
في مارس من عام 1994، قرر الزوجان البريطانيان إيثان موريسون، البالغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، وزوجته أليس باترسون، ذات الستة والأربعين عاماً، أن يحتفلا بخبر حملها السعيد الذي جاء بعد سنوات طويلة من الانتظار والصبر. كانت رحلة استكشافية عبر ربوع المكسيك حلماً قديماً وجميلاً يراودهما معاً، ورأيا أن الوقت قد حان أخيراً لتحقيقه على أرض الواقع. استأجرا سيارة جيب بيضاء متينة، وحملا معهما خرائط ورقية مفصلة وكاميرا فيديو حديثة لتسجيل أجمل لحظاتهما السعيدة معا، متجاهلين تماماً تحذيرات السكان المحليين المتكررة من خطورة الطرق الوعرة والمهجورة الممتدة في قلب صحراء تشيهواهوا الواسعة.
كان الغروب في ذلك اليوم الاستثنائي ساحراً وخلاباً، يلون الكثبان الرملية الناعمة بلون برتقالي ناري يعكس روعة الطبيعة. جلس إيثان خلف المقود بتركيز، بينما كانت أليس تمسح بيدها الحانية على بطنها المستدير قليلاً، مبتسمة بسعادة خجولة تملأ قلبها. التفت إليها وقال بنبرة هادئة:
بعد هذه الرحلة الطويلة، سأكتب في مذكراتي الشخصية أن أجمل أيامي تبدأ حقاً الآن.
ردت عليه مازحة بخفة دم:
فقط احذر ألا تضيعنا في هذه الصحراء الواسعة؛ فقد سمعت مراراً أن طرقها متشابهة وخطيرة للغاية.
ضحك إيثان بصوت عالٍ لطمأنتها، لكنه شعر في أعماق داخله بقلق خافت ومفاجئ لم يستطع معرفة سببه الحقيقي.
في ليلة الخامس عشر من مارس، ومن داخل غرفة صغيرة متواضعة في فندق يقع على أطراف بلدة صحراوية هادئة، أجرى إيثان اتصالاً هاتفياً بأخته في مدينة لندن ليطمئنها. تحدث إليها قائلاً:
كل شيء يسير على ما يرام هنا، فلا تقلقي إطلاقاً. الطقس رائع والرحلة مدهشة بكل المقاييس.
سألته الأخت بنبرة ملؤها القلق:
هل أنتم بأمان تام هناك؟
أجابها بثقة:
أمان تام وكامل. غدا صباحاً سنتجه أعمق داخل الصحراء ثم نعود أدراجنا.
كانت تلك الكلمات هي آخر مرة يسمع فيها أي شخص صوته، فبعد ذلك المكالمة انقطع الاتصال تماماً وإلى الأبد، وكأن الأرض انبلعتهم.
في الأيام والأسابيع التالية، لم يصل أي خبر يطمئن العائلة القلقة. لم يظهرا في أي فندق آخر على طول الطريق، ولم يردا على الاتصالات المتكررة على هواتفهما. تحولت رحلتهما الحالمة تدريجياً إلى خبر صغير وصامت في صحف النشرات المحلية، يعلن عن اختفاء غامض ومحير لزوجين بريطانيين في قلب صحراء المكسيك القاحلة.
بدأت السلطات والشرطة المكسيكية تحقيقات موسعة وواسعة النطاق، لكنها باءت كلها بالفشل ولم تصل إلى أي نتيجة ملموسة. لم يتم العثور على السيارة المفقودة، ولا على أي آثار لجثث، أو حتى على متعلقات شخصية تدل عليهم. لم تتوقف العائلة عند هذا الحد، بل استعانت بمحققين خاصين مهرة وأهدرت مبالغ طائلة من المال، لكن كل الطرق كانت تقود في النهاية إلى جدار مسدود تماماً.
مرت السنوات الطويلة ثقيلة وبطيئة، ومع مرور الوقت تكاثرت الشائعات والأقاويل بين الناس. قال البعض ربما هاجمتهما عصابات مسطرة، وهمس آخرون بأنهما ضاعا في الصحراء الواسعة وماقا عطشاً وهلاكاً، بينما تحدث آخرون بنبرات خافتة عن طوائف غريبة تمارس طقوسا سرية ومظلمة في تلك المنطقة المعزولة. لكن رغم كل تلك التكهنات، لم يكن هناك أي دليل حاسم يقطع الشك باليقين.
مرت ثلاثة عشر كاملة على ذلك الاختفاء المحير. وفي صيف عام 2007، كان ثلاثة سياح شباب يتمتعون بجولة استكشافية في منطقة مقطوعة ومعزولة تعرف محلياً بوادي الظلال، حين اشتموا فجأة رائحة نفاذة وقوية تشبه رائحة العفن القديم. اقتربوا بحذر شديد من صبارة عملاقة فريدة في حجمها، فتجمدوا في أماكنهم من شدة الهول والصدمة. لقد عثروا على هيكل عظمي بشري كامل!
كان المشهد صادماً ومروعاً إلى أقصى حد، كأنه لوحة فنية مرسومة من كابوس مرعب. بجوار موقع الهيكل العظمي، عثر السياح على قطعة قماش وردية باهتة وممزقة، وأثبت الفحص الجنائي لاحقاً أنها تخص السيدة أليس. أثبتت التحقيقات أن الجثة تعود لزوجها إيثان، بينما اختفت أليس تماماً دون أي اثر يذكر. لا بقايا بشرية، لا عظام، ولا حتى أثر للسيارة المفقودة.
أثارت هذه التطورات الخطيرة ضجة إعلامية واسعة وعالمية، وأطلقت الصحف المحلية والعالمية على القضيّة لقب “لعنة صحراء تشيهواهوا”. أُعيد فتح التحقيقات الرسمية من جديد، لكنها مرة أخرى لم تفضِ إلى أي نتيجة حاسمة. رجح بعض الخبراء الأمنيين أن العصابات المحلية أرادت إرسال رسالة رعب قاسية عبر تثبيت الجثة على الصبار، بينما رأى آخرون أن المشهد يحمل ملامح واضحة لطقوس دينية غامضة. وهناك من تساءل بكثير من الريبة إن كانت أليس قد اختطفت عمدا لأسباب مجهولة وغير علنية، خاصة وأنها كانت حاملاً وقت اختفائها.
ظلت عائلة موريسون لسنوات طويلة تقيم وقفات احتجاجية واعتصامات سلمية في العاصمة البريطانية لندن، مطالبة السلطات بالكشف الكامل عن مصير ابنتهم أليس، إلا أن السلطات المكسيكية أغلقت الملف نهائياً باعتباره جريمة مقيدة ضد مجهول. وحتى يومنا هذا، ما زال بعض المغامرين الشجعان يزورون ذلك المكان الموحش، ويصفونه بأنه يبعث على الرهبة، كأن الهواء نفسه يحمل سراً ثقيلاً ومظلماً يرفض تماماً أن يُكشف
وبينما بقيت تلك العظام الباقية شاهدة صامتة على مأساة إنسانية غامضة، ظل السؤال الكبير يتردد بلا إجابة شافية: هل كانت أليس ضحية أخرى بريئة دُفنت بصمت في رمال الصحراء القاسية، أم أنها تمكنت بطريقة ما من النجاة وعاشت لتُروى عنها قصة لم يسمعها أحد قط على مدار كل تلك السنين الطويلة؟




