما كانت في الرسالة التي بقيت معه بعده
لا تؤجل إصلاح نفسك إلى غدٍ، لأن الغد وعد لم يمنحه الله لأحد.
رحم الله موتى المسلمين، وغفر لهم، ورزق الأحياء قلوبًا تعرف قيمة الوقت قبل أن يصبح كل شيء ذكرى.
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




